ريادة الأعمال في قطر

ريادة الأعمال في قطر

خطوات ثابتة ومستقبل واعد

لقاء خاص

عبد الرحمن العمادي
نائب رئيس نادي رواد الأعمال الشباب

شهدت منظومة ريادة الأعمال في دولة قطر خلال الأعوام الأخيرة حراكًا متسارعًا، مدفوعًا باهتمام حكومي واسع وسياسات واضحة لدعم هذا القطاع الحيوي لكونه ركيزة أساسية لتنمية المجتمع وبناء اقتصاد متنوع ومستدام قائم على المعرفة. تجسد هذا الاهتمام في شبكة دعم متكاملة توحدت فيها جهود مؤسسات الدولة بمختلف مستوياتها وكان أبرزها ترسيخ ثقافة ريادة الأعمال في المدارس والجامعات، وإطلاق برامج توعوية وتعليمية وإرشادية تشجع الشباب على استكشاف هذا المجال، وتسهيل الوصول إلى برامج التمويل، وتأسيس حاضنات ومسرعات الأعمال، وتبسيط إجراءات تأسيس الشركات، وتمكين الشركات الناشئة من دخول الأسواق. وأسهم كل ذلك في بناء بيئة ريادة أعمال حاضنة للمبدعين ومحفزة على الابتكار، صُنفت ضمن الأفضل إقليميًا ودوليًا، إذ احتلت دولة قطر المرتبة الحادية عشرة عالميًا في مؤشر بيئة ريادة الأعمال لعام 2024 – 2025، وفقًا لتقرير المرصد العالمي لريادة الأعمال. مبادرة طموحة وجهود لافتة وسط هذا الزخم، برزت مبادرات وطنية تسعى إلى الإسهام في تطوير مجال ريادة الأعمال محليًا، كان أبرزها خلال الفترة الماضية “نادي رواد الأعمال الشباب”. فقد انطلقت المبادرة من جهد شبابي تطوعي، ثم حققت خلال فترة وجيزة إنجازات لافتة ونموًا فاق التوقعات، توّج بالدعم الرسمي في عام 2022. ويهدف النادي إلى الوصول لأكبر شريحة ممكنة من الشباب المهتمين بريادة الأعمال، وبناء صلة وثيقة بينهم عبر تنظيم فعاليات وأنشطة متنوعة يتبادلون خلالها الخبرات، ويقتربون من بيئة الأعمال الواقعية، مع الاستفادة في الوقت ذاته من تجارب رواد سبقوهم. كما ينظم ورشًا وندوات توعوية لتنمية المهارات الريادية وربط الشباب بالفرص الاستثمارية والتمويلية المتاحة في السوق القطري.

في هذا العدد من “دليلك المهني” نسلط الضوء على مبادرة “نادي رواد الأعمال الشباب” عبر لقاء خاص مع السيد عبد الرحمن طارق العمادي، نائب رئيس النادي وأحد أبرز الوجوه القيادية الشابة في منظومة ريادة الأعمال القطرية. يجمع العمادي بين خبرته كرائد أعمال أطلق منذ عام 2018 عددًا من المشروعات وحقق نجاحات ملموسة، مع حضور فاعل في برامج النادي وأنشطته.

في هذا الحوار، يقدّم لنا العمادي رؤيته لتنمية ريادة الأعمال الشبابية في قطر، ويوضح كيف تسهم مبادرات النادي في تمكين الجيل القادم من المبتكرين عبر ربطهم بالفرص، وتحويل طاقاتهم إلى إنجازات على أرض الواقع. تعرفوا على تفاصيل الحوار عبر السطور التالية:

كيف كانت بدايات “نادي رواد الأعمال الشباب”؟

عندما انطلقنا كانت المبادرة جهدًا شبابيًا تطوعيًا هدفه جمع المهتمين بمجال ريادة الأعمال لتبادل الخبرات. ومع نجاح المبادرة واتساع أثرها، تأسس “نادي رواد الأعمال الشباب” رسميًا تحت مظلة وزارة الشباب والرياضة، وبشراكات داعمة مع وزارة التجارة والصناعة، وبنك قطر للتنمية، و”غرفة قطر”.

أرسى ذلك أساسًا صلبًا لتمكين الشباب من استكشاف مشهد ريادة الأعمال ودخوله بثقة. لقد شكلت جهود الوزارة علامة فارقة في تعزيز مسيرة ريادة الأعمال على المستوى الوطني.

ما موقع النادي في المنظومة الحالية لريادة الأعمال في قطر؟

بفضل الشراكات الاستراتيجية مع بنك قطر للتنمية، و”غرفة قطر”، و”سنونو”، تحوّل النادي إلى منصة شبه حكومية غير ربحية تمثل نقطة التقاء للإبداع والابتكار. وأصبح النادي يشكل حلقة وصل مباشرة بين الشباب ورواد الأعمال من جهة، والجهات الداعمة والمنظمة من جهة ثانية.

وما الذي يميز ما تقدمونه للشباب مقارنة مع أي مبادرات أخرى في مجال ريادة الأعمال؟

أعتقد أن أهم ما يميزنا، قبل كل شيء، كوننا مبادرة شبابية خالصة يقودها رواد الأعمال أنفسهم؛ نفهم الاحتياجات الحقيقية للشباب المبتدئين في مجال ريادة الأعمال، ونصمم برامجنا انطلاقًا من تجارب عملية ودروس ميدانية. ونحرص دومًا على أن يتعلم الشباب من تجارب من سبقوهم في هذا المجال، فيستفيدون من نجاحاتهم ويتجنبون أخطائهم.

هل عضوية النادي مفتوحة للجميع؟

 العضوية الرسمية مخصصة لحملة السجل التجاري، لكن باب المشاركة في أنشطة النادي مفتوحة لجميع الفئات من الشباب ورواد الأعمال بدون أي اشتراطات. يتيح النادي لكل المهتمين بمجال ريادة الأعمال، من مواطنين ومقيمين، دخول الفعاليات والورش التدريبية، والاستفادة من خدماته وبرامجه داخل قطر وخارجها. ويأتي ذلك في إطار التزامنا بالشمولية وتعزيز فرص المشاركة للجميع.

هل حقق النادي أهدافه خلال سنواته الثلاث الأولى؟

نعم، يمكنني القول بثقة إننا تجاوزنا الأهداف المرسومة للسنوات الثلاث الأولى. لقد حققنا نموًا سريعًا، واستفاد آلاف الشباب والشابات من الورش والمعسكرات الصيفية التي نقدمها. كما بلغ عدد ورش العمل التي نظمناها منذ تأسيس النادي ما يقارب 50 ورشة تفاعلية تدريبية متخصصة. ونظمنا ثلاثة معسكرات صيفية استفاد منها ما يقارب ألف مشارك، كان آخرها معسكر الابتكار الصيفي في يوليو 2025. في الوقت ذاته، قدمنا دعمًا مباشرًا لحوالي 2600 مشارك، تمثل بعرض مشروعاتهم على منصات عرض مخصصة في المؤتمرات والمنتديات، وتمكينهم من تنميتها. كما كان كل منتدى شارك فيه النادي بمثابة منصة للشباب من أجل التواصل مع عشرات الجهات، والحصول على فرص توظيف مميزة. إلى جانب ذلك، بنينا شبكة شراكات واسعة مع أكثر من 36 جهة محلية ودولية، وأطلقنا منصة من أجل توفير الموارد الريادية عالميًا.

لننتقل للحديث عن بيئة ريادة الأعمال المحلية، كيف تقيم المشهد الحالي للمنظومة في دولة قطر؟

شهدت دولة قطر خلال العقدين الماضيين تطورًا لافتًا في منظومة ريادة الأعمال بفضل الجهود الحكومية والمؤسسية. نرى اليوم بنية تحتية قوية، تشمل حاضنات ومسرعات الأعمال، إضافة إلى برامج التمويل والدعم. الوضع جيد إلى حد كبير، والمؤشرات إيجابية؛ لكن ذلك لا ينفي الحاجة لمزيد من التركيز على تسهيل نفاذ رواد الأعمال إلى الأسواق الإقليمية والدولية، وتعزيز ثقافة الاستثمار الجريء محليًا.

ما الذي تحتاجه المنظومة لتشجيع انطلاق المزيد من الشركات الناشئة في قطاع التكنولوجيا؟

من أجل تحقيق ذلك، نحتاج إلى تقديم دعم أكبر لمجال البحث والتطوير، وتوفير بيئة تشريعية مرنة تسمح بتجربة نماذج أعمال جديدة. كما يجب توسيع الشراكات بين القطاعين الحكومي والخاص لتحويل الأفكار المبتكرة إلى شركات قابلة للنمو عالميًا.

هل ثمة اهتمام بدعم الشركات الناشئة في قطاعات واعدة غير التكنولوجيا؟

نعم، بالتأكيد. هناك قطاعات حيوية لا تقل أهمية عن قطاعات التكنولوجيا مثل: الاقتصاد الأخضر، والطاقة المتجددة، والصناعات الإبداعية التي تتماشى مع رؤية قطر الوطنية 2030، وتوفر فرصًا مجدية للشباب لتأسيس مشروعات أو شركات ناشئة تقدم حلولًا مبتكرة.

ما أكثر الأخطاء شيوعًا لدى الشباب المبتدئين في ريادة الأعمال؟

المشكلة الأبرز في غالب الأحيان هي التسرع في إطلاق المشاريع دون دراسة جدوى واضحة، أو فهم دقيق للسوق. يركز بعض الشباب فقط على الفكرة على حساب الاستدامة المالية والإدارة التشغيلية، وهما عنصران بالغا الأهمية في نجاح أي مشروع.

بماذا تنصح من يريد أن ينجح في مجال ريادة الأعمال؟

النصيحة الأهم هي أن يقدم مشروعهم حلولًا لمشكلة حقيقية في السوق، بدلًا من تنفيذ الأفكار التي يعتقدون أنها “جيدة”. يحتاجون كذلك إلى البحث عن شريك استراتيجي أو مرشد ذي خبرة، يساعدهم في تجاوز أي تحديات قد تطرأ. ويعتمد نجاح أي مشروع كذلك على بناء شبكة علاقات محلية وإقليمية قوية، والاستثمار بجدية في التعلم المستمر.

ما أبرز تطلعاتكم في “نادي رواد الأعمال الشباب” للمرحلة المقبلة؟

نعتبر كل ما حققناه مجرد بداية، ونسعى لترك أثر أعمق من خلال تمكين شرائح أوسع من الشباب من تحقيق طموحهم. كما نتطلع إلى توسيع برامجنا الرقمية، وتعزيز دعم المشروعات الناشئة، خاصة المشروعات الخضراء، من أجل ترسيخ مكانة قطر كمركز إقليمي لريادة الأعمال بما ينسجم مع رؤية قطر الوطنية 2030. سنركز كذلك على توسيع الشراكات، ومساعدة رواد الأعمال في الوصول إلى التمويل والأسواق، ورفع جودة التدريب والإرشاد في برامجنا، مع قياس الأثر بشكل دوري.