ثـــورة الذكاء الاصــطـــناعـــي: ما تحتاج لمعرفته

بدأ عصر الذكاء الاصطناعي ووظيفتك أصبحت في خطر.

لا بد أنك سمعت هذه الجملة أو ما يماثلها في عام 2023، خاصةً عقب العاصفة التي صاحبت ظهور منصة “شات جي بي تي” التي أطلقتها شركة “أوبن إيه آي”، وما تلى ذلك من تطبيقات ذكاء اصطناعي لا حصر لها. أصبح الذكاء الاصطناعي الشغل الشاغل للعالم أجمع. والأمر لا يقتصر هنا على الموظفين الذين يشعرون بالقلق على مستقبلهم المهني، فقد أصبح كذلك محط اهتمام خبراء الاقتصاد وعلماء الحاسوب والسياسيين والمسؤولين عن التعليم وخبراء القانون وحتى علماء الاجتماع والفلاسفة. الجميع يبحث عن دلائل يمكن من خلالها توقع تأثير الذكاء الاصطناعي في مستقبل البشرية من أجل الاستفادة منه بالشكل الأمثل، إلى جانب الاستعداد لمواجهة أي تأثيرات سلبية محتملة. في ظل كل هذه الأحداث المتسارعة، ربما تشعر بعدم الراحة، مهما كانت المرحلة المهنية التي تمر بها. وقد تتساءل: هل الأمر فعلًا بهذه الخطورة؟ هل من الممكن أن يتم استبدالي في العمل ببرنامج ذكاء اصطناعي؟ كيف يمكن أن أستفيد من مثل هذه التقنيات لتحقيق المزيد من النجاح المهني؟ أو هل من الأفضل أن أغير مساري الدراسي أو المهني؟

سنسعى من خلال هذا المقال لتسليط الضوء على الذكاء الاصطناعي، مع التركيز على الذكاء الاصطناعي التوليدي وتأثيره المحتمل على مستقبل العمل. من شأن ذلك أن يساعدك في رؤية الصورة الكاملة بشكل أوضح، لكن بكل تأكيد لن يكون هذا مقالنا الأخير عن الذكاء الاصطناعي، فمع التطور السريع والقفزات الهائلة لهذه التقنية الناشئة، لا شك أن الحديث عن تأثيرها على مستقبل المهن وعالم العمل سيستمر لسنوات عديدة مقبلة.

ما الذي تحتاج لمعرفته عن الذكاء الاصطناعي؟

عند سماعك مصطلح الذكاء الاصطناعي ربما يتبادر إلى ذهنك صور روبوتات تقوم بمهام البشر مثل التي قد تشاهدها في أفلام هوليوود، لكن الحقيقة أن الأمر أعمق من ذلك بكثير.

في البداية ستحتاج للتعرف على معنى الذكاء الاصطناعي.

الذكاء الاصطناعي فرع واسع من علم الحاسوب يرتكز حول بناء برامج حاسوب تمكن الآلات من أداء مهام تتطلب في العادة ذكاءً بشريًا. يحتاج أداء هذه المهام في العادة لقدرات مثل التعلم والتفكير والاستنتاج والاستدلال، وتتمكن برامج الذكاء الاصطناعي من ذلك عبر معادلات رياضية وخوارزميات معقدة تمنحه القدرة على التعلم من البيانات.

ومع تطور التكنولوجيا تطورت كذلك قدرات برامج الذكاء الاصطناعي وأصبح بإمكانها الاستفادة من كميات هائلة من البيانات وامتلاك قدرات أعقد مثل التعرف على الأنماط والأشكال واللغات، وتقديم المقترحات وحل المشكلات واتخاذ القرارات بحسب المواقف المختلفة التي تواجهها.

رغم أن أول ظهور لمصطلح الذكاء الاصطناعي كان في خمسينيات القرن الماضي، اكتسبت التقنية المزيد من الزخم في العقدين الأخيرين مع تطور علوم الحاسوب وتقدم التكنولوجيا بشكل عام واحتلالها مكانة مهمة في حياة البشر. وفي الواقع، الذكاء الاصطناعي تسلل بالفعل إلى مختلف جوانب حياتنا منذ سنوات، حتى لو لم تشعر بذلك، فالتقنية موجودة بشكل أو بآخر في كل ما يتعلق بالتكنولوجيا بما في ذلك هاتفك المحمول وسيارتك وأجهزة التلفاز وأنظمة البيوت الذكية. كما تتعرض لها حينما تستخدم تطبيق الخرائط للوصول إلى مكان محدد أو عندما يقترح لك محرك البحث موقعًا معينًا أو حين تعرض لك منصات التواصل الاجتماعي منشورًا ترى أنه يناسب اهتماماتك. ويحدث الأمر كذلك عندما تتعامل مع روبوت دردشة في قسم خدمة العملاء لبعض المواقع، أو حينما تستفسر من المساعد الشخصي الرقمي في هاتفك المحمول عن حالة الطقس. إلى جانب ذلك، تعتمد معظم القطاعات على الذكاء الاصطناعي بشكل أو بآخر، فالبنوك على سبيل المثال تعتمد عليه للكشف عن المعاملات المشبوهة وفي خدمة العملاء عبر الإنترنت، بينما تستخدمه الخدمات الأمنية في أنظمة المراقبة القادرة على التعرف على الوجوه. لكن معظم أنظمة الذكاء الاصطناعي المستخدمة في هذه التقنيات مصممة للقيام بمهمة محددة أو عدد محدود من المهام، وهذا العام برز نوع مختلف من الذكاء الاصطناعي وهو الذكاء الاصطناعي التوليدي القادر على إنشاء محتوى فريد من النصوص أو الصور أو الفيديو أو الصوت بناءً على الأنماط والبيانات التي تعلمها منها.

حينما نذكر كلمة آلات أو آلة في مجال الذكاء الاصطناعي، لا نعني بالضرورة روبوتًا أو آلة حرفيًا، فالكلمة قد تدل كذلك على نظام أو برنامج يعمل على الحاسوب أو الجوال.

للتعرف بشكل أكبر على مفهوم الذكاء الاصطناعي وكيفية عمل الذكاء الاصطناعي التوليدي تحتاج لفهم بعض المصطلحات المهمة في هذا المجال، أولها التعلم الآلي وهو أساس الذكاء الاصطناعي، فمن خلاله يتم تعزيز برنامج الحاسوب بخوارزميات ومعادلات رياضية تمنحه القدرة على التعلم من البيانات التي يتم تغذيته بها، ومن ثم يصبح قادرًا على تحليلها وربطها والاستفادة من الخبرات التي يكتسبها في تقديم مقترحات أو حل مشكلات أو اتخاذ قرارات.

يأتي بعد ذلك التعلم العميق، وهو مجموعة فرعية من التعلم الآلي تعتمد على بنية متعددة الطبقات من الخوارزميات المعقدة تسمى الشبكات العصبية الاصطناعية تحاكي في طريقة عملها الدماغ البشري، وهو ما يسمح لنظام الذكاء الاصطناعي بتحليل وفهم كميات ضخمة من البيانات والتعرف على الأنماط بشكل أفضل، وبالتالي توفير حلول لمشكلات أكثر تعقيدًا. كما أنه يصبح قادرًا على التعلم بشكل أسرع والتحسن دون الحاجة لتدخل بشري إلا في حدود ضيقة.

مع صعود قوة الحواسيب في السنوات الأخيرة وتوفر البيانات الضخمة والتقدم في تقنيات التدريب، تطورت أنظمة الذكاء الاصطناعي المعتمدة على التعلم العميق، وبرز منها ما يعرف بنماذج اللغة الكبيرة (LLM) والتي تعد منصة “شات جي بي تي” واحدة منها.

تعتمد هذه النماذج بشكل أساسي على معالجة اللغة الطبيعية (NLP) وهي عنصر آخر مهم في التعلم الآلي يتعلق بتعزيز قدرة برنامج الحاسوب على تعلم لغة البشر وتحليلها وتوليدها. سمح ذلك بإنشاء قنوات اتصال بين البشر والآلات، ومكن الآلات من القيام بمهام مثل الترجمة والتدقيق الإملائي، كما أنها الداعم الرئيسي لروبوتات الدردشة. وتزداد جودة نموذج اللغة كلما زاد حجم وتنوع البيانات التي تدرب عليها، وكلما ازدادت دقة خوارزميات التعلم المستخدمة أثناء التدريب.

ويمكننا اعتبار “شات جي بي تي” روبوت دردشة متطور للغاية بقدرات ذكاء اصطناعي هائلة، يعتمد على التعلم العميق للتعرف على الأنماط والهياكل والعلاقات داخل لغة معينة، وهو ما يمكنه من تنفيذ مجموعة متنوعة من مهام معالجة اللغة الطبيعية مثل تحليل النصوص وإنشائها وترجمتها، والإجابة على الأسئلة بطريقة المحادثة. ويستخدم نموذج “شات جي بي تي” تقنية تمكنه من فهم سياق الكلمات وتبعياتها داخل جملة أو فقرة معينة، وهو ما يسمح له بالتقاط الارتباطات المعقدة في اللغة وإنشاء نص يبدو طبيعيًا وشبيهًا بما ينتجه البشر.

وقد تم تدريب “شات جي بي تي” على مجموعة ضخمة من النصوص، شملت كتبًا ومقالات ومواقع إلكترونية ومصادر مختلفة، والنتيجة أنه أصبح قادرًا على إنشاء نصوص فريدة بالكامل في ثوان معدودة وبجودة مقبولة إلى حد كبير. البعض استخدمه لتأليف روايات كاملة والبعض الآخر لكتابة أكواد برمجة أو تلخيص نص طويل أو المساعدة في إجراء بحث أو التخطيط لمشاريع بالإضافة إلى استخدامات عديدة. ظهور “شات جي بي تي”، فتح الباب لظهور عدد لا حصر له من تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي وأطلق إشارة انطلاق سباق شركات التكنولوجيا الكبرى نحو بناء نموذج اللغة الكبير الأمثل. لم يقتصر المحتوى على النصوص، فقد أصبح بالإمكان إنشاء صور ومقاطع فيديو وملفات صوتية من خلال الذكاء الاصطناعي التوليدي لا يمكن تمييزها عن المحتوى الذي صنعه البشر. وقبل انقضاء عام 2023، أعلنت شركة “أوبن إيه آي” عن تطوير جديد لمنصة “شات جي بي تي” يسمح باستخدام الصور والمدخلات الصوتية عند طرح الأسئلة ليفتح ذلك المزيد من آفاق الإبداع لمستخدميه.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل العمل: تأثير لا يمكن تفاديه لكن بالإمكان تطويعه

هناك تخوف من أن يتسبب الذكاء الاصطناعي في فقدان الملايين حول العالم لوظائفهم في المستقبل. وكانت المخاوف مسبقًا تقتصر على وظائف ذوي الياقات الزرقاء مثل عمال المصانع أو المزارع أو المخازن، والمهن التي تتطلب مجهودًا بدنيًا وتنطوي على مهام متكررة روتينية يمكن لروبوت أو آلة مزودة بالذكاء الاصطناعي أن تقوم بها مثل قيادة سيارة أو توصيل بضائع لعميل أو تسجيل طلب من زبون في مطعم. لكن الآن ومع ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي، ازدادت المخاوف لتشمل وظائف ذوي الياقات البيضاء التي كانت تبدو في أمان مثل البرمجة والكتابة وغيرها من المهن التي تتطلب تعاملًا مع محتوى مثل النصوص أو الصور أو الفيديو. فبعض المهام التي كانت تحتاج جهود فريق عمل كامل وساعات طويلة، أصبح بالإمكان الآن الانتهاء منها في دقائق أو ربما ثوانٍ.

يعلمنا التاريخ أن أي تقنية جديدة ستواجه في البداية بعض الصعوبات قبل أن يتقبلها عدد أكبر من الناس، لكنها تصبح لاحقًا واقعًا لا مفر من التعامل معه والاستفادة منه. لقد حدث الأمر ذاته حينما ظهر الحاسوب في القرن الماضي، ومن بعده الإنترنت، ثم الهواتف الذكية. بالتالي فإن تأثير الذكاء الاصطناعي أمر لا مفر منه، والسؤال يجب أن يكون: كيف سيؤثر ذلك على مستقبل العمل؟ وليس هل سيؤثر أم لا.

من الصعب تحديد التأثير الكامل للذكاء الاصطناعي على مستقبل العمل، فالتقنية تتطور بشكل سريع، وشركات التكنولوجيا العملاقة تنفق المليارات من أجل دفع عجلة الابتكار في هذا المجال إلى أقصى حد ممكن واحتلال الريادة فيه. المؤشرات الأولية تؤكد أن التغيير قادم لا محالة، لكنه لا يبدو مقلقًا بحسب معظم الخبراء.

أكدت دراسة أجراها المنتدى الاقتصادي العالمي بالتعاون مع شركة “آكسنتشر” حول التأثير المحتمل لنماذج اللغة الكبيرة مثل “شات جي بي تي” على الوظائف، وتم نشرها ضمن سلسلة تقارير “وظائف الغد”، وخلصت الدراسة إلى أن دمج هذه النماذج في مختلف مجالات العمل من شأنه أن يحدث نقلة نوعية في كيفية تفاعلنا مع المعلومات وبالتالي في كيفية عملنا. وتوصلت الدراسة إلى أن تأثير الذكاء الاصطناعي التوليدي على الوظائف سيختلف باختلاف الأدوار، وأن الاستفادة الأكبر ستكون للمهن التي تتمحور حول التفكير النقدي وحل المشكلات والإبداع، خاصة تلك المتعلقة بمجالات مثل العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. في المقابل، فإن الوظائف المعرضة للأتمتة، وخاصة تلك التي تركز على المهام اللغوية الروتينية ستكون عرضة للتأثر بشكل أكبر.

لم تختلف التوقعات كثيرًا عقب دراسة تحمل عنوان “الذكاء الاصطناعي التوليدي والوظائف: تحليل عالمي للتأثيرات المحتملة على كمية الوظائف ونوعيتها” أجرتها منظمة العمل الدولية، واستنتجت من خلالها أنه من المرجح أن يعزز الذكاء الاصطناعي التوليدي الوظائف بدلًا من القضاء عليها، وذلك من خلال أتمتة بعض المهام وليس القيام بدور ما بشكل كامل. وبالتالي تشير الدراسة إلى أن معظم الوظائف في مختلف الصناعات معرضة جزئيًا فقط للأتمتة، وستستفيد بشكل أو بآخر من هذه التقنية، وأن التغييرات المحتملة ستكون في أمور مثل كثافة العمل والاستقلالية.

يبدو كل ذلك منطقيًا، فهناك صعوبة في تخيل وظائف يمكن أتمتة كل المهام التي تنطوي عليها بالكامل من خلال الذكاء الاصطناعي التوليدي، ربما يمكن ذلك لعدد قليل جدًا من الوظائف التي تتضمن مهام روتينية متكررة. من المتوقع أن يظهر هذا التأثير بشكل أوضح مستقبلًا على مهن مثل خدمة العملاء والتسويق عبر الهاتف والبرمجة والكتابة والمحاسبة وإدخال البيانات والسكرتارية، لكنه لن يكون بالأمر السهل. رأينا ذلك على سبيل المثال هذا العام في الولايات المتحدة، حينما أضرب العاملون في مجال السينما بسبب خسارة ممثلي الأدوار الثانوية (الكومبارس) الذين يظهرون في خلفيات الأحداث لفرص عملهم مع اعتماد المنتجين على محتوى أنتجه الذكاء الاصطناعي.

التعاون والتكيف وانتهاز الفرصة

سيظل هناك دومًا ضرورة في معظم المهن للمهام التي تتطلب الجانب الإنساني والإبداعي، والتي لن يستطيع الذكاء الاصطناعي القيام بها. كما أن هناك الجانب الاستراتيجي الذي يعتمد على خبرات مكتسبة لا يمكن لأي آلة مضاهاتها. وكلما كانت المهنة تتطلب تفاعلًا شخصيًا وتعاطفًا مع الآخرين، سيقل تأثرها بهذه التقنيات الجديدة. وأصحاب الأعمال لن يستطيعوا استبدال موظفيهم كليًا بحلول الذكاء الاصطناعي التوليدي حتى إذا كانت ستؤدي مهام هؤلاء الموظفين في وقت أقصر وبتكلفة أقل، لأن ذلك قد يؤثر على جودة ما يقدمونه من خدمات أو منتجات.

خلال الأشهر القليلة الماضية أثبت الذكاء الاصطناعي التوليدي قدرته على إحداث ثورة في العديد من المجالات، من خلال أتمتة بعض المهام وتوفير المزيد من الوقت والجهد للقيام بمهام أخرى أكثر صعوبة، وهذا ما نحتاج للتركيز عليه. يتوجب علينا التفكير في كيفية الاستفادة من هذه التقنية في تعزيز مهارات مثل التفكير النقدي والإبداع وحل المشكلات، وفي القيام بعملنا بشكل أكثر كفاءة.

يبدو أن الآلات والبشر يمكنهم التعاون معًا. لا داعي لأن يخسر أحد وظيفته. لكن لتحقيق أفضل النتائج يجب على مختلف الشركات والمؤسسات الاهتمام بإعادة تأهيل موظفيها وإكسابهم مهارات جديدة تمكنهم من التعامل مع الذكاء الاصطناعي بالشكل الأمثل، وربما حتى القيام بأدوار جديدة كليًا. سيتوجب على الموظفين التكيف مع التغيرات التي ستطرأ على طبيعة عملهم، فقد يحتاجون لتغيير الطريقة التي يؤدون بها مهام عملهم بالكامل. لم يعد الأمر اختياريًا. في الوقت ذاته، من المهم أن يركز الموظفون على تطوير مهارات شخصية مثل الذكاء العاطفي والتفكير النقدي والإبداع والعمل الجماعي، فكلها مهارات لم يتمكن الذكاء الاصطناعي بعد من محاكاتها.

تطوير المهارات واكتساب مهارات جديدة أصبح أمرًا لا مفر منه لكل موظف. وبحسب نسخة عام 2023 من تقرير مستقبل الوظائف الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، فإن المهارات المطلوبة لمعظم الوظائف حول العالم تغيرت بنسبة 25 في المئة منذ عام 2015، وهناك توقعات بأن تكون وتيرة التغيير أسرع في السنوات المقبلة، لذلك على الموظفين أن يتوقعوا تغيرًا في المهارات المطلوبة حاليًا قد يصل إلى 65 في المئة بحلول عام 2030.

عند الحديث عن تأثير الذكاء الاصطناعي على مستقبل العمل، لا يمكن كذلك إغفال الفرص التي يمكن أن يوفرها. قد يقل الطلب على بعض الوظائف في الوقت الذي يزداد فيه الطلب على وظائف أخرى، كما ستظهر وظائف جديدة تمامًا كما حدث مع كل نقلة تكنولوجية حدثت على مدار التاريخ. وستحتاج أنظمة الذكاء الاصطناعي لمتخصصين في هذا المجال من أجل بنائها وتطويرها وصيانتها. ومن المتوقع أن يزداد الطلب على المتخصصين في الذكاء الاصطناعي وعلوم الحاسوب والتعلم الآلي وتحليل البيانات والتحول الرقمي. سيعزز من ذلك توجه العديد من الدول لتطوير مدن ذكية.

“سيبلغ حجم سوق برمجيات الذكاء الاصطناعي في العالم خلال عام 2025 أكثر من 130 مليار دولار أمريكي”. جارتنر للأبحاث والاستشارات

تحديات وتهديدات

رغم كل ما سبق ذكره، يرى البعض أن الذكاء الاصطناعي لا يمثل تهديدًا للوظائف وحسب، لكن للبشرية جمعاء، ومن بين هؤلاء العديد من خبراء الذكاء الاصطناعي والعلماء والباحثين والمستثمرين وقادة الأعمال.

منذ فترة، اعتبر سام ألتمان مؤسس “شات جي بي تي” أن تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف سيكون أكبر من أي توقعات، كما حث الكونجرس الأمريكي على التدخل للتخفيف من مخاطر نماذج اللغة الكبيرة، واقترح أنه يجب على الحكومة تحديد معايير ومتطلبات لترخيص نماذج الذكاء الاصطناعي وتطويرها وإطلاقها، وأشار إلى أن الهدف الرئيسي من تأسيس شركة “أوبن إيه آي” هو البحث عن حلول تمنع الذكاء الاصطناعي من تدمير العالم، لوجود يقين من قدرته على فعل ذلك!

يبدو الأمر مبالغًا فيه، لكن هذا لا يقلل من ضرورة التعاون بين المؤسسات المطورة لهذه التقنيات والحكومات للبحث عن حلول لمواجهة المخاطر المحتملة لتطور الذكاء الاصطناعي، وضمان استخدامه بطريقة مسؤولة وأخلاقية من أجل الصالح العام للمجتمع ككل.

مثلما هو الحال مع أي تقنية جديدة، يحتاج العالم للتعامل بحذر مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، فهناك مخاوف من استخدامه لإنشاء محتوى ينطوي على معلومات مضللة وأخبار كاذبة ومقاطع فيديو مزيفة. الأمر يحدث الآن بالفعل!

كما أن نماذج اللغة الكبيرة ما زالت تواجه مشاكل عديدة تقلل من الثقة في مصداقية المحتوى الذي تنتجه، فالمستخدم لا يعلم على وجه الدقة المصادر التي اعتمد عليها النموذج، كما أن المحتوى الرقمي المتاح حول العالم لتغذية مثل هذه النماذج معظمه باللغة الإنجليزية ولغات أجنبية، وبحسب إحصاءات حديثة فإن ما يقارب 60 في المئة من المحتوى الموجود على الإنترنت باللغة الإنجليزية، في الوقت الذي يمثل فيه المحتوى العربي أقل من 1 في المئة، كما أن القدرة على تطوير تلك التكنولوجيا متاحة لمجموعة محدودة من الدول. كل ما سبق يجعل المحتوى الذي تنتجه تلك النماذج متحيزًا في الكثير من الأحيان ولا يعبر عن مختلف الثقافات.

هناك كذلك مشكلة الهلوسة، وهي قيام هذه النماذج بإنتاج محتوى غير حقيقي بالكامل بناءً على أكاذيب قامت باختلاقها. وحتى الآن لا أحد يعلم سبب هذه المشكلة.

الخلاصة

ما يحدث الآن ليس إلا بداية عصر الذكاء الاصطناعي. التطور يسير بخطوات سريعة. لا أحد يعلم ما ستصل إليه هذا التقنيات، لكنها تعد بالكثير.
ربما تسأل نفسك، ما الذي يجب عليّ فعله؟
التأثير قادم لا محالة، وعليك الاستعداد له. سيتفاوت هذا التأثير من قطاع إلى آخر، ومن مهنة إلى غيرها، وكذلك من منطقة إلى نظيرتها، فهناك عوامل عديدة ستحدد ذلك.

يحتاج كل شخص لمتابعة مستجدات مجال الذكاء الاصطناعي عن كثب، وتأثير هذه التقنية على مجال دراسته أو تخصصه. مهما كانت المرحلة المهنية التي تمر بها، عليك البحث بنفسك وتجربة مختلف الأدوات المتاحة والعمل على الاستفادة منها لمساعدتك في أداء عملك بشكل أفضل، وربما أداء بعض المهام، وليس القيام بالعمل بأسره بدلًا عنك. تتيح مواقع التعليم عبر الإنترنت دورات وشهادات تعرفك بمختلف جوانب الذكاء الاصطناعي وطرق الاستفادة منها، بل إن بعضها يمكن أن يساعدك على بدء مسيرة مهنية في هذا المجال. وإذا كنت في موقع مسؤولية، ابحث عن طرق للاستفادة منها لتطوير إدارتك أو مؤسستك، وهناك كذلك العديد من الدورات الموجهة للمستوى التنفيذي لمساعدة الإداريين على الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي لتطوير مؤسساتهم.

في الوقت ذاته سيتوجب على الحكومات إعادة النظر في سياسات التعليم والتوظيف. وسيتطلب اللحاق بركب الصدارة في الذكاء الاصطناعي تطوير منظومة التعليم لتضمينه في مختلف مستوياتها. كما يجب تدريب وتثقيف المعلمين بشأنه، وحث الطلبة على التعرف عن كثب عليه وتأثيره على مستقبل العمل، والالتحاق بتخصصات مثل علوم الحاسوب والرياضيات وهندسة الحاسوب والبرمجة وهندسة الروبوتات وعلوم البيانات.