التدريب الرياضي

في عالم الرياضة، تتجه أنظار الجماهير دومًا إلى الأبطال الذين يحققون الانتصارات ويصنعون لحظات الفرح والفخر في الرياضات الفردية والجماعية، التي قد لا تتجاوز ثوانٍ معدودة، إلا أنها ثمرة سنوات طويلة من العمل المضني، والتدريب الشاق، والتخطيط الدقيق، وجهود فريق عمل متخصص يقوده مدرب محنّك.

إن كنت متابعًا للرياضة فستكون ملمًا ولو جزئيًا بمهنة التدريب الرياضي، ومهام المدربين الأساسية مثل إعداد الرياضيين بدنيًا وذهنيًا للمشاركة في المسابقات، ومساعدتهم في التعرف على نقاط قوتهم، وتقوية نقاط ضعفهم، وصياغة الاستراتيجيات والخطط الكفيلة بتطوير أدائهم حتى يبلغ ذروته في البطولات. وتتباين طبيعة تلك المهام بتباين الرياضة ذاتها وتصنيفها؛ فلكل لعبة خصوصيتها، ولكل فئة عمرية تدريباتها وأنظمتها، ولكل مستوى من التنافس متطلباته.

ويختلف تدريب الفرق في رياضة جماعية مثل كرة القدم عن تدريب لاعب إحدى الرياضات الفردية مثل التنس. كما يختلف تدريب الناشئين عن المحترفين، حيث يركز المدرب على بناء قدرات الناشئين وصقل مهاراتهم، بينما يتطلب إعداد المحترفين بناء جاهزيتهم وتحقيق الألقاب. وكلما ارتفع مستوى الاحتراف، اتسعت دائرة عمل المدرب لتشمل منظومة كاملة من المتخصصين في مجالات متنوعة، مثل: محللي الأداء، والأطباء، وأخصائيي العلاج الطبيعي، وخبراء التغذية. ومن هنا تنبع أهمية أن يتمتع المدرب بمهارات القيادة والتواصل، وأن يتحلى بالذكاء العاطفي الذي يمكّنه من بناء الثقة مع لاعبيه.

ربما تتساءل الآن، حسنًا، كيف يمكن أن أصبح مدربًا؟ وهل لهذه المهنة مستقبل في دولة قطر؟ والإجابة باختصار: التدريب الرياضي اليوم تخصص مهني كأي تخصص آخر، وله مساره الأكاديمي الذي يؤهلك للعمل به. أما مستقبله في دولة قطر، فيبدو واعدًا بكافة المقاييس. يشكل المدربون عنصرًا محوريًا في قطاع الرياضة الذي بات واحدًا من أضخم الصناعات حول العالم؛ إذ تُقدر قيمته بما يتجاوز تريليوني دولار أمريكي. واهتمام دولة قطر المتنامي بهذا القطاع حقيقة راسخة يلمسها القاصي والداني، ولا يقتصر على استضافة كبرى البطولات العالمية، بل يتجسد في استثمار استراتيجي ممنهج يهدف لبناء أجيال من الرياضيين القادرين على المنافسة في أعلى المستويات.

على سبيل المثال، تشكل أكاديمية أسباير نموذجًا بارزًا لهذا النهج، فمنذ تأسيسها قبل نحو عقدين، أمدّت المنتخبات القطرية في شتى الرياضات بأبطال اعتلوا منصات التتويج القارية والعالمية. ومع ذلك، تكشف منصة البيانات المفتوحة في دولة قطر عن نقص كبير في الكوادر الوطنية بمجال التدريب، إذ لا يتجاوز عدد المدربين القطريين 14% من إجمالي المدربين العاملين في الاتحادات الرياضية (باستثناء لجنة قطر لقوة التحمل)، في حين تنخفض النسبة في الأندية إلى قرابة 4%.

وسعيًا لسد تلك الفجوة، وتلبية احتياجات قطاع الرياضة الوطني سريع النمو، أعلنت جامعة قطر عام 2024 عن تأسيس كلية علوم الرياضة لتقديم برامج أكاديمية أبرزها بكالوريوس العلوم في التدريب الرياضي. ويُقدم البرنامج باللغة العربية على مدى أربع سنوات، ويغطي مقررات في مبادئ وأساليب التدريب، وتحليل الأداء والحركة، والتغذية الرياضية، وعلم النفس الرياضي.

إن اختيار مسار مهني في التدريب الرياضي قد يبدو مغريًا، لكنه يتطلب قبل كل شيء شغفًا حقيقيًا بالرياضة. فهذا الشغف هو ما سيعينك على تحمل ضغوط المهنة، ويمنحك العزيمة لمراكمة الخبرة موسمًا بعد آخر، والسعي وراء الشهادات ورخص التدريب التي ستفتح لك أبواب العمل على مستويات أعلى.

بيتر سكومال
مدرب أول لألعاب القوى أكاديمية أسباير

نشأت في بيت رياضي؛ كان والداي رياضيين محترفين قبل أن يصبحا مدربين. قضيتُ طفولتي على مضمار ألعاب القوى حيث تبلور شغفي بالرياضة، فكان من الطبيعي أن أصبح أنا كذلك رياضيًا، وأن أسلك المسار ذاته. كان القفز بالزانة تخصصي المفضل، لكني أحببت معظم ألعاب القوى، ووجدت نفسي قادرًا على المنافسة في الكثير منها. لذلك، اخترت المشاركة في العشاري، أصعب مسابقات عالم ألعاب القوى، والتي تختبر قدرات الرياضي على التنافس في عشرة تخصصات متنوعة بين العدو والوثب والرمي على مدار يومين كاملين. وكان لي شرف تمثيل المجر في مختلف البطولات القارية والدولية، وحققت ألقابًا عدة على المستوى الوطني. ومع اقتراب نهاية مسيرتي كلاعب، بدأت أهيئ نفسي للانتقال إلى التدريب.

التحقت بجامعة سيميلويس الرائدة في علوم الطب الحيوي، فحصلت على دبلوم في التدريب عام 2006، ثم البكالوريوس في الإدارة الرياضية، قبل أن أكرس جهدي لمساري المهني كمدرب. وأكثر ما أحبّه في التدريب هو كوني حاضرًا دائمًا على مضمار ألعاب القوى، أعمل مباشرة مع الرياضيين، أتعرف على شخصياتهم وأساعدهم في تطوير أدائهم، ونواجه معًا تحديات جديدة كل يوم.

نصيحتي لمن يريد أن ينجح في مجال التدريب: كن متفتح الذهن، ولا تكتف بالدراسة الأكاديمية، بل تعلم من الجميع وخصوصًا المدربين الأكثر خبرة منك. راقب وتعلم باستمرار، فالتعلم المستمر جزء أساسي من مهنة التدريب. حتى وأنا في الأربعين، لا زلت أتعلم الجديد كل يوم، فالتدريب ليس له وصفات جاهزة، بل خبرة تتراكم عبر الملاحظة والتجربة والتأمل في عمل الآخرين. ثق بأهمية دورك، وتحل بالصبر والمثابرة، والتزم بمنهجية ثابتة تقودك إلى أهدافك. وبكل تأكيد، كن دومًا سباقًا بالانفتاح والتواصل مع الرياضيين الذين تعمل معهم.

ولكي تكون مدربًا مؤهلًا، لا يكفي أن تحضر دورات تدريبية قصيرة في مجال التدريب، لأنه مجال ذو أساس أكاديمي عميق، فالتدريب قطاع متعدد التخصصات، يتقاطع مع علوم مثل الميكانيكا الحيوية وعلم النفس والتغذية، وتوسع ليشمل اليوم فروعًا جديدة كالتأهيل البدني وعلوم الرياضة. ليس من الضروري أن تكون خبيرًا في هذه المجالات كافة، لكن ينبغي أن تلم إلمامًا كافيًا بها يُمكنك من بناء فريق عمل متكامل يحقق النتائج المرجوة.

يسهم نجاح الرياضيين القطريين الكبار في جذب المزيد من الناشئين إلى ممارسة الرياضة واحترافها. ولنا في معتز برشم، البطل الأولمبي والعالمي في الوثب العالي، مثال ساطع على ذلك؛ فقد ألهمت إنجازاته الكثير من الشباب، وشجعتهم على تجربة هذه الرياضة. وينطبق الأمر ذاته على مجال التدريب، فدولة قطر تحتاج إلى المزيد من المدربين من أبنائها. وأعتقد أن التدريب خيار مهني واعد للشباب ينبغي تسليط الضوء عليه، ويجب استغلال الاستثمار المتنامي في قطاع الرياضة لبناء جيل متميز من المدربين القطريين.

أفخر بكوني جزءًا من أكاديمية أسباير، حيث ينصب تركيزي حاليًا على تطوير الرياضيين في الفئتين العمريتين تحت 14 عامًا، وتحت 16 عامًا. وما زلت أمتلك الكثير من الطموحات؛ وهدفي هو تطوير برنامجنا في أكاديمية أسباير ليكون الأفضل في العالم، حتى نُعد جيلًا جديدًا من الرياضيين الذين يحملون راية وطنهم عاليًا في كبرى المحافل الرياضية العالمية، مثل الألعاب الأولمبية، وبطولات العالم، ودورات الألعاب الآسيوية.