توحيد الجهود من أجل غد أفضل

صناعة التحوّل
نحو سوق عمل أكثر إنصافًا
حوار مع
سبيكة شعبان
ناشطة في مجال الإعاقة ومؤسسة “الدليل القطري لذوي الإعاقة”
لم تكن مبادرة ‘الدليل القطري لذوي الإعاقة’، التي أسستها سبيكة شعبان عام 2018، وليدة فكرة عابرة، بل نبعت من تجربة شخصية عميقة: تجربة الأم التي بحثت طويلًا عن مصدر موثوق للمعلومات والتوجيه. قررت شعبان تحويل هذا التحدي إلى حل، فأسست الدليل ليكون المنارة التي تهديها وتهدي جميع أسر ذوي الإعاقة في دولة قطر. بدأت الفكرة بمجرد شبكة صغيرة تهدف إلى التخفيف من شعور العزلة الذي تعاني منه أسر الأطفال من ذوي الإعاقة، وتوفير مساحة للتفاهم المشترك بشأن معاناتهم والتحديات التي تواجههم، لتتحوّل مع الوقت إلى منصّة كبرى تربط بين أكثر من ألف طرف فاعل من الأسر، والمعلّمين، والمختصين، يعملون جميعًا من أجل هدفٍ واحد هو جعل الشمولية واقعًا مُعاشًا، لا مجرد شعار.
تُعدّ شعبان اليوم من أبرز الأصوات المناصرة لذوي الإعاقة في قطر. وتجمع جهودها بين البحث العلمي وحشد الدعم المجتمعي لإحداث تأثير ملموس؛ فلها عضويات عدة في هيئات وطنية ومجموعات عمل مختلفة، وتعمل أخصائية منشورات أكاديمية لدى جامعة حمد بن خليفة، وتتابع دراسة الدكتوراه في التربية بجامعة كامبردج، حيث تركز على قضايا الإعاقة والتعليم الشمولي في دول الخليج، أملًا بمستقبلٍ أكثر إنصافًا للمتعلمين من ذوي الإعاقة في المنطقة. في هذا الحوار، نستكشف مع سبيكة شعبان رحلة “الدليل القطري لذوي الإعاقة”: كيف بدأت العمل عليه من الصفر ليصبح ملتقىً مجتمعيًا، وما التحديات التي واجهتها والعِبر التي استخلصتها، وكيف ترى نظام الدعم المتماسك الذي تتمناه وتسعى إليه. كما تقدّم نصائح عملية لأصحاب العمل حول استقطاب واستثمار الطاقات الكامنة لدى ذوي التوحّد، ونصائح لأولياء الأمور الراغبين في اكتشاف إمكانات أبنائهم بثقةٍ ورفق.
من مجرد فكرة إلى أثر ملموس
إلى أي مدى نجح “الدليل القطري لذوي الإعاقة” بتحقيق الأهداف التي انطلق لأجلها؟
حققنا خلال بضعة أشهر ما فاق توقّعاتنا. والأهداف، كما تعلّمت من هذه التجربة، ليست سقفًا ثابتًا؛ إذ يتوسع أفقها كلما تقدّمنا في التنفيذ. ومع تزايد انخراطي بأدوار عدة كباحثة ومناصِرة لذوي الإعاقة، تطوّرت أهداف “الدليل القطري لذوي الإعاقة” بدورها: ففتحنا الباب للمزيد من الممارسين والمختصين، ووسّعنا تمثيل حالات الإعاقة، وبدأنا بتنسيب ذوي الإعاقة من البالغين كذلك، وعزّزنا مكانتنا كجسرٍ وحلقة وصل تربط جميع الأطراف المعنية في المجتمع. “الدليل القطري لذوي الإعاقة” أصبح اليوم منصّة جديرة بثقة الأسر والمختصين على حد سواء؛ نناصر من خلاله قضايا ذوي الإعاقة، وندعم البحث العلمي، ونوفّر مساحة آمنة تمكّن الأفراد من إيجاد أصواتهم والتعبير عن أنفسهم.
ما أبرز التحديات التي واجهتموها؟
أصعب ما واجهناه هو شق طريقنا في منظومة كانت لا تزال في خضم صياغة تصوراتها عن معنى “الشمولية”. عانينا من البطء المؤسسي، وضعف التنسيق بين القطاعات، ومن التصورات الضيقة أو القاصرة لمفهوم الإعاقة، وجميعها عوامل تعيق إحراز أي تقدم ملموس. علّمني العمل “داخل” و”خارج” المنظومة المؤسسية مواءمة أسلوبي ليتأقلم مع الواقع دون التفريط بجوهر رسالتي، والمضيّ قدمًا ولو بخطواتٍ صغيرة. والتحدي الآخر وجدانيّ؛ “الدليل القطري لذوي الإعاقة” مشروع يمسّني شخصيًا بامتياز، وهو نابعٌ من قصتي كأم، ومن قصص أسرٍ أخرى عديدة أعرفها شخصيًا. هذه العلاقة الشخصية تمنح عملي معنىً أسمى، لكنها تستدعي كذلك تحكمًا مستمرًا بتطلعاتنا رغم الانتصارات الصغيرة التي نحققها، حيث إن التغيير البنيوي يحتاج نفسًا طويلًا.
ما أهم الدروس المستفادة من هذه التجربة؟
ألا ننتظر ظروفًا “مثالية” لنبدأ العمل من أجل ما نؤمن به، فالإصرار والمثابرة أهم من بلوغ الكمال. تعلّمت الإيمان بقدرتي على بلوغ هدفي رغم التحديات، والثبات على القيم والمبادئ، والاحتفاء بالإنجازات مهما صغرت. والأهم من كل ذلك: تعلمت أن أضع هموم ذوي الإعاقة وأسرهم على رأس كل ما نقوم به.
ما الخطوة التالية لمشروع “الدليل القطري لذوي الإعاقة”؟
أمامنا أولويتان واضحتان: الأولى هي إطلاق مكتبة رقمية مفتوحة تجمع الموارد التي يطورها أعضاء مجتمعنا لتكون في متناول الجميع. أما الثانية، فهي تعزيز بصمتنا في السياسات المعنية بشؤون ذوي الإعاقة في دولة قطر، بحيث تُترجم خبرات مجتمعنا إلى أثرٍ مستدام وملموس.
بناء نظم الدعم
ما رؤيتك لبناء نظام دعمٍ مستدام لذوي الإعاقة؟
تكشف التجربة أن الأسر غالبًا ما تتخبط في مسارات دعم ذات “دوافع جيدة” ولكنها تفتقر للتكامل وتصعب الاستفادة منها. برأيي، ليكون نظام الدعم مستدامًا يجب أن يقدم رعاية مُنسقة وطويلة الأمد، وألا يعتمد العثور عليه والاستفادة منه على المعارف الشخصية التي تدلنا إليه، ولا على قدرة الفرد على المناصرة الذاتية؛ بل يجب أن يُبنى على الإصغاء المنهجي لهموم ذوي الإعاقة على اختلاف درجات إعاقتهم، وتجارب أسرهم. آمل شخصيًا أن ننتقل من الندوات التعريفية المتفرّقة إلى برامج تطبيقية أعمق، تُعنى ببناء القدرات وتدفع نحو تغيير فعلي. فقد كان التردد المستمر في تحديد أفضل سبل الدعم سببًا في حرمان الكثير من الأفراد الموهوبين من ذوي الإعاقة من فرص التطوير المهني والتوظيف التي يستحقونها.
وكيف نحقق ذلك؟
بالحلول المؤسساتية: أي المدعومة بالسياسات والممارسات والثقافة الداعمة للتنوّع العصبي في مختلف المراحل الحياتية، من الطفولة المبكرة وحتى التوظيف وما بعده. نحتاج إلى تجاوز المبادرات المنعزلة، وبناء مبادرات مشتركة تستجيب لاحتياجات المجتمع مباشرة، لتغدو الشمولية واقعًا يوميًا، لا مجرد استثناء.
ما دور التوجيه والتطوير المهني في بناء مستقبل أفضل لذوي التوحد؟
الركيزة الأولى هي إعداد وتأهيل مختصين في التطوير المهني يفهمون التنوع العصبي ومؤمنون بالتطوير المهني لذوي التوحد؛ إذ يضمن ذلك أن تُقدم خدمات التطوير المهني لهذه الفئة بشكل يناسبهم ويتفهم تحدياتهم. كما يجب إشراك ذوي التوحد في تصميم آليات وخدمات تراعي احتياجات الجميع من مختلف الفئات،
ثم رسم خرائط واضحة لرحلة تطويرهم، وتحديد الفروقات بين خبراتهم وخبرات أقرانهم من غير ذوي التوحد. بيت القصيد هو تحويل السؤال من: “ما الدعم الذي يحتاجه هذا الفرد؟”، إلى “ما البيئة الأنسب التي تضمن ازدهاره وتحقيق أقصى إمكاناته؟
برامج التطوير المهني التي تتضمن الإرشاد، والمعايشة المهنية، والتدريب العملي، قادرة على فتح الأبواب المؤصدة، ولديها قدرة فائقة على تحدّي الأنظمة المحيطة بها وتحويلها، وتهيئة المناخ لإحداث تغيير حقيقي في تصورات أصحاب العمل، والزملاء، وجميع الشركاء والمعنيين.
هل تشهد دولة قطر قصص نجاح مهني لذوي التوحد مماثلة لما نراه عالميًا؟
نعم، بدأنا نرى قصصًا مشجّعة، لكن محدودية نظام الدعم الحالي لا تزال ملحوظةً. الكثير من الأشخاص المتنوعين عصبيًا، خصوصًا ذوي اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، يتأقلمون بصمت في بيئات العمل دون الإفصاح رسميًا عما يعانون منه، أو حتى تلقي الدعم اللازم لتيسير إدماجهم، وبعضهم الآخر لا يتلقى تشخيصًا رسميًا لحالته إلا بعد دخول سوق العمل. من دون ثقافة تشجع الإفصاح عن هذه التحديات، ونظام دعم متكامل، ستُحرم الكثير من الحالات من العناية التي تستحقها. ذوو التوحد ما زالوا غير ممثلين بالمستوى المطلوب في سوق العمل، حتى وإن شهدنا تقدمًا ملحوظًا لمن حظوا بدعم احترافي متواصل، فتح لهم مسارات واعدة في مجالات الفن، والعمل الأكاديمي، والطب، وغيرها. ومع ذلك، يبقى ترجمة هذا التقدم إلى توظيف رسمي مفترقًا صعبًا يقف عنده الكثيرون.
ما العامل الفارق بين من ينجح ومن يتعثّر مهنيًا منهم؟
وجود “نصير” إلى جانبهم، أكان ولي أمر، أو معلّمًا، أو مرشدًا، أو صاحب عمل، يؤمن بقدراتهم ويفتح لهم الطريق. لكن لا يجوز أن يُترك النجاح لمصادفة وجود نصير من عدمه؛ بل يجب أن يُؤصل له في أنظمة داعمة يسهل وصول المحتاجين إليها وترافقهم دومًا.
ما أكثر المفاهيم المغلوطة شيوعًا حول القدرات المهنية لذوي التوحد؟
للأسف، ينبع سوء الفهم الشائع تجاه الأفراد المتنوعين عصبيًا أو من ذوي التوحد من النظرة القاصرة التي يتبناها العديد من أصحاب العمل والتي تختزلهم في خانة “رأس المال” فقط، ما يجعلهم يقدّمون الأولوية للكفاءة والمطابقة على حساب الابتكار والشمولية. وهذه العقلية غالبًا ما تكرّس مفاهيم واعتقادات خاطئة تصور هؤلاء الأفراد على أنهم ضعفاء، أو يفتقرون للإنتاجية، أو يشكلون عبئًا على الموارد المتاحة. كثيرٌ من الافتراضات المغلوطة تلك تتأتى من الخوف من المجهول ونقص الوعي بالتنوع العصبي والتوحد. حتى أن الأطراف ذات الصلة كأولياء الأمور، والمعلمين، وأصحاب العمل، وصناع القرار، بل وحتى الشباب من ذوي التوحد أنفسهم، يخطؤون أحيانًا بتقدير إمكاناتهم، ويرضخون لهذه الافتراضات والتصورات الخاطئة.
أين مكمن التحدي إذًا؟
التحدّي الأهم هو الخلط بين الاختلاف في أساليب التعبير والكفاءة. اختلاف أسلوب التواصل لا يعني عجزًا أو نقصًا في القدرات، بل قد يقدم لنا وجهة نظرٍ فريدة جديدة تُثرينا. وبالمقابل، فإن إجادة التعامل والتكيف ضمن عالم يزخر بأفراد ذوي قدرات وكفاءات وسمات مختلفة، هي مهارة قلّما تُدَرَّس في البيئات التعليمية النظامية. فالأفراد لا يتعرفون على التنوع العصبي إلا عندما يتلقون تشخيصًا لحالتهم، أو يكون لديهم أفراد من عائلتهم من ذوي التنوع العصبي، أو يعملون في مجال مرتبط بالإعاقة. وريثما يتّسع صدرنا لإعادة تعريف الكفاءة في مواقع العمل بشكل أرحب، سنظل نخسر مواهب قيمة كان يمكن أن تُفيدنا.
مفاتيح عملية
ما رسالتك لأصحاب العمل المترددين في توظيف ذوي التوحد؟
أحضّ أصحاب العمل، ولا سيّما مختصو الموارد البشرية، على اتخاذ خطوات استباقية لتبديد حالة عدم اليقين المحيطة بالتوظيف الشمولي.
ابدأوا بتطوير معارفكم حول التنوّع العصبي، واستضافة مدّرّبين مختصّين، وتهيئة مساحاتٍ للقاء والاستماع مباشرةً إلى أشخاص متنوّعين عصبيًا؛ فمثل هذه اللقاءات قد تُحوِل ما يبدو تحدّيًا معقّدًا إلى فرصة نموّ حقيقية ومنصفة. بعد ذلك، تأمّلوا منظومة القيم لديكم ولدى مؤسساتكم: هل تقبل التغاضي عن واقع ممارسات التوظيف الإقصائية الشائعة؟ وما الذي يجب تغييره؟
وأخيرًا، لا ضير من البدء بخطواتٍ صغيرة وتدريجية إن لم تكن لديكم جاهزية كاملة بعد. التوجّس شعور طبيعي، ويمكن تحويله إلى فرص للتعلم والتطوير، مثل إتاحة برامج تدريبية، أو عقود عمل محددة زمنيًا بمهام واضحة لذوي الإعاقة. ابحثوا عن شركاء يشاطرونكم عبء المراحل الانتقالية، وتعرّفوا على أفضل الممارسات الدولية في هذا الشأن وكيّفوها لتلائم احتياجات بيئة العمل الخاصة بكم. فالتوظيف الشمولي لا يعني خفض معايير الكفاءة التي يتطلبها عملكم، بل يعني استخدام عدسة أوسع عند البحث عن المواهب وتقديرها.
وما نصيحتك لأولياء الأمور الراغبين بإعداد أبنائهم من ذوي التوحد للنجاح المهني مبكرًا؟
عندما يتعلق الأمر بإعداد الأبناء للنجاح المهني، من المهم إدراك أنهم قد لا يتبعون المسارات التقليدية، وهذا أمر طبيعي تمامًا. الأهم أن نبدأ مبكرًا لنغذّي الفضول، ونبني روتينًا تنمويًا يعزز الثقة والقدرة على التواصل، ونعرّض أبناءنا لتجارب متنوعة. أقول هذا بتواضع أمٍ لطفلين متنوعين عصبيًا تعرف مدى اتساع طيف التوحد: لن نعرف إمكانات أبنائنا حقًا إلا إذا سعينا لاستكشافها، لا إلى إثبات تصوراتٍ مسبقة عنها. تَسهُل الرحلة حين نساند بعضنا البعض؛ أسر تتشارك التجارب والخبرات مع مختصين، ليروا كل طفلٍ على تمامه ويعتنوا بكل تفصيلة فيه. ومع توفر منظومات الدعم والمساندة المناسبة، تتسع آفاقنا باستمرار، وتتضاعف فرص العمل المتاحة للأفراد ذوي التنوع العصبي.
