الطب الطبيعي وإعادة التأهيل
فروعُ الطب متنوعة، ولكلٍ منها أهمية عظيمة، لكن بدون تكاملهم جميعًا يكون من الصعب على أي نظام رعاية صحية توفير الخدمات الشاملة التي تحقق رفاهية الأفراد والمجتمعات. من خلال السطور التالية ستتعرفون على أحد أبرز الفروع الرئيسية في عالم الطب وهو تخصص الطب الطبيعي وإعادة التأهيل. يُركز هذا الفرع على تشخيص وعلاج وإعادة تأهيل الأشخاص الذين تأثرت إمكاناتهم الحركية وقدراتهم الوظيفية بسبب إصابات أو إعاقات ناتجة عن أمراض أو حوادث أو عمليات جراحية. وأهم ما يميزه عن مجالات الطب الأخرى، اعتماده نهجًا شاملًا لرعاية المريض لا يقتصر على علاج الجانب الجسدي، بل يأخذ كذلك بعين الاعتبار الجوانب النفسية والإنسانية من أجل تحسين جودة حياة المرضى وتعزيز رفاهيتهم.
ورغم أن جذور الطب الطبيعي تعود إلى العصور القديمة، إلا أنه تطور كثيرًا وتبلور في شكله الحديث خلال النصف الأول من القرن العشرين الذي شهد حربين عالميتين خلفتا ملايين المصابين، ودفعتا دولًا عديدةً لإنشاء مراكز متخصصة تساعد هؤلاء المصابين على العودة لممارسة مهام حياتهم اليومية والاندماج في المجتمع مجددًا. وقد تأسس أول مقرر جامعي في الطب الطبيعي عام 1908 في جامعة هارفارد على يد الدكتور فرانك كروسين، الذي يعد أبرز مؤسسي هذا المجال، قبل أن تبدأ كليات الطب بعد ذلك في تطوير برامج مستقلة في هذا التخصص الذي أصبح يعرف منذ نهاية الأربعينيات بالطب الطبيعي وإعادة التأهيل.
واستمر التخصص في التطور حتى بات جزءًا لا يتجزأ من كل قطاع رعاية صحية متطور، كما انبثقت عنه تخصصات فرعية من بينها إدارة الألم، والطب الرياضي، وإعادة تأهيل الأطفال، وإعادة تأهيل الجهاز العضلي الهيكلي، وإعادة التأهيل العصبي العضلي، وإعادة التأهيل من إصابات النخاع الشوكي، وإعادة التأهيل من إصابات الدماغ، وإعادة التأهيل القلبي والرئوي، وإعادة تأهيل مرضى السرطان، والأطراف الصناعية، والأجهزة التقويمية.
تختلف مهام الطبيب في مجال الطب الطبيعي وإعادة التأهيل بحسب كل تخصص فرعي ومتطلبات كل حالة، لكن يبقى هدفه الأساسي مساعدة المريض على استعادة إمكاناته الحركية وقدراته الوظيفية بأكبر قدر ممكن والتكيف مع أي آثار قد تستمر معه مستقبلًا حتى يتمكن من العودة إلى حياة طبيعية خالية من الألم.
يتطلب ذلك منه تشخيص وتقييم الحالة بشكل دقيق لتحديد التدخلات العلاجية المطلوبة قبل أن يصمم البرنامج العلاجي الملائم ويشرف على تنفيذه مع فريق متعدد التخصصات قد يضم أخصائيين في العلاج الطبيعي والوظائفي والنفسي والاجتماعي وأمراض النطق والبلع إلى جانب كوادر التمريض، وذلك بحسب احتياجات كل حالة. كما أنه قد يحتاج لإجراء تعديلات على برنامج العلاج في حالة وجود ضرورة لذلك، في الوقت الذي يتوجب عليه تقديم الدعم النفسي للمريض طوال رحلة التعافي.
لخوض مسيرة مهنية في هذا التخصص، تحتاج في البداية لدراسة الطب العام والحصول على درجة البكالوريوس، ومن بعدها يمكنك التخصص في الطب الطبيعي وإعادة التأهيل من خلال الالتحاق ببرنامج الإقامة المناسب في إحدى المؤسسات الطبية التي تتيح لك اكتساب المعرفة والخبرة اللازمتين وتلقي التدريب الذي يؤهلك لكي تصبح طبيبًا متخصصًا. وتعد السويد وألمانيا وهولندا وبريطانيا وسويسرا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا من بين أفضل الدول في العالم لدراسة هذا التخصص، مع العلم أنه من التخصصات الطبية المطلوبة والتي يتوقع لها المزيد من النمو في السنوات المقبلة. كما أنه من التخصصات التي ينتظرها مستقبل واعد في دولة قطر في ظل حرص الدولة المتواصل على تطوير قطاع الرعاية الصحية والاستثمار فيه.
افتتحت مؤسسة حمد الطبية في عام 2016 مركز قطر لإعادة التأهيل، الذي يعد أكبر مستشفى تخصصي لإعادة التأهيل في المنطقة، حيث يقدم خدماته وفق أعلى المعايير العالمية ضمن خمسة برامج رئيسية هي: السكتة الدماغية، وإصابات الدماغ، وإصابات النخاع الشوكي، وإدارة الألم، وإعادة تأهيل الأطفال.
د. فاطمة جاسم الكواري
استشاري الطب الطبيعي وإعادة التأهيل
مساعد رئيس إدارة الطب الطبيعي وإعادة التأهيل
مركز قطر لإعادة التأهيل
مؤسسة حمد الطبية
منذ أن كنت في سن صغيرة، وحتى قبل بدء الدراسة في المرحلة الثانوية، كنت أتمنى أن أصبح طبيبة. وبعد تحقيقي لمعدلٍ عالٍ في الشهادة الثانوية العامة عام 1990، حصلت على بعثة لدراسة الطب في جامعة الخليج العربي في البحرين، حيث تخرجت بدرجة البكالوريوس قبل العودة إلى قطر وإتمام سنة الامتياز في مستشفيات مؤسسة حمد الطبية.
خلال عملي في مستشفى الرميلة، أحببت مجال الطب الطبيعي وإعادة التأهيل، وقررت التخصص فيه. وكان أكثر ما شجعني على ذلك اهتمامي الشخصي بمساعدة الآخرين ورغبتي الدائمة في تقديم العون لهم، وهو بالتحديد ما يتيحه هذا المجال.
قررت بعد ذلك السفر إلى السويد من أجل دراسة هذا التخصص والتحقت بمستشفى داندريد في العاصمة ستوكهولم من أجل الحصول على البورد السويدي في الطب الطبيعي وإعادة التأهيل. استمرت رحلتي الدراسية هناك لست سنوات منها سنة كاملة في البداية لدراسة اللغة السويدية. كان التدريب العملي يتم من خلال عملي كطبيبة في المستشفى الجامعي، وقد شمل كافة الأدوار الوظيفية التي يقوم بها الطبيب في هذا المستشفى من معاينة الحالات والتشخيص والعلاج وكتابة التقارير الطبية والعمل في العيادات الخارجية وأقسام المرضى الداخليين وحضور الاجتماعات والمناقشات الطبية والمحاضرات وورش العمل التخصصية.
لم تكن المهمة سهلة، وبالأخص مع اصطحابي لطفلَيّ خلال فترة الدراسة، وهو ما كان يعني القيام بعدة أدوار كل يوم بين طبيبة وطالبة وأم وربة منزل ومدرسة لأطفالي وممرضة لهما. في أوقات كثيرة، كنت أظل خارج المنزل في المستشفى الجامعي الذي أدرس فيه لأكثر من ثمان ساعات متواصلة، كما تنقلت بين عدة أماكن للإقامة خلال السنوات التي قضيتها هناك. لكن بتوفيق من الله ومع العزيمة والإصرار ووضوح الهدف الذي أرغب في تحقيقه، أثمرت رحلتي الدراسية أهدافها.
بعد عودتي إلى قطر التحقت بإدارة الطب الطبيعي وإعادة التأهيل في مؤسسة حمد الطبية، حيث أعمل استشارية في الطب الطبيعي وإعادة التأهيل، وأتولى حاليًا منصب مساعد مدير إدارة الطب التأهيلي في مركز قطر لإعادة التأهيل.
تتوزع مهامي الوظيفية بين أقسام العيادات الخارجية، والمرضى الداخليين، وقسم التأهيل اليومي، وقسم التأهيل المجتمعي. ومن خلال عملي أقوم بقيادة فريق علاجي يضم أخصائيين في العلاج الطبيعي والوظائفي والنطق والبلع وأخصائيًا نفسيًا وآخرًا اجتماعيًا وكوادر تمريض.
يتم تحويل المريض من مستشفى حمد العام إلى مركز قطر لإعادة التأهيل، حيث نقوم بوضع خطة علاجية تتضمن أهدافًا قصيرة المدى وأخرى طويلة المدى، ونضع كذلك خطة علاجية عقب مغادرة المريض المستشفى من خلال التواصل مع أفراد أسرته والمحيطين به لتعريفهم بالطرق الصحيحة للتعامل مع الوضعية الجديدة للمريض عقب تعرضه للإصابة، كما نتواصل مع جهة عمله لمساعدته على العودة للعمل وفي الوظيفة التي تتناسب مع قدراته الحركية الجديدة عقب العلاج. وقد نجحنا من خلال برنامج العودة للعمل الذي ننفذه بمركز قطر لإعادة التأهيل في إعادة 130 مريضًا لوظائفهم وأماكن عملهم سواء في وظائفهم قبل تعرضهم للمرض أو وظائف أخرى جديدة. وقد وجدنا تجاوبًا وتعاونًا كبيرًا من جهات العمل وتفهمًا لأوضاع المريض، وهو ما أسهم في تحسين نفسية المريض وتنمية إحساسه بالمشاركة في خدمة نفسه وأسرته ومجتمعه.
من أبرز التحديات التي قد تواجه طبيب التأهيل، إيجاد الطريقة المناسبة والصحيحة للتواصل مع المريض حتى يمكنه إدراك طبيعة الإصابة التي قد تعرض لها ومدى تكيفه مع وضعه الجديد. فقد يحدث مثلًا أن يرفض المريض مغادرة المستشفى خشية مواجهة المجتمع بوضعه الجديد عقب الإصابة وشعوره بالإحراج عند التعامل مع الآخرين. وهنا تكمن أهمية مهارات التواصل الفعال التي يجب أن يتمتع بها طبيب التأهيل للتغلب على هذا التحدي. كما يحتاج أيضًا للتحلي بالصبر، إلى جانب امتلاك مهارات العمل ضمن فريق، مع الحرص على مواكبة التطور المهني والطبي في هذا المجال بصورة مستمرة.
أحفز أبنائي الطلبة على الاجتهاد والمثابرة كل في مجاله وتخصصه لرفعة هذا الوطن المعطاء، وأنصحهم بالتفكير جديًا في الانخراط بدراسة الطب والتخصص في مجال الطب الطبيعي وإعادة التأهيل، لأنه تخصص بالغ الأهمية وسيتيح لهم فرصة مساعدة الآخرين على استعادة الأمل والعودة بحياتهم للمسار الطبيعي. فلا يوجد مثيل للشعور الذي سيخالجهم عند رؤية السعادة الغامرة في عيون المرضى وذويهم لأن الله جعلهم أحد أسباب شفائهم.

