الصحافة القطرية النموذج الإعلامي المتطور وآفاقه المستقبلية

بفضل الرؤية الملهمة لقادة دولة قطر على مدى أكثر من نصف قرن، غدت الصحافة أكثر من مجرد مهنة وأصبحت جزءًا لا يتجزأ من تاريخ الدولة وحاضرها، إلى جانب كونها حجر زاوية أساسي في مسيرة تقدمها. ويتجذر هذا التراث الإعلامي الثري في الدعم الفريد لحرية وسائل الإعلام، واللامركزية التي عنونت القطاع منذ بداياته. وازدهر المشهد الإعلامي القطري، بنهجه الثوري، ليصبح كيانًا يتجاوز الحدود المحلية والإقليمية. وكدليل على ذلك، لم يقتصر تطور الإعلام المحلي على نقل ونشر الأخبار فقط؛ بل تطور إلى مجال تفاعلٍ وتأثير وصنع للسياسات وتشكيل للرأي العام. وتلعب الصحافة القطرية دورًا محوريًا ضمن المشهد الإعلامي المعقد اليوم، من خلال صياغة فهم عربي مشترك وتصور جامع عن الذات يجول العالم في خضم عصر التطور الرقمي المستمر.

د. خالد آل شافي، الصحفي القطري المتميز ورئيس تحرير صحيفة “البننسولا” اليومية الصادرة باللغة الإنجليزية، يتبوأ مكانة مهمة ضمن هذا المشهد الإعلامي، إذ يعد واحدًا من الشخصيات الملهمة التي دفعت برؤاها عجلة تطور هذا القطاع ونموه. ويعمل الدكتور آل شافي على نقل تجربته للأجيال المستقبلية عبر عمله أستاذًا مساعدًا في قسم الإعلام بكلية الآداب والعلوم في جامعة قطر التي حصل من خلالها على شهادة الدكتوراه في المجال ذاته. ويتميز مسار الدكتور آل شافي المهني بالإنجازات والإسهامات التي يُشهد لأثرها على المشهد الإعلامي في البلاد؛ حيث بدأ رحلته محررًا في وكالة الأنباء القطرية (قنا) عام 1991، ومن ثم ارتقى في المناصب حتى أصبح رئيسًا للتحرير. كما تولى خلال مسيرته المهنية أدوارًا حيوية في مؤسسات حكومية، منها وزارة الأعمال والتجارة (وزارة التجارة والصناعة اليوم)، ووزارة الشؤون الخارجية التي تولى فيها منصب نائب رئيس البعثة القطرية والقائم بالأعمال في مملكة تايلاند. ونظرًا لهذه المسيرة الثرية في قطاع الصحافة القطرية، تعكس رؤى الدكتور آل شافي التحولات التي شهدها القطاع والإمكانيات الهائلة التي يحملها، والتي تمهد طريقه نحو المستقبل. وقد كان لمجلة “دليلك المهني” شرف اللقاء بالدكتور خالد في جلسة حوارية مفيدة للتعمق في وجهات نظره والتعرف أكثر على تفاصيل المشهد الإعلامي العريق في دولة قطر.

لنتحدث في البداية عن مسيرتك المهنية في الإعلام والصحافة، لماذا اخترت التخصص في هذا المجال بالذات؟

 بدأت العمل الصحفي في سن مبكرة، وكانت أول مهنة التحقت بها من خلال عملي كمحرر متدرب في وكالة الأنباء القطرية، والتي تعلمت الكثير خلال سنوات عملي بها. وقد أكملت دراستي الجامعية في تخصص الإعلام، وتدرجت خلال عملي في الوكالة بالسلم الصحفي حتى وصلت منصب مدير التحرير، ولهذا تعتبر تجربة مهمة أحببت من خلالها العمل الصحفي أكثر وأكثر، الأمر الذي شجعني على مواصلة دراساتي العليا في نفس المجال، حيث نلت شهادة الدكتوراه في الإعلام، لأجمع التجربة العملية بالعلمية في ذات الوقت. كنت أدرك منذ البداية أنها مهنة تحتاج الى الصبر والمثابرة والتواضع والتخلي عن العديد من المميزات التي توفرها المهن الاخرى.

هل كانت أسرتك داعمة لهذا القرار؟

بالتأكيد. من الصعب الاستمرار في تجربة عملية وتعليمية في آن واحد، ولسنين طويلة، دون تشجيع من الأسرة، وتهيئة الظروف الملائمة لمواصلة عملي ودراستي في الإعلام.

من واقع عملك كأستاذ مساعد في جامعة قطر، هل ترى أن الأجيال المقبلة قادرة على أن تواصل الإنجازات التي حققتها دولة قطر في مجال الإعلام على مدى العقود الماضية؟

سجلت دولة قطر حضورًا إعلاميًا قويًا على المستوى الإقليمي والعالمي من خلال بعض المجلات العالمية مثل مجلة الدوحة ومجلة الصقر التي كانت توزع على مستوى الوطن العربي، وتستقطب كتّابًا وأدباءً من مختلف البلدان العربية. كما برز دور الإعلام القطري من خلال القنوات التلفزيونية المتنوعة، والصحافة المميزة الناطقة باللغتين العربية والإنجليزية.

وبما أن الدولة تقدم كل التسهيلات والإمكانات المتاحة لإنجاح الإعلام القطري، فإن أداء الإعلام المتميز سيستمر، والشباب القطري سيستمر بإثبات جدارته في العديد من ميادين الإعلام المرئي والمسموع، وحتى الإعلام الإلكتروني. والجيل الجديد مسلح بعلوم التكنولوجيا الحديثة، فأتوقع أن يبرز العديد من المبدعين في مجالات الإعلام الحديث لأن فرص التدريب والتأهيل متاحة للجميع، والبنية التحتية المتوفرة في دولة قطر تحفز على العمل وتسهل الطريق للنجاح. ولهذا، فإن المطلوب هو استغلال هذه الفرص المتاحة والمواظبة على الجدية في العمل.

هل هناك عزوف من الشباب القطري عن العمل في مجالات مثل الصحافة أو الاتصال؟

لا أعتقد أن هنالك عزوفًا عن العمل الإعلامي، بل هناك زيادة في الطلب على الوظائف الإعلامية بشكل عام. وهذا ما يستدعي الاستمرار بتقديم الدعم والحوافز التي تشجع إبداع الشباب القطري في هذه المهنة.

هل ترى أن النظر إلى الصحافة كمهنة قد اختلف مع التأثير الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي على مجتمعاتنا؟

النظر إلى الصحافة كمهنة لم يتغير، لكن الثقة في الإعلام التقليدي والصحافة الورقية اهتزت إلى حد ما تحت تأثير الإعلام الإلكتروني. لكن مع الأيام، وبعد تراجع موجة الانبهار بالإعلام المرتبط بالإنترنت، أخذت الصحافة الورقية تستعيد قدرًا من ثقة الناس بها لما تتمتع به من مصداقية في نقل الأخبار الموثوقة والمستقاة من مصادر محددة، على عكس الإعلام الإلكتروني الذي ينقل أخبارًا سريعة، لكن غير دقيقة، بل ومتضاربة في الكثير من الأحيان. الصحافة الورقية والإعلام التقليدي بشكل عام سيظلان يقاومان لأن الحاجة إليهما لا تزال قائمة بالرغم من تغير أنماط الحياة، وما يفرضه التطور التكنولوجي علينا من معلومات وأخبار.

هل ترى أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر على مهن مثل الصحافة مستقبلًا بقدر أكبر من التأثير الذي أحدثته التكنولوجيا بالفعل في هذا المجال خلال السنوات الأخيرة؟

بالتأكيد الذكاء الاصطناعي سيلعب دورًا مؤثرًا في الإعلام، ويُتوقع أن يحدث ثورة في العمل الإعلامي بنفس المستوى الذي يؤثر به على مجالات ومهن أخرى. وتأثيره سيكون إيجابيًا إذا وضعت له ضوابط قانونية وعلمية، وتم تنظيم استخدامه. لكن، إذا تركت أبواب الذكاء الاصطناعي مفتوحة أمام كل من هب ودب، مثلما يحدث في وسائل التواصل الاجتماعي، فسيفقد مع الأيام ثقة الناس وستتراجع أهميته، لكن تأثيره لن يكون محدودًا ما لم ينجرف نحو الفوضى ويساء استخدامه.

قمت من خلال كتاب “الصحافة القطرية: تحديات الحاضر وآفاق المستقبل” باستعراض تجربة الصحافة في قطر وتطورها عبر العقود الماضية. في رأيك، هل بالإمكان أن نرى تجارب رائدة في مجال الصحافة تحقق تأثيرًا على مستوى الوطن العربي مماثلًا لما حققته تجارب مثل مجلة الصقر أو مجلة الدوحة، أم أن الصحافة الرقمية أصبحت هي المستقبل؟

بالرغم من التأثير القوي للصحافة الرقمية وسيطرتها على حصة كبيرة من سوق الإعلانات، فإن الصحافة الورقية والإعلام التقليدي بشكل عام سيظل يؤدي رسالته، والتحديات التي يواجهها ستولد تجارب مبتكرة لأن الإعلام الإلكتروني متاح للصحافة الورقية والمجلات الثقافية العلمية والإعلامية.

تجربة المجلات القطرية الرائدة مثل مجلة الصقر والدوحة والأمة كانت خلال فترة تاريخية معينة، فحملت هذه المجلات رسائل وأهدافًا كانت تتبناها أجيال تلك الفترة. فكانت هذه المجلات تعبر عن هموم وتطلعات أجيال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. ولهذا، يُتوقع أن تكون هنالك تجارب مماثلة، لكن بشخصيتها المستقلة وأفكارها وهمومها التي تعبر عن حاجات الأجيال المستهدفة وتطلعاتها المستقبلية. أقول هذا حتى لا نكون أسرى الماضي الذي يحمل تجارب نعتز بها ونستفيد منها، وألّا يكون حلمنا عودة ذلك الماضي بقدر ما نتطلع إلى المستقبل والسير قدمًا. وهذا سيتطلب منا مواكبة التطورات التي نعيشها على كافة الأصعدة، والتفكير في المستقبل وحاجة الأجيال القادمة أكثر من تفكيرنا في الماضي، والإعجاب به، والانبهار بما حققه الآباء والأجداد. الماضي أساسٌ نبني عليه، وإرثٌ نعتز به، لكن يجب ألّا نتخذه وسادة نتّكِئ عليها دائمًا.

ما الطموحات التي لا زلت تأمل تحقيقها مستقبلًا على المستوى المهني؟

كأستاذ جامعي، أطمح لأن نقدم للإعلام القطري جيلًا يحمل راية الإعلام القطري بكفاءة واقتدار. وعلى صعيد الصحافة، أطمح للعمل على مواكبة التطور، ولجعل الإعلام القطري يحظى بمكانة قوية على مستوى المنطقة والعالم.

ما نصيحتك لكل طالب وطالبة يرغبون في بناء مسيرة مهنية في مجال الصحافة؟

الإعلام، كغيره من المهن، يحتاج إلى الاجتهاد والعمل. وعلى الشباب القطري استغلال فرص التعليم والتدريب والإمكانات والخدمات التي توفرها الدولة للطلبة بشكل عام. ومجال الإعلام واسع وليس محصورًا في مجالات معينة، والانخراط في المجال الذي يحبه كل طالب سيمكنه من تحقيق أهدافه الإعلامية، وسيكون النجاح حليفه لأن البنية التحتية المتوفرة للإعلام في قطر تساعد على تحقيق التميز الذي نرغب بأن نراه في أبنائنا وبناتنا.