خبيرة التكنولوجيا الأمريكية نانسي وانغ
المستقبل للتكنولوجيا
خبيرة التكنولوجيا الأمريكية نانسي وانغ
نقاش حول القيادة وريادة الأعمال وإصلاح السلم المكسور
لطالما اعتُبر “السقف الزجاجي” سببًا أساسيًا في عجز السيدات عن الحصول على فرص العمل في مجالات معينة، أو الوصول إلى مناصب عليا في معظم المؤسسات. ويعني المصطلح وجود عوائق مبهمة تحول دون حصولهن على تلك الفرص، سببها عوامل كامنة مثل التمييز، أو التحيز، أو الأعراف الاجتماعية، أو السياسات غير العادلة.
والآن بات هناك مصطلح جديد يصف هذه الحالة بصورة أوضح، وهو “السلم المكسور“، أي ببساطة، إذا اعتبرنا المسيرة المهنية سُلّمًا على الموظف ارتقاؤه لتولي مناصب أعلى، فإن وجود درجات مكسورة لا بد أن يعوق صعوده.
صيغ هذا المصطلح خلال دراسة أجرتها مؤسسة ماكنزي للاستشارات بالتعاون مع منظمة “لين إن” ومؤسستها شيرل ساندبيرغ. امتدت الدراسة لخمس سنوات حُللت خلالها بيانات أكثر من 600 شركة في الولايات المتحدة، وأسفرت عن إصدار تقرير “المرأة في مكان العمل 2021″ الذي أكد أن السيدات يواجهن صعوبة أكبر في نيل الترقيات بالمقارنة مع نظرائهن من الرجال، وخاصة خلال المراحل المبكرة من مسيراتهن المهنية.
وأرجع التقرير ذلك إلى عدة أسباب من بينها: التمييز العنصري على أساس الجنس، وعدم وجود نظم واضحة تُلزم بالترقية وفق القدرة والجدارة، وأن السيدات لا يحصلن على القسط العادل من الإرشاد وفرص بناء المهارات المطلوبة لتطوير مسيراتهن المهنية.
ورغم التقدم الملحوظ في مختلف المجالات، إلا أن الفجوة تبدو أكبر في قطاع التكنولوجيا. ففي الوقت الذي تشهد معظم المجالات ترقية 86 سيدة إلى مناصب إدارية عليا مقابل كل 100 رجل، تنخفض هذه النسبة إلى 52 سيدة في المجالات المتعلقة بقطاع التكنولوجيا بالغ الأهمية الذي يشكل أكثر من عشرة في المئة من الناتج المحلي للولايات المتحدة بقيمة تزيد عن تريليوني دولار أمريكي، الأكبر من نوعه في العالم، إذ يوفر أكثر من 12 مليون وظيفة.
تدفع مختلف التحديات التي تواجهها السيدات في قطاع التكنولوجيا كثيرات للابتعاد عنه على حساب مسيراتهن المهنية، وبالتالي يخسر القطاع مواهب كان من الممكن أن تثبت جدارتها لو نالت فرصتها. وبالمثل، يؤدي ذلك لانخفاض تمثيل المرأة في طبقات صنع القرار التي من شأنها التأثير على مستقبل مؤسسات أو حتى صناعات بأسرها.
ضيفتنا في هذا المقال وضعت على عاتقها العمل على تغيير هذا الواقع، ونجحت بالفعل في إحداث تغيير حقيقي. إنها نانسي وانغ، خبيرة الحوسبة السحابية والأمن السيبراني التي شغلت أدوارًا قيادية في شركات تكنولوجية عملاقة مثل جوجل وأمازون. التقينا معها خلال زيارتها إلى العاصمة القطرية الدوحة للتعرف على العوامل التي أسهمت في نجاحها المهني، وخبرتها كمستثمرة في قطاع التكنولوجيا، ورحلتها مع جمعية “دعم المرأة في مجال التكنولوجيا” ومواضيع أخرى متنوعة.
مسيرة حافلة
ولدت وانغ في ولاية بنسلفانيا الأمريكية لأسرة مهاجرة من الصين، ورغم أن أسرتها لم تكن ميسورة الحال، حرص والداها على أن تنال هي وشقيقتها تعليمًا جيدًا. ولذلك، شكل التعليم أولوية لها، وفتح هذا الاهتمام عينيها على ما يمكن تحقيقه من خلال التعليم، فكان طموحها بناء مسيرة مهنية في مجال التكنولوجيا عبر دراسة الهندسة.
حصلت وانغ على منحة لدراسة الهندسة في جامعة بنسلفانيا واختارت تخصص علوم الحاسوب. وبعد تخرجها، عملت في أماكن مختلفة قبل أن تنضم إلى شركة جوجل للعمل في إدارة المنتجات السحابية، ثم انتقلت للعمل في شركة روبريك لإدارة البيانات السحابية وأمن البيانات مديرةً للمنتجات السحابية. وبعد تحقيقها نتائج لافتة مع الشركة، اختيرت في عام 2019 لتولي منصب المدير العام لشركة خدمات أمازون للحوسبة السحابية، التي توفر مجموعة متنوعة من الخدمات السحابية لبعض أبرز الشركات في العالم. وبعد أكثر من أربع سنوات أسهمت خلالها بشكل كبير في تطوير الشركة ونموها، قررت وانغ التفرغ للعمل مستشارةً في الحوسبة السحابية والأمن السيبراني إلى جانب تركيزها على الاستثمار الجريء في الشركات الناشئة بمجال التكنولوجيا، كما أتاحت لها تلك الخطوة المزيد من الوقت لإدارة جمعية دعم المرأة في مجال التكنولوجيا.
أسست وانغ هذه الجمعية عام 2016 بهدف مساعدة السيدات على بناء مسيرات مهنية في قطاع التكنولوجيا وتحضيرهن لتجاوز “السلم المكسور” وتولي أدوار قيادية في مؤسساتهن، وهو أمر تعلم عنه الكثير نظرًا لمسيرتها المهنية في الشركات الكبرى. كما دفعها لاتخاذ تلك الخطوة إدراكها أهمية الإرشاد في تطورها المهني ونجاحها الذي ما كان ليتحقق لولا الدعم والإرشاد والرعاية التي تلقتها ممن هم أكثر خبرة منها، فقد كان هناك دومًا من يشجعها ويقدم لها المشورة ويتيح لها مساحة للنجاح.
بدأت جمعية دعم المرأة في مجال التكنولوجيا أنشطتها بتنظيم ورش عمل في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، قبل أن يتحول تركيز الجمعية للتعليم عن بُعد بسبب جائحة كورونا. وتقدم الجمعية حاليًا أكثر من 100 ساعة من المحتوى التعليمي حول الإدارة الهندسية، وإدارة المنتجات والمنتجات السحابية، وذلك عبر منصة كورسيرا. وصمم المحتوى خبراء في مجالي التعليم والهندسة، واستفاد منه حتى الآن أكثر من 40 ألف شخص حول العالم، من بينهم عدد كبير من السيدات الاتي نجحن في الحصول على وظائف في قطاع التكنولوجيا، أو الترقي في السلم الوظيفي وتولي مناصب قيادية، أو حتى تطوير مشاريعهن الخاصة.
وترى الخبيرة الأمريكية كذلك أن التطور الهائل في الإنترنت والتقنيات المصاحبة له رفع من جودة التعليم عن بعد وجعله أكثر تطورًا من أي وقت مضى، وبات لا يختلف كثيرًا عما يقدم حضوريًا في الجامعات، ما دفع بالجامعات حول العالم إلى تقديم برامج أكاديمية كاملة عبر الإنترنت.
تفخر وانغ بالتأثير الذي أحدثته مبادرتها خلال السنوات السبع الماضية، وترى أن ما تقوم به أمر ضروري، حيث أوضحت قائلة: “لقد كنت محظوظة للغاية بحصولي على منحة شاملة للدراسة في جامعة بنسلفانيا. وضع عائلتي المادي لم يكن ليسمح لهم بتحمل تكاليف تعليمي الجامعي. جعلتني تجربتي هذه شغوفة بمساعدة الآخرين في الحصول على أفضل الفرص لنيل تعليم عالي الجودة. أؤمن إيمانًا راسخًا بأن التعليم والمعرفة حق بشري، وليسا امتيازًا أو رفاهية، وهذا ما دفعني لتأسيس الجمعية؛ إذ يستحق الجميع الوصول إلى تعليم جيد ومحتوى عالي الجودة بأسعار معقولة.”
وقد قاد نجاح جمعية دعم المرأة في مجال التكنولوجيا وانغ لأن تصبح عضوًا في مجلس إدارة التعليم عبر الإنترنت في جامعة بنسلفانيا، التي أصبحت بدورها أول جامعة تقدم درجة ماجستير في الهندسة عبر الإنترنت بالكامل من خلال برنامج الماجستير في الحاسبات وتكنولوجيا المعلومات المتوفر عبر منصة كورسيرا.
الاستثمار في التكنولوجيا
كان من الصعب أن نفوت لقاءنا مع السيدة وانغ دون الحديث عن تجربتها في ريادة الأعمال، والاستراتيجية التي تتبعها كمستثمرة في مجال التكنولوجيا. وزودتنا بالكثير من الرؤى حول ما يبحث عنه أصحاب رأس المال الجريء في المشروعات الناشئة.
تفضل وانغ الاستثمار في المراحل المبكرة للشركات الناشئة؛ سواء عبر دعم شخص أو فريق يمتلك فكرة واعدة ويعمل على تحويلها لنموذج أولي؛ أو عبر تمويل شركة أطلقت بالفعل منتجًا واعدًا، وبدأت للتو في بناء قاعدة عملائها وجذب تمويل إضافي.
خلال هذه المراحل المبكرة، تفتقر أغلب الشركات لبيانات مالية يمكن للمستثمرين دراستها واتخاذ قرارهم بالاستثمار من عدمه وفقها. وتستعيض وانغ عن الحاجة لتلك البيانات بتقييم المشروع والفريق المؤسس له بدلًا من البيانات المالية، معتمدةً على الخبرة الهائلة التي اكتسبتها على مدى مسيرتها المهنية. حيث أوضحت بهذا الخصوص قائلة: “من الجيد أن يكون لدى بعض أعضاء الفريق خبرة أو درجة علمية متخصصة في المجال الذي تنافس فيه الشركة، لكن الأهم بالنسبة لي مدى شغفهم بفكرة مشروعهم، واستعدادهم لبذل قصارى جهدهم وتقديم التضحيات لتجاوز التحديات التي قد تواجههم، إلى جانب القيام بكل ما يلزم لنجاح مشروعهم“.
تركز وانغ كذلك على التكنولوجيا التي يستخدمها المشروع، فهناك مئات الأفكار الجيدة حول العالم لمشروعات ناشئة، خاصةً حينما يتعلق الحديث بالمجالات سريعة النمو مثل مجال التكنولوجيا وما يشتمل عليه من أفرع كأمن البيانات، والخدمات السحابية، والذكاء الاصطناعي. وبالتالي، فهي تبحث عن إجابات لأسئلة من قبيل: ما المنطلقات التي اختارتها الشركة للمنافسة في السوق؟ إذا استطاعت الشركات الكبرى توفير منتجات مماثلة للتي تعمل عليها هذه الشركة الناشئة، ما الذي يميز منتجها؟ وهل سيحافظ على تنافسيته؟ كيف ينظر مؤسسو المشروع لمنافسيهم في السوق؟ ولماذا يعتقدون أن العملاء سيفضلون شراء منتجاتهم؟
وأكملت وانغ: “تتطلب الإجابة عن تلك الأسئلة أن يكون لدى فريق العمل فهم جيد للمشكلة التي يسعون لحلها. وإذا تمكنوا من الإجابة بشكل مقنع عن مثل هذه الأسئلة، وعكس استعراضهم للفكرة أو المشروع ذلك بوضوح، فمن المؤكد أن فكرتهم ستثير اهتمامي وسوف أسعى لاستثمار في شركتهم“.
نصائح ذهبية
تنصح وانغ كل من يرغب في بناء مسيرة مهنية ناجحة ضمن قطاع التكنولوجيا بالتركيز على المجالات سريعة النمو، مثل الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وكل تكنولوجيا ناشئة جديدة من شأنها أن تسهم في التطور البشري، حيث قالت مخاطبةً هؤلاء الشباب الطموحين: “في هذه المجالات ستتعلم أكثر، وستتاح لك فرص أوفر للتقدم في حياتك المهنية. هذا ما فعله معظم مؤسسي شركات التكنولوجيا العملاقة في بداياتهم. ثابر واجتهد، وقد تتمكن بدورك من تطوير تقنية جديدة، أو إطلاق شركة، أو منصة، أو تصبح لاحقًا علامة تجارية كبرى“.
كما تحث وانغ الشباب على أن يكونوا طموحين، وأن يحافظوا على عزيمتهم ويثابروا من أجل بلوغ أهدافهم مهما واجهوا من تحديات، فقد واجهت نصيبها من التحديات خلال مسيرتها، وتمكنت من تجاوزها، حيث قالت: “قبل حصولي على وظيفتي الأولى في شركة جوجل، لم يحالفني الحظ في أكثر من 50 طلب توظيف قدمتهم، كان بينهم طلبان للعمل في شركة جوجل التي وظفتني لاحقًا. فكلما تعرضت للرفض، ما عليك سوى المثابرة والمضي قدمًا“.
وتوصي وانغ من يرغبون في تحقيق النجاح المهني والوصول لمواقع القيادة وصنع القرار بألا يهابوا تولي المسؤولية خشية الفشل، حيث يستحيل معرفة ما إذا كانوا سينجحون في حملها أم لا دون أن يجربوا ذلك بأنفسهم.
وتختتم الخبيرة الأمريكية حديثها معنا بالتأكيد على أهمية التفكير في المسيرة المهنية كاستثمار طويل الأمد، قائلةً: “حينما أفكر في المسار المهني لأي شخص أحب استعارة مفهوم الفائدة المركبة من العلوم المالية. لا تتوقف عن التعلم، وواصل اكتساب الخبرات المتنوعة، واحرص على تطوير علاقات بناءة مع من يستطيعون إرشادك. وسترى بنفسك الأثر التراكمي لهذا الاستثمار على المدى البعيد، وكيف سيؤدي دون شك إلى نموك على المستوى المهني والشخصي“.
رأس المال الجريء
هو أحد أنواع الملكية الخاصة التي يوفر من خلالها المستثمر تمويلا للشركات الناشئة في مراحلها المبكرة مقابل امتلاكه حصة من أسهم الشركة. ويسهم هذا النوع من الاستثمار في دعم الابتكار ونمو قطاع ريادة الأعمال؛ حيث يجنب أصحاب المشروعات الناشئة عناء الحصول على تمويل من المؤسسات المالية التقليدية، أو الاعتماد على التمويل الشخصي ذي الخطورة العالية.
ولذلك، يعرف هذا النمط من الاستثمار برأس المال المجازف أو المغامر لأن المستثمر يدرك جيدا احتمال ألا تحقق الشركة الناشئة النجاح المرتقب، تماما كما يدرك أنه قد يفوت فرصة الاستثمار في شركة ربما تصبح لاحقًا علامة تجارية كبرى.
الحوسبة السحابية
من التقنيات الناشئة التي فرضت نفسها بقوة خلال العقد الماضي وأحدثت ثورة في البنى التحتية لتكنولوجيا المعلومات. والمصطلح مشتق من رمز السحابة الذي كان يستخدم لتمثيل الإنترنت في بداياته ضمن مخططات شبكات الحواسيب. تشمل خدمات الحوسبة السحابية توفير حلول بنى تحتية وبرمجيات وتطبيقات عبر الإنترنت للأفراد والشركات. وتستضيف هذه الخدمات مراكز بيانات خاصة بالشركات التي توفرها، وبالتالي يعد ذلك خيارًا عمليًا أقل تكلفة وأكثر أمانا للعملاء من أجل تخزين بياناتهم وحمايتها والوصول لأحدث البرمجيات والتطبيقات التي تسهم في تطوير أعمالهم. وتعد أمازون وجوجل ومايكروسوفت من الشركات الرائدة في توفير مثل هذه الخدمات.
إدارة المنتجات
أصبحت إدارة المنتجات من الأدوار بالغة الأهمية، خاصة في شركات التكنولوجيا، حيث يتولى مدير المنتجات وضع استراتيجية العمل الشاملة للمنتج الذي قد يكون برنامجًا، أو تطبيقًا، أو جهازًا، أو خدمةً، أو أي منتج رقمي. ويحتاج مدير المنتجات للتعاون مع فرق من مختلف التخصصات قد تضم مهندسين ومصممين ومسوقين وباحثين، من أجل وضع خارطة طريق للمنتج، والإشراف على تنفيذ جميع مراحلها بدءًا من تحديد مفهومه والتخطيط له، وحتى تطويره وتنفيذه وإطلاقه والعمل على نجاحه في السوق.
للتعرف على البرامج والدورات التعليمية التي تقدمها جمعية دعم المرأة في مجال التكنولوجيا، يرجى زيارة الرابط التالي: https://advancingwomenintech.org/

