لولوة المري: كسر الحواجز
كسر الحواجز
لولوة المري
أول فتاة قطرية تقتحم عالم الرجل الحديدي
“خلال السباق أنقطع عن كل ما حولي وأنتقل بعقلي إلى عالمي الخاص. أحاول التركيز على أمر واحد: أن أتخيل نفسي وأنا أعبر خط النهاية“.
“عبور خط النهاية لا يعتمد على قوتك البدنية وحسب؛ بل تحتاج الوصول للحالة الذهنية التي تمكّنك من ذلك. مع مرور الوقت، سيبعث جسدك برسائل إلى عقلك راجيًا منه التوقف، ومن وقت لآخر قد تراودك فكرة الانسحاب. لذلك، التحكم بما تفكر فيه مهم إلى أقصى درجة، فعقلك يفكر في كل شيء من الماضي إلى الحاضر والمستقبل، وعليك أن تتحكم في الحوار الذي يجري داخل عقلك لأن ذلك هو ما سيصنع الفارق في النهاية. ستبقى وحدك لساعات طويلة خلال السباق، لا يُسمح لك بالحديث مع أحد، أو حتى الاستماع إلى الموسيقى، ويتعين عليك أن تكون في قمة تركيزك، وأن تحول الشغف المركّز داخلك إلى وقود تكمل به السباق.”
بهذه الكلمات تصف لولوة المري تجربتها في سباق الرجل الحديدي بمدينة هامبورغ الألمانية في أغسطس 2021، الذي دخلت من بوابته التاريخ حينما أصبحت أول سيدة قطرية تنجح في إتمام سباق من هذا النوع بالغ الصعوبة.
وحينما نصف سباق الرجل الحديدي بأنه سباق بالغ الصعوبة، فإنه كذلك بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ فهو الاختبار الأقسى لقدرة أي رياضي على التحمل والصلابة الذهنية. يبدأ السباق عادةً في الساعات المبكرة من الصباح بالسباحة في المياه المفتوحة لمسافة أربعة كيلومترات، يدخل المتسابقون بعدها مرحلة ركوب الدراجة الهوائية على الطريق لمسافة 180 كيلومترًا. وأخيرًا، تأتي مرحلة الجري التي تمتد لمسافة 42.2 كيلومتر، وهي تعادل مسافة ماراثون أولمبي كامل. تتجاوز مسافة هذه السباقات الثلاثة مجتمعة ما يزيد عن 226 كيلومترًا، ويجب على المشاركين إتمامها خلال فترة لا تزيد عن 16 أو 17 ساعة، في حين يستطيع الرياضيون المحترفون إتمامها فيما يقارب ثماني ساعات.
الطريق نحو الإنجاز
بدأت لولوة ممارسة الرياضة في سن مبكرة، وسرعان ما أصبح ذلك جزءًا أساسيًا من حياتها اليومية. وبعد تجربتها للعديد من الرياضات، وجدت الفتاة الشابة نفسها تولي اهتمامًا أكبر للرياضات التي تنطوي على تحديات غير معتادة، فاختارت بدايةً التركيز على رياضة رفع الأثقال. وعلى الرغم من ثقتها بقدرتها على بناء مسيرة احترافية جادة في هذه الرياضة، حرصت لولوة على متابعة مسيرتها التعليمية لأنها رأت أن احتراف الرياضات الفردية لا يضمن دائمًا آفاقًا مهنية مستقرة على المدى البعيد. وبما أنها كانت شغوفة كذلك بالصحة والرفاهية، قررت أن تترجم شغفها ذلك إلى مسيرة مهنية في مجال الرعاية الصحية من خلال دراسة العلوم الطبية الحيوية. سافرت لولوة إلى بريطانيا للدراسة في جامعة نوتنغهام ترينت، وتخرجت عام 2019 بدرجة البكالوريوس في علوم الطب الحيوي قبل أن تعود إلى قطر وتلتحق بالعمل في مؤسسة حمد الطبية.
لم تتوقف المري خلال تلك السنوات عن التدريب، واستمرت بالتقدم في مسيرتها الرياضية. ولكن نهاية عام 2019 حملت أنباءً غير سارة للعالم أجمع؛ إذ حلت جائحة كورونا، وأغلقت الصالات الرياضية لفترة طويلة ضمن الإجراءات الاحترازية الصارمة التي طبقتها دول العالم أجمع. لم يتسن لها مواصلة التدرب على رياضة رفع الأثقال، فنقلت تركيزها إلى الجري وركوب الدراجات الهوائية نظرًا لأن ممارستهما كانت متاحة بشكل أكبر. وخلال تلك الفترة، نصحها البعض بتجربة رياضة التراياثلون. واجهت الشابة في البداية تحديًا في ذلك لأنها لم تكن تجيد السباحة، لكنها قررت أن تغير ذلك.
تتذكر لولوة تلك الفترة قائلةً: “لم يكن خوض التدريبات سهاً أثناء تلك الأزمة؛ لكني كنت واثقة من قدرتي على تطوير أدائي والتقدم خطوة بخطوة. لم أقس على نفسي ولم أتسرع؛ حيث كانت ممارسة الرياضة قد علمتني مسبقًا أن الفشل ليس نهاية المطاف، وكل مرة أفشل فيها ستعلمني وتفيدني في الوصول إلى هدفي.”
بدأت المري المشاركة في سباقات التراياثلون، ونجحت مع الوقت بإتمام أكثر من سباق من هذا النوع، ما أشعرها أن بإمكانها رفع مستوى التحدي مجددًا، لتتجه أنظارها نحو المسابقة الأصعب، حيث تقول: “كنت دومًا شغوفة بدفع نفسي لأقصى حدودها، واختبار قدرتي على التحديات الرياضية الأصعب. وكان سباق الرجل الحديدي الاختبار الأمثل لقدراتي. ولذلك أصبح حلمًا جديدًا أطارده وأسعى لتحقيقه.”
لم يكن الاستعداد للمشاركة في سباق الرجل الحديدي بالأمر الهين مع التزام لولوة بالعمل لدوام كامل، فالأمر يتطلب تدريبات شاقة منتظمة لعدة أشهر تحت إشراف مدرب متخصص؛ لكن ذلك لم يثنها عن ملاحقة حلمها. قررت لولوة كذلك رفع مستوى التحدي بأن تكون مشاركتها الأولى في إطار سباق هامبورغ، أحد أعرق سباقات الرجل الحديدي في العالم. تحملت الفتاة الشابة تكاليف التدريبات ومشقة السفر والمشاركة في السباق. كانت مصممة على تحقيق هدفها، وقالت: “كنت أسعى لكسر الكثير من الحواجز وتمهيد الطريق لغيري من الفتيات في قطر ليطاردن أحلامهن ويعملن حتى يصبحن النسخة الأفضل من أنفسهن. أردت أن أثبت للأجيال المقبلة أنه لم يعد هناك ما يستحيل على الفتيات والسيدات تحقيقه، وأن أري العالم أن المرأة القطرية قادرة على خوض أصعب التحديات الرياضية.”
في صباح التاسع والعشرين من أغسطس عام 2021، استهلت لولوة مشاركتها التاريخية في سباق هامبورغ، وأكملت المراحل الثلاث وبلغت خط النهاية بأقل من 13 ساعة. وحدثتنا لولوة عن هذه اللحظة قائلةً: “كانت لحظة لا تنسى. لقد حققت حلمي. غمرني شعور لا يوصف بالفخر والإنجاز؛ فكل ما بذلته من جهد وتفانٍ في العمل أتى أخيرًا بثماره. كنت أشعر بضغوط هائلة كوني أول امرأة قطرية تشارك في سباق الرجل الحديدي، وكانت هناك آمال كبيرة معقودة علي، ما أعطاني شعورًا هائلًا بالمسؤولية لرغبتي في تمثيل بلادي بشكل جيد. منحني ذلك الحافز الكافي لكي أواصل التقدم وأبلغ خط النهاية.”
لقي إنجاز لولوة في هامبورغ صدًى واسعًا على المستويين المحلي والدولي، وكُرمت على إثره من قبل الاتحاد القطري للدراجات والتراياثلون، ومن اللجنة الأولمبية القطرية، قبل أن تنضم رسميًا لمنتخب قطر للتراياثلون. كما اختيرت سفيرة لكأس العالم لكرة القدم FIFA قطر 2022TM، ولعلامات تجارية مهمة في عالم الرياضة مثل “ووب.”
أسرار النجاح
إلى جانب مهام عملها وقضاء الوقت مع أسرتها، تتدرب المري يوميًا لساعات تحت إشراف مدربتها؛ فكيف تستطيع تحقيق التوازن السليم بين كل هذه الجوانب المهمة من حياتها؟ ترجع المري ذلك إلى قدرتها على التخطيط الدقيق، وتحديد الأولويات، وإدارة الوقت بكفاءة. كما تؤكد على أهمية دعم عائلتها وأصدقائها لها، وتفهمهم لما تمثله ممارسة الرياضة بالنسبة لها. كما تثمن كذلك دور مدربتها فيما حققته من خلال الدعم والإرشاد، والتخطيط الدقيق للحصص التدريبية التي تتدرج في كثافتها وأوقاتها حسب جدول المشاركات المرتقبة في السباقات على مدار العام.
وتأمل لولوة أن يكون ما حققته مصدر إلهام للأجيال الشابة، وخاصة الفتيات، للسير على خطاها ودخول عالم الرياضة، وتنصحهم بالتالي: “يجب أن تؤمنوا بأن كل شيء في يديكم؛ أنتم من تتحكمون بمصائركم ولا يوجد ما يستحيل عليكم تحقيقه. ابدأوا بتحديد أهدافكم واعملوا بتفان وإخلاص من أجل بلوغها. واجعلوا الرياضة جزءًا أساسيًا من حياتكم اليومية، ليس من أجل النتائج الصحية الإيجابية التي لا بد وستحصدونها مستقبلًا وحسب، بل لأنها سترفع كذلك من قدرتكم على التركيز، وستعلمكم الانضباط والالتزام والمثابرة. كما ستصقل لديكم مهارات مثل إدارة الوقت والعمل الجماعي، ما سينعكس على مختلف جوانب حياتكم الشخصية والمهنية.”
توصي المري كذلك الشباب بالعمل على الاستفادة من اهتمام دولة قطر الكبير بمجال الرياضة، وتوفيرها لإمكانات هائلة وبنية تحتية رياضية ذات مستوى عالمي، وذلك عبر دفع أنفسهم نحو آفاق جديدة في مساعيهم الرياضية، وأن يضعوا نصب أعينهم ترجمة طموحاتهم إلى إنجازات إقليمية وقارية وعالمية.
وعلى الرغم من كل ما حققته، لا تزال الرياضية الشابة تعد نفسها في طور التعلم، وترى أن هناك دومًا مجالًا للتطور والبناء على ما أنجزته لتحقيق نتائج أفضل في المستقبل. كما تطمح للمشاركة في المزيد من السباقات العالمية وتمثيل بلادها في مختلف المحافل الرياضية الدولية.
وتختتم البطلة القطرية حديثها معنا بشكر كل من دعمها وألهمها خلال رحلتها الحافلة، حيث قالت: “أشكر كل من دعمني في رحلتي لأصبح أول امرأة قطرية تنهي سباق الرجل الحديدي. وفي مقدمة هؤلاء بلدي الحبيب لدعمه الدائم لي، وللمجتمع النسائي بشكل عام. لطالما كنت محظوظة بوجود العديد من النماذج الملهمة التي أرشدتني خلال مراحل مختلفة من حياتي شخصيًا ومهنيًا. حاولوا أنتم كذلك أن تجدوا الإلهام في الأشخاص الذين تقابلونهم يوميًا، وإن تعذر عليكم ذلك، ابحثوا عن الإلهام في قرارة أنفسكم.”
نصائح من لولوة المري لكل من يرغب بتطوير نفسه في مجال الرياضة
- مهما بدا هدفك صعب المنال، كل شيء ممكن بالتخطيط السليم والتدريب المستمر. المهم ألا تقف في مكانك وأن تواصل التقدم نحو هدفك ولو بخطوات صغيرة. إذا تطورت بنسبة واحد في المئة كل يوم ستصل إلى هدفك في أقل من أربعة أشهر.
- الاستمرارية والانضباط مفتاح التقدم في أي مجال. لتحقيق أي إنجاز رياضي عليك منح الأولوية للتدريب بانتظام مهما كانت العوائق والظروف. لا تختلق الأعذار لتفوت التدريب حينما لا تكون متحمسًا بما يكفي. من السهل أن تقوم بذلك، ولكن في الحقيقة دفع نفسك للتدريب تحت أي ظرف ومهما كان شعورك أو حالتك المزاجية هو ما يصنع الفارق. أتذكر دومًا مقولة شهيرة تقول: “يتحقق النجاح عندما تصبح أحلامك أكبر من أعذارك”.
- استمتع بالرحلة ولا تقس على نفسك. في بعض الأيام ستكون راضيًا عن أدائك، وفي أيام أخرى لن تؤدي بشكل جيد. خلال رحلتي لم أسمح لأي ضغط بالتأثير علي، وسرت بالوتيرة التي رأيت أني قادرة على تحملها.
- حافظ دومًا على حماسك ولا تنتظر التحفيز من أحد؛ يجب أن تتعلم أن تحفز نفسك. وفي الوقت ذاته لا تسمح لأحد بأن يحد من طموحك أو يثبط عزيمتك، أو أن يضعك داخل قالب محدد.
- من الطبيعي أن تتعرض لانتكاسات في طريقك نحو أهدافك؛ تعلم منها واعمل على تحسين نفسك.
- الحالة الذهنية الإيجابية أهم ما تحتاج لتحقيق أي إنجاز في حياتك. لذلك، احذر مما تغذي به عقلك. وسط آلاف الرسائل التي تتعرض لها يوميًا في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، لا تسمح سوى للمحتوى الإيجابي والبناء بدخول عقلك.
- يجب أن تعلم جيدًا أن الإنجاز في مجال الرياضة لا يتحقق إلا بالعمل الجماعي حتى في الرياضات الفردية. قد يعبر الرياضي خط النهاية بمفرده، ولكنه في الواقع يصطحب معه جهود مدربه وكل من دعمه وألهمه.
سباق الرجل الحديدي هو النسخة الأكثر صعوبة من رياضة التراياثلون الأولمبية، وهي مسابقة ثلاثية كذلك، تشمل السباحة لمسافة 1.5 كيلومتر، وركوب الدراجة الهوائية على الطريق لمسافة 40 كيلومترًا، والجري لمسافة 10 كيلومترات. وعادةً ما ينهي الرياضيون المحترفون هذه السباقات الثلاث خلال ثلاث أو أربع ساعات. للتعرف على رياضة الترايثلون وكيفية ممارستها في دولة قطر، يرجى زيارة الموقع الرسمي للاتحاد القطري للترايثلون من خلال الرابط التالي: https://qatartriathlon.org/ar
ملحوظة
لربما تساءلتم عن سبب تسمية مسابقة الرجل الحديدي بهذا الاسم رغم أنها مفتوحة لمشاركة السيدات. والسبب يكمن ببساطة في أنها علامة تجارية مسجلة للمسابقة التي تعود جذورها إلى نهاية سبعينيات القرن الماضي. ويعتبر الكثيرون تواجد السيدات في هذا السباق ضمانًا لشمولها، وهناك تركيز على منحهن فرصًا متساوية في المشاركة وفي الجوائز المادية.

