تعليق على صدور القانون رقم (12) لسنة 2024 بشأن توطين الوظائف في القطاع الخاص

 

يشهد القطاع الخاص في دولة قطر منعطفًا تاريخيًا مع صدور القانون رقم (12) لسنة 2024 بشأن توطين الوظائف، والذي يأتي كخطوة استراتيجية لتعزيز التنوع الاقتصادي وفتح آفاق مهنية جديدة أمام الشباب عبر زيادة جاذبية القطاع الخاص كوجهة عمل للكوادر الوطنية، وتمكين مؤسساته من استقطابها واستيعابها والمساهمة في بنائها وتطوير مقدراتها.

ويمثل هذا القانون دعوة صريحة لشبابنا للاستفادة من الفرص النوعية التي يقدمها القطاع الخاص، في وقت تتزايد فيه التحديات الاقتصادية العالمية التي تتطلب من الدول تعزيز اقتصاداتها الوطنية عبر بناء قاعدة إنتاجية متنوعة ومستدامة.

ولطالما كان من صلب عمل مركز قطر للتطوير المهني التشجيع على تنويع الكوادر المهتمة بتطوير أنفسها مهنيًا وزيادة حصيلة خبراتهم عبر التوجه إلى العمل بالقطاع الخاص بمختلف تخصصاته وأنماط إنتاجه؛ إذ يحتل القطاع الخاص دورًا أساسيًا في توسيع نطاق جهود التطوير المهني بتقديم فرص تعليمية وتدريبية مبتكرة متعددة التخصصات والتطبيقات.

وتتمتع شركات القطاع الخاص بسهولة تبني أحدث الحلول التقنية والأفكار الإبداعية ما يعد بتوفير ثروة من المعارف الحديثة وتوطينها بالسوق المحلي، وترسيخها لدى الأجيال الشابة، ويعزز القانون الجديد من أهمية هذا التوجه، حيث يوفر للشباب فرصًا أكبر للتطور المهني واكتساب خبرات جديدة ومتنوعة. فالقطاع الخاص يتمتع بمرونة هائلة، سواء من حيث طبيعة السوق، أو المهام، أوفي الانتقال بين الوظائف، وهو ما يمكّن الشباب من تطوير مهاراتهم التقنية والشخصية في بيئة عمل ديناميكية وتنافسية، وتتيح تلك المرونة للعاملين القدرة على التكيف مع المتغيرات السريعة في سوق العمل، وتجعلهم مؤهلين للقيادة في المستقبل.

ويعالج القانون التحديات أمام التحاق الشباب بالقطاع الخاص، والتي أدت إلى تفضيل ما يقرب من 71% من الطلبة وأولياء أمورهم للعمل في القطاع الحكومي وفق دراسة سابقة أجراها مركز قطر للتطوير المهني بهذا الصدد. ومن أبرز هذه التحديات التفاوت في معدلات الرواتب وفي قدرة القطاع الخاص على تحقيق الاستقرار الوظيفي مقارنةً بالقطاع الحكومي. حيث يقارب القانون الجديد هذه الفجوات من خلال توفير حماية قانونية وضمانات وظيفية تعزز من استقرار العاملين وتقدم حوافز مشجعة لهم للانخراط فيه.

ويتماشى القانون رقم (12) لسنة 2024 مع التوصيات التي وضعتها استراتيجية التنمية الوطنية الثالثة فيما يتعلق بتطوير القوى العاملة القطرية، والتي تسعى إلى خلق بيئة عمل محفزة في القطاع الخاص، بما يتيح تحقيق التوازن بين القطاعات المختلفة، وتعزيز روح الابتكار والإبداع لدى الشباب تحديدًا. وهو تحول يضطلع مركز قطر للتطوير المهني بدور محوري في دعمه من خلال تقديم مجموعة من البرامج والمبادرات تهدف إلى رفع مستوى الوعي بالمسارات المهنية المتنوعة، خاصة في القطاع الخاص، عملًا بتوصيات لقاء شركاء التطوير المهني للعام 2022، والذي نظمه المركز بالشراكة مع وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي ومنظمة العمل الدولية وبالتعاون والتنسيق الوثيق مع شركائه الاستراتيجيين لتنظيم جهود التطوير المهني على مستوى الدولة والمجتمع وسوق العمل.

وبدخول هذا القانون حيز التنفيذ، يغدو من الضروري النظر إلى التحديات والفرص المقبلة على حد سواء. فبينما يُعد القانون خطوة مهمة نحو التنويع الاقتصادي وتأهيل الكوادر العاملة الوطنية؛ لكن تظل هناك تساؤلات ملحة حول كيفية البناء على هذه الجهود وتعزيز العقلية المرتبطة بالوعي المهني لدى الشباب في دولة قطر، وكيفية استثمار هذه الإنجازات التشريعية وترجمتها ضمن منظومة متكاملة تقود جهود بناء رأس المال البشري في دولة قطر منذ التعليم المبكر، وحتى التخرج والالتحاق بسوق العمل.

كما يجب ألا تتوقف الجهود عند هذه الخطوة، بل أن نسأل أنفسنا عن الخطوات التالية التي يجب اتخاذها لضمان نجاح هذه المبادرة، وسبل التأكد من أن الشباب القطري قادرٌ على تلبية متطلبات السوق؛ بل ويتفوق مستقبلًا ويتولى الريادة في تطوير مجالات أخرى واستثمار الفرص المبتكرة. هذه الأسئلة وغيرها تمثل محاور رئيسية ستشكل مستقبل التوظيف في القطاع الخاص وفي سوق العمل القطري ككل، وسيكون من الضروري مواصلة التخطيط والعمل الجماعي لتحقيق هذه الأهداف.