مقال رأي بمناسبة اليوم الدولي للتعليم 2026

د. تاج السر كردمان
الإرشاد المهني: من الاجتهاد إلى المعيار
في اليوم الدولي للتعليم، لا نحتفي بالتعليم بوصفه مسارًا مؤقتًا تؤطره صفوف الدراسة وينتهي يوم التخرّج، بل بوصفه رافعةً لا غنى عنها في التنمية، والتنمية بدورها حاضنةٌ طبيعية للتعليم. وفي سياق دولة قطر، لا يُعد التعليم قطاعًا قائمًا بذاته فحسب، رغم ما حققه من تقدم هائل، بل هو جوهر مشروع وطني أشمل يرفد التنمية بالكفاءات والمهارات والقيم اللازمة، في حين تتولى التنمية بمؤسساتها واقتصادها وخططها إعادة تشكيل أولويات التعليم ومضامينه بما يستجيب لحاجات المجتمع وسوق العمل، ويستشرف تحولات المستقبل. إنها علاقة تبادلية تكاملية تتجلى في الحيز البيني لكل أوجه التنمية وركائز رؤية قطر الوطنية 2030: فبقدر ما ترتقي جودة التعليم يرتفع مردود التنمية، وكلما تقدمت مسارات التنمية ازدادت الحاجة إلى تعليمٍ أكثر ملاءمةً ومرونةً وعمقًا. ومن هنا نفهم لماذا يحتل التعليم موقعًا محوريًا في مسار التنمية المستدامة في الدولة ومشروع التنويع الاقتصادي، ولماذا يأتي شعار هذا العام: “قوة الشباب في بناء مستقبل التعليم” بوصفه دعوةً للتحول من التلقي إلى المشاركة، ومن الاستهلاك المعرفي إلى صناعة الأثر.
وفي قلب هذه العلاقة التبادلية، يبرز التطوير المهني باعتباره حلقة الوصل تتقن ترجمة التطلعات وتيسّر التفاهم بين عالمي التعليم والتنمية. فالتعليم بوصفه منبعًا للمعارف والكفاءات يحتاج إلى رؤي تنموية توجه هذه المخرجات نحو مسارات واضحة وأهداف قابلة للتحقيق؛ أي بمعنىً آخر، التطوير المهني هو ما يمنح الطالب القدرة على ربط ما يتعلمه بما سيكون عليه في المستقبل. ولا يقتصر ذلك على القرارات المصيرية مثل اختيار التخصص أو الالتحاق بعمل معين فحسب، بل يمتد لبناء فهمٍ تدريجي للذات وللعالم المهني، والميول والقيم والقدرات، والفرص والمتطلبات، ومهارات الانتقال والتكيف. كما يُعزز جودة قراراته الأكاديمية، ويعطيه الدافع الذي يحتاجه لمواصلة التعلم على شكل معنىً وطموح وغاية؛ ويمكّنه من المواءمة بين ميوله الشخصية وما يحتاجه سوق العمل بقطاعاته المختلفة من التخصصات، ما يُسهم في الحد من التخبط والتحويل العشوائي للمسارات المهنية، ويدعم الانتقال السلس من مقاعد الدراسة إلى ميادين العمل. وبهذه الآليات العملية، يصبح التعليم أكثر جدوى، وتصبح التنمية أكثر استدامة.
ومن هذا المنطلق، يحرص مركز قطر للتطوير المهني، من إنشاء مؤسسة قطر، على تعزيز هذا الرابط وتحويله إلى واقع ملموس. إذ ننظر إلى التوجيه والتطوير المهني بوصفه مكوّنًا أصيلًا من جودة التجربة التعليمية، لا خدمةً هامشية أو مبادرةً موسمية. وتأتي برامجنا، وفي مقدمتها تجارب التدريب العملي والتفاعلي والمعايشة المهنية التي نقدمها مثل برامج “القرية المهنية” و”مهنتي – مستقبلي” و”الموظف الصغير” الموجهة للشباب من مختلف المراحل العمرية، لتفتح أمام الطلبة نافذةً على بيئات العمل الواقعية؛ ليتعلموا كيف يُبنى المسار المهني يومًا بيوم، ويستوعبوا المهارات الشخصية والسلوكية التي تصنع الفارق، وكيف تتحول المعرفة المدرسية إلى مهارات قابلة للتطبيق. وبهذه الخبرات، تترسخ قدرات الشباب حين يمتلكون أدوات فهم الذات، ومهارات التخطيط، والقدرة على اتخاذ القرار المستنير الواثق والقائم على التجربةٍ لا التخمين.
بيد أن بناء هذه الحلقة بين التعليم والتنمية لا تكتمل بالتدخلات والبرامج التي تستهدف الطلبة وحدهم؛ إذ يبقى عنصر الحسم فيها هو احترافية الممارسة في مجال الإرشاد المهني، بوصفه حقلًا علميًا وتربويًا متكاملًا قائمًا على نظريات راسخة وتطبيقات مثبتة. فهو تخصص تتداخل فيه علوم التربية ونفس والنمو، مع مهارات التقييم والتخطيط واستقراء توجهات سوق العمل الحالية والمستقبلية. وحين تُترك هذه الممارسة للاجتهادات الفردية أو تتباين أدواتها من مدرسة إلى أخرى، تظهر فجوات في الجودة والمعايير، ويغلب الوعظ على الإرشاد المنهجي، ويتحول التوجيه إلى نصيحةٍ عابرة بدلًا من أن يكون عملية نموٍّ وتعلّمٍ ممتدة ومنظمة. لذلك، فإن تحسين التفاعل بين التعليم والتنمية يستلزم مسارًا مؤسسيًا يضمن كفاءة من يقودون هذه العملية داخل المنظومة التعليمية.

وتجسيدًا لهذا التوجه، أطلقنا مؤخرًا دبلوم الدراسات العليا في الإرشاد والتطوير المهني، بترخيص من وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وبالتعاون مع كلية المجتمع في قطر ومجموعة “إيديوكلاستر فنلندا” الرائدة في مجال التعليم والتطوير المهني؛ ليكون مسارًا تطبيقيًا ينطلق من خصوصية واقع دولة قطر ويستند في الوقت ذاته إلى أفضل الممارسات العالمية القائمة على الأدلة. ويأتي هذا الدبلوم استجابةً لحاجةٍ واقعية طالما لمسناها في الميدان، وهي الانتقال من الجهود المتفرقة في الإرشاد إلى ممارسةٍ مهنية موحّدة المعايير، واضحة الأدوات، وقابلة للقياس والتحسين. وما يميز هذه الخطوة هو ريادة هذا البرنامج على مستوى المنطقة والعالم، لا فقط دولة قطر، إذ يُقدم هذا التخصص بالكامل باللغة العربية لغةً للعلم والممارسة؛ مما يفتح الباب لتوطين المعرفة وإثراء المحتوى العربي العلمي في مجال الإرشاد والتطوير المهني، ويجعل الممارسة أقرب إلى الميدان وأقدر على مخاطبة احتياجات الطلبة والأسر والممارسين بلغةٍ مهنية دقيقة.
ويستقي برنامج الدبلوم معاييره من الإطار الوطني للمؤهلات في دولة قطر، إذ يقدم نحو ثلاثين ساعة معتمدة تُترجم إلى أكثر من ألف وخمسمائة ساعة تعلم تجمع بين التأصيل النظري، والتدريب التطبيقي، وأنشطة التعلم الفردي والجماعي، والممارسة الميدانية. كما يتيح للمتقدمين التخصص ضمن ثلاثة مسارات يخدم كل منها بيئات مختلفة هي: تخصص الإرشاد في المدارس من رياض الأطفال وحتى التعليم الثانوي، وتخصص الإرشاد في مرحلة التعليم العالي، وتخصص الإرشاد في بيئات العمل والمؤسسات.
وبذلك يشكل برنامج الدبلوم خطوة تأسيسية لرفع سقف احترافية المهنة وتوحيد مفاهيمها وأدواتها، وبناء كفاءات وطنية متخصصة في الإرشاد المهني تضمن اتساق جودة الخدمات وتعزز أثرها عبر المنظومة التعليمية ومواقع العمل، في سياقٍ نهدف من خلاله إلى وضع اللبنة الأساسية في منظومة وطنية متكاملة للتطوير المهني تنسق الجهود بين قطاع التعليم وشركائه. كما يجسد الدبلوم نهج الشراكة بين الخبرة الوطنية والبعد الدولي في إنتاج أثرٍ تراكمي مستدام: ممارسون أكثر احترافًا، وخدمات أكثر اتساقًا، وقرارات أكاديمية ومهنية أكثر رُشدًا ونضوجًا، وربطٌ أوثق بين التعليم والعمل.
وختامًا، إن أردنا لشعار “قوة الشباب في بناء مستقبل التعليم” أن يتجاوز كونه شعارًا ليصبح واقعًا يمتلك فيه شبابنا زمام مستقبلهم، فإن الكوادر التي تقف إلى جانبهم في المدارس والجامعات وبيئات العمل هي حجز الزاوية وجزءٌ لا يتجزأ من رحلة التمكين هذه. إنهم يستحقون منا أن نقدم لهم منظومة إرشاد مهني حديثة واحترافية تعينهم على تحويل الطموح إلى مسار، والموهبة إلى مهارة، والاختيار العفوي إلى قرارٍ مستنير.
