هل يهدد الذكاء الاصطناعي التوليدي مجال التصميم الجرافيكي؟

الدكتورة آستريد كينسينجر

رئيس قسم التصميم الجرافيكي في جامعة فرجينيا كومنولث كلية فنون التصميم في قطر

لا يمكن الحديث عن ثورة الذكاء الاصطناعي التوليدي دون تسليط الضوء على خدمات إنشاء الصور التي خطفت الأضواء بشكل لافت. فقد أصبح بإمكان أي شخص تصميم صور عالية الجودة لأي فكرة في خياله خلال ثوانٍ أو دقائق معدودة. كل ما عليه هو دخول أحد مواقع إنشاء الصور عبر الذكاء الاصطناعي مثل ميدجورني (Midjourney) أو دال إي (Dall-E) ووصف ما يريد أن يراه في الصورة من خلال “أوامر نصية” (Prompt) ليحصل على مبتغاه. لم يتوقف الأمر عند ذلك، فقد تطورت هذه المواقع سريعًا وأتاحت الكثير منها مميزات إضافية مبتكرة كان من أهمها إمكانية تغذيتها بصور خاصة بالمستخدم يمكن للذكاء الاصطناعي البناء على العناصر الموجودة فيها. أحدث كل ذلك ضجة واسعة وتحدث الكثيرون عن وجود تهديد لمجالات إبداعية مثل الفن والتصميم الجرافيكي.

حرصت مجلة “دليلك المهني” على مناقشة هذه المخاوف مع الدكتورة آستريد كينسينجر، رئيس قسم التصميم الجرافيكي في جامعة فرجينيا كومنولث كلية فنون التصميم في قطر.

كانت جامعة فرجينيا كومنولث كلية فنون التصميم في قطر أول جامعة أمريكية تفتتح أبوابها في المدينة التعليمية بمؤسسة قطر، وذلك في عام 1998. وقد أثْرت سوق العمل القطري خلال العقد الأخير بمواهب عديدة في تخصصات مثل الرسم والتصميم الجرافيكي والديكور الداخلي والطباعة. وتتعاون الجامعة بشكل وثيق مع كلية فنون التصميم في فرع الجامعة الرئيسي بمدينة ريتشموند في ولاية فرجينيا الأمريكية، وذلك من خلال برامج التبادل الدراسي والدورات المشتركة والمؤتمرات وبرامج الفعاليات والأبحاث الفنية.

لا تشعر الدكتورة كينسينجر بأي قلق على مجال التصميم الجرافيكي من مثل هذه المنصات، وترى أن السبب الرئيسي لهذا التخوف هو سوء فهم البعض للفارق بين بناء قطعة فنية وما يقوم به مصمم الجرافيك، حيث تقول: “ربما تكون برامج الذكاء الاصطناعي المولدة للصور قد أثبتت قدرتها على إنشاء محتوى مثير للاهتمام بصريًا، لكنها ليست قادرة بعد على القيام بعمل مصممي الجرافيك. ما تنتجه مثل تلك المنصات يمكن أن يندرج تحت مجال الفن أو الرسم التوضيحي، وليس بأي حال من الأحوال التصميم الجرافيكي، لأن الأخير مجال أوسع بكثير ويشمل أبعادًا مختلفة، بما في ذلك التصميم ثنائي الأبعاد وثلاثي الأبعاد ورباعي الأبعاد. هناك كذلك مفاهيم خاصة بالتصميم الجرافيكي مثل التصميم المكاني وتصميم المسارات داخل المساحات والتمثيل البصري للمعلومات وتصميم المعارض. مصممو الجرافيك خبراء في التواصل البصري يتمتعون بمجموعة من المهارات والمسؤوليات التي تجعل دورهم أوسع مقارنة بالفنانين”.

ويتمحور منهج التصميم الجرافيكي في الجامعة حول أربع ركائز أساسية هي التعاون والبحث والوعي الثقافي والجانب العملي. والأخير ذو أهمية بالغة في عملية التعلم، حيث تشجع الكلية طلبتها على العمل اليدوي وإجراء التجارب، لما في ذلك من فائدة تعود على تنمية قدراتهم الإبداعية. بكل تأكيد يستخدم الطلبة أجهزة الحاسوب للقيام بعملهم، لكن يتوقع منهم كذلك إنتاج أعمال يدوية. قد يحتاجون للعمل في ورشة النجارة، لينتقلوا بعدها للمختبر الصناعي. ويترتب عليهم استخدام أدوات مثل المثاقب الكهربائية، والتعامل مع الطابعات ثلاثية الأبعاد، وكل تلك العناصر ما زالت بعيدة عن مجال تأثير الذكاء الاصطناعي. يغرس هذا النهج العملي الملموس توازنًا دقيقًا بين التقاليد والابتكار في مجال التعليم الإبداعي.

وعن ذلك تقول الدكتورة كينسينجر: “على الرغم من أن الذكاء الاصطناعي قد يكون أحرز تقدمًا في العديد من المجالات، إلا أنه لم يضاه بعد القدرة البشرية على خلق تجارب غنية وقادرة على غمر حواس مثل اللمس والتذوق والشم. يعمل مصممو الجرافيك بأيديهم ويعتمدون على الفهم العميق للجانب المادي لبناء تصميمات ذات معنى. إنه جانب بشري بامتياز وفي غاية الأهمية بمجال التصميم الجرافيكي. الجانب البشري ضروري كذلك للقيام بمهام مثل التعاون وفهم مشاكل التصميم المعقدة، وفهم احتياجات العملاء، وتقديم الحلول البصرية لهم”.

من الممكن اعتبار تنمية الوعي الثقافي لدى طلبة التصميم الجرافيكي نقطة أخرى بالغة الأهمية عند الحديث عما يقوم الذكاء الاصطناعي بإنتاجه من أعمال. فعمل مصمم الجرافيك غالبًا ما يتعلق بالسرد الشخصي أو السياق المحلي، والذكاء الاصطناعي لم ينجح بعد في مضاهاة ذلك. على سبيل المثال، هناك انتقادات عديدة لما تنتجه منصات توليد الصور بسبب افتقاره للشمولية والتنوع. معظم الصور تبدو نموذجية، خاصة فيما يتعلق مثلًا بمعايير الجمال لدى المرأة. والأمر طبيعي لأن ما يتم إنتاجه في النهاية هو إعادة مزج لما لدى نظام الذكاء الاصطناعي من بيانات تم تدريبه عليها. وهناك نقص مثلًا في المواد الرقمية التي تمثل الثقافة العربية، وبالتالي فمعظم ما تدرب عليه يمثل ثقافات أخرى، وما سينتجه سيعكس هذا النقص.

تعلم الدكتور كينسينجر جيدًا أن ما نراه الآن ربما يكون فقط البداية، وأن الذكاء الاصطناعي لربما يؤثر بشكل أو بآخر على هذا المجال، لكنها رغم ذلك واثقة من قدرة المجال على تخطي أي تحديات، وتوضح: “مجال التصميم الجرافيكي أثبت عبر التاريخ قدرته على التكيف والتطور مع مرور الزمن. التصميم الجرافيكي موجود منذ قرون. انظر إلى التحولات التاريخية الكبرى التي مر بها، مثل الانتقال من الكتابة اليدوية إلى الطباعة. اختفت بعض الوظائف، لكن في المقابل ظهرت وظائف جديدة”.

على الرغم من كل ذلك، ترى الدكتورة كينسينجر أن تأثير الذكاء الاصطناعي على المجال قادم لا محالة، لكن تأثيره الأهم سيكون تغيير بعض الأدوار الوظيفية لمصممي الجرافيك، وتسريع القيام ببعض العمليات أو المهام، لذلك سيكون على مصممي الجرافيك التعرف عليه على أقل تقدير. بناءً على ذلك، فقد حرصت الدكتورة كينسينجر على مساعدة طلبتها على التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي الجديدة واستكشاف سبل الاستفادة منها لتطوير مهاراتهم والقيام بعملهم دون التأثير على عملية تعلمهم وقدراتهم الإبداعية. على سبيل المثال، شارك الطلبة في مشاريع تطلبت منهم مزج الأعمال التي أنشأوها من خلال منصة “ميدجورني” بمعرفتهم وخبراتهم في التصميم الجرافيكي، وكانت النتائج رائعة جدًا.

ترى الدكتورة كينسينجر أن الذكاء الاصطناعي المولد للصور يمكن أن يصبح أداة فاعلة إضافية ضمن أدوات الإبداع لدى مصممي الجرافيك، لكن عليهم الأخذ بعين الاعتبار أنها لن تنتج بالضبط ما هو موجود داخل مخيلتهم، بغض النظر عن مدى براعتهم في كتابة الأوامر النصية أو تحقيق نتائج بصرية فريدة من خلال تلك الأدوات، لأنها ستفتقد دائمًا لعنصر الإبداع البشري. وعن ذلك تقول: “في نهاية المطاف، ما يُولد من صور هو نتيجة لاستجابة البيانات الضخمة لكلماتك ومدخلاتك النصية. ستفتقد النتيجة النهائية لإبداعك الذي سيظل جزءًا أساسيًا في مسيرة أي مصمم جرافيك”.

تضيف خبيرة التصميم الجرافيكي: “إن إحدى جماليات الإبداع هو التجريب، وفي أحيان كثيرة ينتج الإبداع بسبب خطأ ما يقودك فجأة إلى رؤية شيء بطريقة مختلفة، وبالتالي بناء تصور جديد للعمل الذي تقوم به. لا يمكن أن يحدث ذلك للذكاء الاصطناعي لأنه يعتمد على ما هو موجود بالفعل في قاعدة بيانات لأعمال موجودة بالفعل وموثقة”.

في ختام المقابلة حرصت الدكتورة كينسينجر على توجيه النصائح الإضافية التالية لكل من يرغب في بناء مسيرة مهنية ناجحة كمصمم جرافيك: “استكشف ما يمكن تحقيقه باستخدام هذه الأدوات وكن بارعًا في استخدامها، لكن تأكد من فهم حدودها. يمكنك على سبيل المثال استخدامها لاقتراح مجموعة من الاتجاهات التي يمكن استكشافها، وتسريع بعض عمليات التصميم، ما سيسمح لك بالتركيز على أن تصبح أكثر إبداعًا. ومن المهم كذلك الحرص على الابتعاد من وقت لآخر عن العالم الرقمي لتتواصل مع الطبيعة. إنه أمر بالغ الأهمية في تنمية قدراتك الإبداعية. إذا قمت بإيقاف تشغيل جهاز الحاسوب والهاتف المحمول الخاص بك، ستلاحظ أن وتيرة تقدم الطبيعة لم تتغير كثيرًا مقارنة مع سرعة تطور العالم الرقمي”.