نبض المدينة

عبد الرحمن المانع

الشاب القطري الذي يسعى لتسليط الضوء على أهمية التخطيط العمراني

عندما يحين وقت اختيار المسار المهني، يميل قطاع واسع من الطلبة القطريين إلى المسارات المألوفة، مثل: الطب، والهندسة، وإدارة الأعمال، والتربية، والمجالات العسكرية والأمنية. وتتراوح دوافعهم في ذلك بين المكانة الاجتماعية، وتأثير الأسرة، والشعور بالأمان الوظيفي، مع محدودية الوعي ببدائل واعدة في سوق العمل. ومع ذلك، تظهر بين الفينة والأخرى قصص شباب خاضوا طرقًا غير تقليدية ونجحوا فيها.

في النسخة الثانية من قمة “إرثنا” في مشيرب قلب الدوحة، التقينا عبد الرحمن حمد المانع، أحد أبرز الأصوات الشابة في التخطيط العمراني، وقد بات خلال السنوات الأخيرة وجهًا معروفًا في هذا الحقل وسفيرًا لأهميته. كان عنوان الجلسة التي أدارها المانع: “جاهزية المدن للمستقبل: ذكية ومستدامة وقابلة للعيش”، وكان جليًا للحضور شغفه وهو يحاور ضيوفه حول ترميم الصلة بين الطبيعة والمدينة. في السطور التالية، نتعرف على مسيرته، ونرى المدينة بعينه، ونصغي إلى طموحه لوضع هذا المجال المهني في مكانته المستحقة.

اكتشاف الشغف

 ترعرع المانع وهو يتابع الطفرة العمرانية التي شهدتها دولة قطر خلال العقدين الماضيين؛ طفلٌ فضولي يراقب الصحراء وهي تتحول لأحياء ومشروعات نابضة بالحياة. راح يتساءل مبكرًا: من يرسم ملامح المدن؟ وكيف نحافظ على هويتنا وسط هذا التطور السريع؟ على الرغم من تلك التساؤلات، لم يكن ميالًا خلال المرحلة الثانوية إلى الهندسة والعمارة بالمعنى التقليدي، إلى أن شاهد في حصة الجغرافيا وثائقيًا عن إعادة الاستخدام المتكيف للمباني

القديمة لغير الغرض الأصلي الذي بنيت من أجله في نيويورك، ليمسك من خلاله أطراف خيوط التخطيط العمراني، ليقرأ ويبحث، وتنعقد الصلة: “وجدتها، هذا مجالي”.

في البداية، كان لدى والديه بعض التحفظات لغرابة التخصص محليًا، إلا أنه قال: “كانت مخاوفهم مفهومة. أرادوا لي مسارًا مستقرًا وواضح المعالم. لكن مع الوقت، حينما لاحظوا شغفي العميق بالمجال، واهتمامي الحقيقي بالمدن والمجتمعات، وإيماني بأن التخطيط العمراني هو أداة فاعلة لخدمة الناس وتحسين جودة حياتهم، تحول هذا التحفظ إلى دعم كامل. وقفوا بجانبي في كل خطوة، وكانوا أول من احتفل بكل إنجاز أكاديمي ومهني حققته”.

رؤية تتبلور

عام 2016، تخرج المانع في مدرسة “أكاديمية قطر – الدوحة”، ثم التحق بكلية الفنون والعمارة والتخطيط في جامعة “كورنيل” بالولايات المتحدة، حيث نال درجة البكالوريوس في الدراسات الحضرية والإقليمية، مع تخصص فرعي في الدراسات الشرق أوسطية. صاغ تكوينه الأكاديمي فهمًا متكاملًا للعلاقة بين المكان والمجتمع، ورسخ رؤيته لمهنة التخطيط أداةً للتنمية الشاملة، حيث أوضح: “وجدت في التخطيط العمراني مزيجًا جميلًا بين الدراسات الاجتماعية والاقتصادية، والرؤية التصميمية والهندسية. لقد منحني مدخلًا لفهم المدينة بوصفها كائنًا حيًا يتفاعل فيه الإنسان والمكان”.

وأضاف: “تعلمت أن المخطط نقطة البداية في عملية تطوير المدن والأحياء. فهو يضع الإطار العام الذي يعمل المهندس المدني، والإنشائي، والمعماري، وبقية التخصصات في إطاره، وهو يحدد ماذا يُبنى، وأين ولماذا. كل ذلك جعلني أؤمن بأن التخطيط ليس مجرد مهنة، بل مسؤولية تجاه المجتمع والمكان”.

بعد عودته إلى قطر، التحق بوزارة البلدية مخططًا عمرانيًا، فعمل أربع سنوات على تحديث مخططات تقسيم المناطق واستخدامات الأراضي، ومراجعة المخططات العامة للمشروعات الكبرى، وتحديث الاشتراطات التصميمية والتخطيطية. ثم تولى رئاسة “وحدة المخططات المكانية” المشرفة على المخططات الهيكلية والمشروعات الكبرى على مستوى البلديات كافة.

أبرز التحديات التي واجهته حينها كانت ندرة المخططين القطريين الشباب، وقلة الاختصاص داخل مؤسسات الدولة، ما خلق فجوةً في “اللغة المشتركة” بين التخطيط والتنفيذ على حد وصفه، إذ قال: “أضعف ذلك حضور الرؤية الوطنية المتكاملة في بعض جوانب المشروعات. ووجدت نفسي في كثير من الأحيان ضمن عدد قليل من المتخصصين في بيئة تتطلب التنسيق مع مهندسين واستشاريين وصناع قرار من خلفيات مهنية مختلفة”.

لم يكن تجاوز هذا التحدي سهلًا؛ لكنه نجح في ذلك بتعزيز مهاراته في التفاوض والتنسيق، والمبادرة بطرح مقترحات عملية تستند إلى البيانات والممارسات الدولية، مع حرصه على مواءمتها مع السياق المحلي. تحمل المانع مسؤوليات تتجاوز الوصف الوظيفي لعمله، ودأب على تشجيع وتمكين الكفاءات الشابة من الانضمام إلى المجال وإثرائه محليًا على المدى البعيد.

إنجاز يُعتدّ به

عمل المانع خلال مسيرته على مشروعات عديدة، لكل منها مكانة خاصة لديه، ولكنه يعتز على نحو خاص برئاسته فريق إعداد ملف ترشح الدوحة لجائزة شنغهاي للمدن المستدامة التي ينظمها برنامج المستوطنات البشرية التابع للأمم المتحدة، المعروف باسم “موئل الأمم المتحدة”، بالتعاون مع بلدية شنغهاي.

تحدث ضيفنا عن تلك التجربة، قائلًا: “عملنا على إعداد ملف متكامل يُبرز جهود الدوحة في الاستدامة الحضرية من خلال رصد وتحليل المبادرات التخطيطية والبيئية والاجتماعية وتقديمها بلغة تفهمها المدن العالمية، دون أن نفقد هويتنا المحلية. تطلب الأمر تنسيقًا دقيقًا بين جهات متعددة وتحليلًا عميقًا للمؤشرات العمرانية والبيئية في وقت ضئيل. وبفضل جهود الفريق، فازت الدوحة بالجائزة في دورتها الثانية”.

وأضاف: “كانت لحظة فخر كبيرة أن أُكلف بتمثيل الوزارة والدولة رسميًا في حفل التكريم الدولي، وتسلم الجائزة باسم مدينة الدوحة. لم يكن هذا الإنجاز تتويجًا لجهودنا وحسب، بل شهادة على المكانة التي باتت تحظى بها دولة قطر في مجال التخطيط الحضري المستدام على المستوى العالمي”.

مستقبل واعد

عُين المانع مؤخرًا رئيسًا لوحدة الرؤى والسياسات التخطيطية المعنية بصياغة الاستراتيجيات الوطنية لقطاع التخطيط العمراني وتحديثها. يأمل المخطط العمراني المجتهد أن تكون مسيرته المهنية مصدر إلهام للمزيد من الشباب ليستكشفوا مجال التخطيط العمراني ويسعوا لبناء مسيرة مهنية فيه، لأنه من المجالات التي تمتلك آفاقًا واعدة في دولة قطر بحكم دوره المحوري في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، ولا سيما في ظل توسع المشروعات الكبرى وتنامي الاهتمام بالتوازن بين النمو الاقتصادي، والحفاظ على البيئة، وتحسين جودة الحياة.

وفرص العمل في هذا المجال لا تقتصر على وزارة البلدية بقطاعاتها المختلفة، فثمة مؤسسات حكومية أخرى بحاجة إلى متخصصين يمتلكون مستوى عالٍ من الثقافة الحضرية، مثل متاحف قطر التي تتعامل مع التراث المعماري في بيئات حضرية وقروية، ووزارة المواصلات التي تعمل على تطوير أنظمة نقل متكاملة، والمجلس الوطني للتخطيط الذي يقود السياسات التنموية على المستوى الوطني. كما أن هناك فرصًا على مستوى القطاع الخاص، لأن العديد من المكاتب الاستشارية تقدم خدمات التخطيط، وتشارك في تصميم وتنفيذ مشروعات التطوير على مختلف المستويات.

وأضاف المانع: “مع تزايد الحاجة إلى كفاءات تخطيطية وطنية، بات من الضروري الاستثمار في إعداد وتمكين جيل جديد من المخططين القادرين على قيادة مستقبل المدن القطرية. أتمنى الإسهام في بناء جيل جديد من المخططين القطريين والمشاركة في تهيئة بيئة تمكّنهم من التعبير عن رؤاهم والعمل بشغف على تطوير مدنهم، بما يعكس تطلعات المجتمع وقيمه وهويته”.

أكثر من مجرد خرائط

التخطيط ليس رسمًا أو تقارير وحسب؛ إنه تحليل متشابك لعلومٍ متعددة: الاجتماع، والاقتصاد، والجغرافيا، والجيولوجيا، والبيئة، والتاريخ، والعمارة، والهندسة. وينصح المانع الراغبين بخوضه بالتالي: “كن فضوليًا ونشطًا ومبادرًا. لا تكتفِ بما يدرس في القاعة الدراسية، بل شارك في المؤتمرات المحلية والدولية، وكن جزءًا من الحوارات التي تُشكّل مستقبل المدن. احرص على الحضور وتدوين الملاحظات والمشاركة. استفد من منصات التواصل الاجتماعي في التعبير عن آرائك وتسليط الضوء على القضايا الحضرية التي تؤثر علينا في دولة قطر، سواء كانت مرتبطة بالنقل أو البيئة أو جودة الحياة”.

الذكاء الاصطناعي شريك لا بديل

مع تصاعد أثر الذكاء الاصطناعي في عالم العمل، يتردّد في أذهاننا جميعًا سؤال مهم: هل يمكن له أن يؤدي لاختفاء المهن التي نختارها فيما يتعلق بالتخطيط العمراني؟ الرد جاء قاطعًا من ضيفنا: “مع تعقّد المدن واتساع نطاق البيانات المتاحة، بات المخططون العمرانيون يستفيدون من أدوات الذكاء الاصطناعي لاتخاذ قرارات مستنيرة وأذكى؛ لكن رغم الإمكانات الهائلة للذكاء الاصطناعي، لا يمكن له أن يستبدل وظيفة المخطط العمراني. فالتخطيط ليس مجرد تحليل بيانات أو محاكاة رقمية، بل عملية إنسانية تتطلب فهمًا للسياق الاجتماعي والثقافي، وحسًا بالعدالة، وقدرة على الموازنة بين المصالح المتضاربة”. واستطرد بالقول: “تظل أدوات الذكاء الاصطناعي بحاجة دائمة إلى تدخل بشري واعٍ يوجهها لخدمة الناس، وليس الأنظمة فقط، ويضمن في الوقت ذاته أن تبقى المدينة مساحة عادلة وشاملة للجميع”.

يأمل المانع أن يكون صوتًا قياديًا لمهنة التخطيط العمراني في دولة قطر، وأن يُسهم في بناء الوعي المجتمعي والمؤسسي بأهميتها ودورها، وأن يرسّخ مكانة التخطيط جنبًا إلى جنب مع الهندسة، لما له من أثر مباشر على جودة الحياة وتوجيه التنمية، إذ قال: “أريد أن أُرسّخ في أذهان صناع القرار والمجتمع أن مخططي المدن ليسوا مجرد فنيين خلف الكواليس، بل هم موارد بشرية وطنية أساسية، نحتاجها لفهم وحل ما يمكن تسميته بـ “أمراضنا الحضرية”، من ضعف الترابط بين الأحياء، إلى مشاكل النقل، وانعدام الهوية في بعض المشروعات. أطمح إلى أن أرى المخطط العمراني في قطر يحظى بالاعتراف المهني والاعتباري الذي يوازي أهمية ما يقدمه من عمل، وأن يكون حاضرًا على طاولة القرار، لا في مرحلة التنفيذ فقط”.

الرحلة مستمرة

يفخر ضيفنا الشاب بما حققه حتى الآن في مسيرته، ولكنه يرى أن الطريق ما زال طويلًا، فهناك الكثير مما يسعى لتحقيقه. واختتم حديثه معنا بالقول: “منحتني هذه الرحلة فرصة للمساهمة في صياغة ملامح المدينة القطرية الحديثة، وتحقيق التوازن بين النمو العمراني والحفاظ على هوية المكان. المدينة ليست مجرد مبانٍ وشوارع، بل تعبير عن القيم والرؤية التي نحملها كمجتمع، ودوري كمخطط هو أن أجمع بين دفتي الرؤية والهندسة في الوقت ذاته”.

معلومة

ما هي الثقافة الحضرية؟

هي قدرتك على فهم مدينتك والتعامل الذكي معها، ويشمل ذلك معرفة الخدمات الحكومية والبلدية والوصول إليها حضوريًا ورقميًا، مثل استخراج تصريح أو الإبلاغ عن مشكلة في الحي.

وهي كذلك فهمك للفضاء العام، وكيف تُستخدم الشوارع والساحات والمرافق ولماذا صُمّمت كذلك، والتصرّف فيها بأمان واحترام. أضف إلى ذلك وعيك بحقوقك ومسؤولياتك، ومشاركتك في تحسين منطقتك وحماية البيئة وجودة الحياة للجميع.