منظومة ريادة الأعمال في دولة قطر
خاضت دولة قطر على مدى العقدين الماضيين تطورًا ملحوظًا على جميع الأصعدة، مدفوعًا بخطط التنمية الطموحة التي ركزت على الاستثمار في المجالات الاستراتيجية مثل التعليم والبحث العلمي والرعاية الصحية والبنية التحتية والثقافة والرياضة. ويأتي هذا في إطار سعي البلاد لتحقيق الركائز الأربع التي تشكل رؤيتها الوطنية لعام 2030 التي تهدف إلى بناء اقتصاد قائم على المعرفة. ومن المتعارف عليه أن ريادة الأعمال تلعب دورًا مهمًا في بناء اقتصاد قوي قائم على الابتكار والإبداع، ولذلك استثمرت قطر بشكل كبير في تطوير منظومة ريادة أعمال مستدامة. لكن على الرغم من التحسينات التي تم إدخالها على المنظومات التشريعية والقانونية المنظمة للمجال، والتي أدت إلى نمو ملحوظ به وظهور العديد من المشروعات الناجحة القائمة على التكنولوجيا، لا يزال هذا القطاع يواجه العديد من التحديات. وفي السنوات الأخيرة، ركزت جامعة الدراسات العليا لإدارة الأعمال HEC Paris في قطر قسطًا وافرًا من جهودها البحثية لتسليط الضوء على كل جوانب منظومة ريادة الأعمال في الدولة، وذلك بعد أكثر من عقد أمضته الجامعة في مساعدة الآلاف من رواد الأعمال في قطر من خلال برامجها التنفيذية والإدارية رفيعة الطراز. ويأتي اهتمام الجامعة هذا من إيمانها العميق بأن فهم ظاهرة ريادة الأعمال وتداعياتها الواسعة على الاقتصاد والدولة أمر أساسي لأي بلد وصناع القرار فيه، يمكنهم من اتخاذ أنسب القرارات من أجل تحقيق الازدهار الاقتصادي.
وفي نهاية عام 2022، نشرت الجامعة تقريرها السنوي حول ريادة الأعمال في قطر تحت عنوان: “منظومة ريادة الأعمال في قطر: مسارات للابتكار”، والذي أعده الدكتور ألان فيليجاس ماتيوس، كبير الباحثين في منظومة ريادة الأعمال في الجامعة. ويشكل التقرير تحديثًا وتوسعًا على الطبعة الأولى: “نظام ريادة الأعمال في قطر: تمكين التحول”. حيث يقدم التقرير بنسخته الجديدة خارطة مفصلة لمنظومة ريادة الأعمال الحالية في قطر، ويستكشف الآليات التي تتكامل عن طريقها منظومة ريادة الأعمال مع أهداف التنمية المستدامة لبناء منظومة ريادة أعمال مستدامة حقيقية في الدولة. وبالإضافة إلى ما تقدم، يدرس التقرير العوامل القادرة على تحفيز الأنشطة الريادية التي تعتمد على الابتكار مقارنةً بالأنشطة التجارية التقليدية مثل المقاهي وصالونات التجميل.
وكشف التقرير عن أنه رغم الجهود التي بذلتها الدولة في وضع الشروط الهيكلية اللازمة لبناء منظومة ريادة أعمال مستدامة، إلا أنه يبقى الكثير مما يجب القيام به. فكما يشرح الدكتور فيليجاس ماتيوس: “قطر على الطريق الصحيح، حيث مضت عملية تطوير نظام ريادة الأعمال بشكل جيد على مر السنوات الماضية، لكن هناك المزيد مما يجب القيام به إذا أردنا بناء نظام أفضل. إحدى التحديات الرئيسية التي لاحظناها في قطر هي أن معظم طلبة الجامعات لا يتجهون صوب مجال ريادة الأعمال، إما لأنهم لا يدركون أهميته أو لأنهم لا يعرفون كيفية الالتحاق به. المفتاح لبناء منظومة ريادة أعمال أفضل هو أن يكون لديهم وصول كافٍ إلى المعلومات والدعم اللازمين. ويجب أن يُعطوا الأدوات اللازمة وأن يتعرفوا على أمثلة يُحتذى بها في هذا المجال. وسيؤدي هذا بدوره إلى غرس بذرة مجموعة متنوعة من المشاريع الجديدة، وإلى المزيد من الابتكار في المجال، وإلى توفير المزيد من خيارات وفرص التمويل”.
كما تُعد البنية البيروقراطية الحالية مصدر تحدٍ رئيسي أمام رواد الأعمال في قطر، على الرغم من وجود سياسات عديدة تدعمهم. وحول هذه النقطة يضيف فيليجاس ماتيوس، الذي يعد ذاته رائد أعمال متعدد التخصصات ومستشار ومستثمر ملائكي في قطاعات التكنولوجيا والتصنيع والبيع بالتجزئة: “علينا أن نضمن التنفيذ الكامل للسياسات التي تدعم رواد الأعمال وأن نزيل العقبات التي قد تواجههم. كما يجب تسهيل وصول الشركات الصغيرة إلى القطاعات الاستراتيجية مثل الزراعة والتصنيع”.
إحدى التوصيات الرئيسية التي يوردها التقرير فيما يتعلق بتشجيع ريادة الأعمال هي إدراجها في المناهج التعليمية لمختلف المستويات، من المدارس إلى الجامعات، وتعزيز التعاون بين الأوساط الأكاديمية وقطاعات الاقتصاد والحكومة.
دور الجامعات
الدكتور فيليجاس ماتيوس يعمل منسقًا لدولة قطر في “استبيان إمكانيات ريادة الأعمال لطلاب الجامعات الدولية” المعروف اختصارًا بـ”جيس” (GUESSS)، وهو مشروع بحثي دولي يهدف إلى تطوير فهمنا حول دور الجامعات في تشجيع ثقافة ريادة الأعمال.
هذا وقد التحقت قطر قبل بضع سنوات بالمشروع البحثي هذا لتكون الدولة رقم 59 التي تنضم إليه على مستوى العالم. ونتج عن ذلك إصدار تقرير “جيس” عن دولة قطر للعام 2021، والذي يقدم معلومات حول معدل ميل الطلبة في قطر نحو مجال ريادة الأعمال وأنشطتهم الريادية إن وجدت، بالإضافة إلى العوامل المؤثرة على هذين العنصرين. كما يفيد التقرير في مقارنة طلبة قطر مع نظرائهم من باقي أنحاء العالم.
ويعد الاستبيان الذي بُني عليه التقرير هو الأول من نوعه في قطر، وشمل 121 من طلبة جامعات المدينة التعليمية. وأظهرت نتائجه أن قطر تقبع فوق المعدل الإقليمي والعالمي من حيث عدد الطلبة الذين ينتوون الالتحاق بمجال ريادة الأعمال. حيث ينظر الطلبة في قطر بشكل إيجابي تجاه فكرة أن يصبحوا رواد أعمال، كما أجابوا بإيجابية عند سؤالهم عن مدى رغبتهم بإدارة المشاريع الريادية مستقبلًا. وكان من بين النتائج الرئيسية للاستبيان أن 37 بالمئة فقط من الطلبة في قطر لم يحضروا أي دورات تدريبية في ريادة الأعمال، وهو ما يزيد عن المعدل الوسطي في دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا البالغ 34 بالمئة، لكنه أقل من المتوسط العالمي البالغ 44 بالمئة وفق تقدير “جيس”. كما أظهر التقرير أن نسبة رواد الأعمال الناشئين في قطر والتي تبلغ 48.8 بالمئة كانت أعلى بكثير من معدلاتها في بقية أنحاء العالم البالغة 28.4 بالمئة.
وحول الفائدة التي يمكن أن تنتج عن هذا النوع من الدراسات، يقول الدكتور فيليجاس ماتيوس: “تشكل نتائج هذه الاستطلاعات مصدر معلومات غني يفيد صناع القرار وواضعي السياسات، حيث يجب أن يستفيدوا من نتائجه في تحديد ما يجب القيام به لمساعدة الطلبة في المدارس والجامعات على اكتساب المهارات الصحيحة للنجاح كرواد أعمال في المستقبل”.
لدى الدكتور فيليجاس ماتيوس قناعة راسخة بأن ترسيخ ثقافة ريادة الأعمال في قطر هو حجر الأساس لبناء منظومة ريادة أعمال مستدامة في البلاد، ويتبين ذلك جليا في ختام ما قاله لنا: “بناء منظومة ريادة أعمال مستدامة يتطلب أولًا إيجاد الوعي الكافي بريادة الأعمال، وأهميتها، والفرص التي تقدمها، وعرض قصص النجاح، وتمكين التواصل بين الناس. إنه أمر يستغرق وقتًا ويتطلب جهدًا واهتمامًا من جميع الشركاء والمعنيين”.
ويجري العمل حاليًا على إعداد نسخة عام 2024 من تقرير “جيس”، والذي أصبحت المشاركة فيه مفتوحة لجميع طلبة الجامعات في دولة.
