قبــــــــول التنــــــوع نحو قوة عاملــــة مبتكِرة وشاملـــة
تحتل الشمولية في عالم العمل الحديث مكانة مركزية على الصعيدين الوطني والعالمي. ومع زيادة وعي المجتمع المحلي بأهمية التنوع، كان مركز قطر للتطوير المهني من رواد فتح الأبواب أمام الأشخاص ذوي الإعاقة، وخاصة أولئك الذين يعانون من صعوبات التعلم أو اضطراب طيف التوحد، للانخراط بسوق العمل والإبداع فيها. وخلال السنوات الماضية، أسهمت هذه الجهود الحثيثة في زيادة الوعي بالعوائق التي تجابه ذوي التوحد في المساهمة بقوى العمل وترك بصمتهم في المسار التنموي لدولة قطر.
ويبرز التزام مركز قطر للتطوير المهني بزيادة الوعي حول تحديات التطوير المهني التي تواجه ذوي التوحد، وذلك عبر مجموعة متنوعة من البرامج والمبادرات المنظمة بالتعاون مع هيئات وجهات متخصصة على رأسها أكاديمية العوسج في المدينة التعليمية. فهذه المبادرات تخدم أكثر من مجرد نشر الوعي، حيث تعزز قدرتنا على فهم حيثيات وتفاصيل التحديات التي يواجهها ذوو التوحد في خوض الفترة الانتقالية من الحياة التعليمية للانضمام إلى سوق العمل، والمجالات المتاحة لهم داخله. ولعل أهم نتائج هذه البرامج والمبادرات هو الحوار المفتوح والمثمر الذي يرافقها، والذي يصل بين مركز قطر للتطوير المهني والخبراء في مجال رعاية وتعليم ذوي الاحتياجات الخاصة، بالإضافة إلى صناع القرار والآباء والمجتمع بأسره، والتي تسهم في كسر الصور النمطية المحيطة بذوي الاحتياجات الخاصة وتعزيز فهم وتقدير المجتمع لقدراتهم وإمكانياتهم الإبداعية، وتمكينهم من قيادة حياة مهنية عنوانها الرضا والابتكار والإنجاز.
وبذلك لم تعد فكرة دمج الأفراد ذوي التوحد في سوق العمل حلمًا بعيد المنال؛ إنما هي واقع يتزايد الإقبال عليه من قبل العديد من الشركات والمؤسسات في دولة قطر، وذلك بدعم واضح من القيادة الرشيدة للدولة، وبتوجيه من القوانين القطرية كتوجه استراتيجي نحو تحقيق رؤية قطر الوطنية ٢٠٣٠. وبينما تتصف الرؤى التقليدية للتنوع العصبي بالمحدودية وتقوم على افتراض أن ذوي التوحد عاجزون عن أداء أبسط المهام، فإن تزايد الوعي الذي نتحدث عنه يسلط الضوء باستمرار على القوى والقدرات الفريدة التي يتميزون بها. إن قدراتهم الهائلة على التركيز الدقيق والانتباه للتفاصيل، إلى جانب مهارات التحليل القوية والذاكرة الاستثنائية، لهي بعض الصفات التي يمكن أن تسهم في نجاح أي منظمة أو شركة، وبالتالي الإسهام في التنمية الاجتماعية والاقتصادية على المدى الطويل. واكتسبت فكرة الشمولية في مكان العمل زخمًا متسارعًا في قطر وحتى عالميًا، مرفقةً باعتراف متنام من قبل المؤسسات بالإمكانيات الهائلة التي تنتج عن تبني مواهب متنوعة.
طريقنا نحو إطلاق هذه الإمكانيات مرصوفة بالقصص الملهمة، ويرشدها خبراء مثل الدكتور روبرت نصيف، والدكتور ستيفن شور، والدكتورة العبقرية تمبل جراندين وغيرهم. تعاون مركز قطر للتطوير المهني لسنوات مع هؤلاء الخبراء في تقديم العديد من المبادرات وبرامج التدريب وندوات التوعية حول هذه القضية، وذلك بغية إيصال قصصهم الملهمة ونصائحهم الهامة وخبرتهم المستفيضة إلى قرائنا والمستفيدين من برامجنا، ولتدعيم النهج الشمولي الذي يتبناه المركز في هذه الرحلة.
الدكتور روبرت نصيف، وهو عالم نفس ووالد طفل من ذوي التوحد، زودنا على مر تعاوننا بثروة من الرؤى الفريدة وبخبرته فيما يتعلق بالتعامل مع الجوانب الشخصية والمهنية المحيطة بمسألة التوحد. وساهمت خبرته في إقامة أواصر التعاون بين أولياء الأمور والمتخصصين، في توجيه جهود مركز قطر للتطوير المهني في هذا الإطار. ويؤمن الدكتور نصيف باتباع نهج شامل يبدأ من الاعتراف بإمكانيات الأفراد والتحديات التي تواجههم، ويصل إلى تعزيز التواصل المفتوح معهم ومع أولياء أمورهم، حيث يقول: “أنتم أعلم الخبراء بشؤون وأوضاع أطفالكم، والمتخصصون في المقابل خبراء بمجال التوحد”، داعيًا الأسر وشبكات الدعم إلى تحمل المزيد من المسؤولية في تيسير جهود المختصين الرامية إلى تسهيل انتقال ذوي التوحد من التعليم المدعوم إلى سوق العمل.
أما الدكتورة تمبل جراندين، فقد خاضت رحلة لا تترك مجالًا للشك حول ما يمكن تحقيقه عندما يُستثمر في إمكانيات ذوي التوحد وتنميتها. شُخصت الدكتورة جراندين بالتوحد في سن مبكرة، لكنها تحدت الظروف والأعراف الاجتماعية لتصبح كاتبة مشهورة ومتحدثة مناصرة لذوي التوحد. وفي ندوة افتراضية عقدها مركز قطر للتطوير المهني قدمت جراندين منظورها حول هذه القضية لأولياء الأمور وأصحاب العمل وذوي التوحد الحاضرين بالقول: “العالم بحاجة إلى كل أنواع العقول”، مشددة على أن الجوانب الإبداعية التي يجلبها التنوع، بما في ذلك التنوع العصبي، ضرورية للابتكار والتقدم.
مثال آخر رائع كان لمركز قطر للتطوير المهني شرف العمل معه في السنوات الماضية هو الدكتور ستيفن شور، والذي عاش قصة صمود وانتصار على المصاعب ملهمة بحق. فهو مُشخّص بالتوحد في سن مبكر، وواجه توقعات سلبية ومحدودة حول مستقبله. ومع ذلك، أدى التدخل التنموي المكثف من قبل والديه إلى وضعه على مسار النجاح. واليوم، بوصفه أستاذًا جامعيًا وناشطًا عتيدًا في التوعية بقضية التوحد، يشجعنا الدكتور شور على قبول الاختلاف وتبني مبدأ “مختلفون، لكن ليسوا أقل قدرًا”، حيث يدعو الدكتور شور المجتمع إلى فهم أن الأفراد ذوي التوحد يمتلكون وجهة نظر فريدة ستثري حياتنا جميعًا لو أتيح لها المجال.
وبسبب نجاح رواد الشمولية ومناصري التوحد هؤلاء، وجهود العديدين غيرهم، ارتفع الوعي الجمعي حول هذه القضية بشكل أكبر وأكبر، ووجدت الشركات والمنظمات أنفسها في موقع قادر على تشكيل بيئات شمولية تستقبل الأفراد ذوي الإعاقة، وبالأخص أولئك الذين يعانون من التوحد. ومن خلال تعزيز الشمولية وتقديم الدعم الضروري لهذه الشركات، نمكنها من فتح أبوابها أكثر لإثراء القوى العاملة بالتنوع والإسهام في بناء مجتمع أكثر عدالة يقدر قدرات ومواهب الأفراد الفريدة من نوعها.
وتحقيق ذلك لا يتطلب ثورةً أو تغييرًا جذريًا، بل يمكن تحقيقه من خلال اتخاذ خطوات صغيرة وقفزات قصيرة مستمدة من قصص وتجارب خبرائنا المعترف بهم عالميًا، والتي ستتراكم في النهاية لتشكل بمجموعها تغييرًا حاسمًا في ثقافة الشمولية ببيئات العمل في دولة قطر، وحول العالم.
تشكيل ثقافة الوعي
رحلتنا نحو تحقيق بيئات العمل الشمولية لا بد أن تبدأ بنشر المعرفة وتشكيل الوعي. يمكن للشركات البدء في هذا الطريق عبر تنظيم ورش العمل والجلسات التدريبية والمحاضرات التثقيفية لترشد موظفيها حول التوحد والإعاقات الإدراكية والجسدية الأخرى. سيتيح ذلك تفنيد الأفكار الخاطئة حولهم، وتعزيز الفهم لدى أصحاب العمل حول كيفية تشكيل بيئة أكثر تقبلًا ترحب بالأفراد ذوي التوحد. هناك العديد من الجهات في دولة قطر الذين يقدمون مثل هذه الخدمات ومركزنا واحد منها.
المرونة أساس التكيف
المرونة هي أساس مكان العمل الشمولي. فلذوي التوحد احتياجات متنوعة تختلف عن المعتاد لدى باقي الموظفين، وتعد متطلبات العمل المرنة، مثل التوقيت الحر وخيارات العمل عن بعد، ضرورة لاستيعاب احتياجاتهم. وبالنسبة لذوي التوحد من الذين يزدهرون في البيئات المنتظمة والروتينية، يمكن أن تعزز هذه الترتيبات بشكل كبير من رضاهم الوظيفي وأدائهم، حيث يمكن توفيق العمل في هذه الحالة مع أي روتين قائم مسبقًا.
تصميم أماكن عمل صديقة للحواس
هذا أمر مهم بشكل خاص للأفراد ذوي التوحد الذين غالبًا ما يعانون من حساسية مفرطة تجاه المحفزات الضوئية والصوتية. ويمكن لجهات العمل أن توفر تعديلات بسيطة مثل استخدام الأضواء الخافتة وتوفير سماعات حاجبة للضوضاء أو تحديد مناطق “هادئة” مخصصة للراحة. كل ذلك من شأنه تسهيل حياة ذوي التوحد والسماح لهم بالعمل والإبداع في بيئة مريحة.
التركيز على التواصل الصريح
التواصل المباشر والواضح مهم بالنسبة للأفراد ذوي التوحد، وذلك نظرًا للتنوع الذي يبدونه في طريقة استقبال وفهم المؤشرات البصرية والصوتية وحتى لغة الجسد. يمكن للشركات تطبيق استراتيجيات تواصل فعالة تضمن الوضوح وتتجنب اللغة المجازية والتعبيرات المبهمة. كما يمكن توفير تعليمات لجميع الموظفين حول كيفية التواصل كتابيًا وعبر الوسائل المرئية بشكل يعزز من الوضوح في التواصل ويجنبهم سوء الفهم. وسيجعل ذلك تواصل كل الموظفين مع بعضهم أكثر كفاءة، وليس فقط المتنوعين عصبيًا.
برامج الإرشاد والدعم
يمكن لمبادرات الإرشاد أن تثري تجربة ذوي التوحد في بيئة العمل عبر توكيل زملاء لهم من ذوي الخبرة ليقدموا الإرشاد لهم ويردوا على أسئلتهم مما يعزز شعورهم بالانتماء لبيئة العمل وأداءهم وحتى نموهم المهني.
استثمار المهارات النوعية
تقوم كل الشركات بإيكال المهمات في العمل للموظفين وفق قدراتهم ومهاراتهم وتخصصاتهم. وتغدوا هذه الممارسة أشد أهمية عند الحديث عن الأشخاص من ذوي التوحد الذين قد يمتلكون مهارات فائقة في مجالات محددة، ويعانون في نفس الوقت خلال القيام ببعض المهام الأبسط. ولذلك فإن تحديد المهارات التي يمتلكونها واستثمار قدراتهم فيها هو أساس المقاربة الشمولية في التوظيف لدى أي جهة مهتمة بتبنيها.
القيادة بالقدوة
تلعب قيادة الشركات وإداراتها دورًا حاسمًا في تيسير الشمولية في مكان العمل. فعندما يلتزم المدراء بصدق بتبني الشمولية ينعكس ذلك بشدة على باقي الشركة والموظفين. وبهذه الطريقة، يلهم قادة الأعمال فرقهم بأكملها لاعتماد الشمولية في جميع جوانب أعمالهم.
متابعة التطور والتحسين
إن إنشاء مكان عمل شمولي هو مسعى يتطلب صبرًا جمًا واستمرارية في إدخال التحسينات والتعديلات. ويفيد في هذا السياق توظيف أو استشارة خبراء يقدمون النصح حول سير عملية تبني الشمولية في مكان العمل، ويدربون الإدارات والموظفين لضمان تيسير توظيف ذوي الإعاقة والاستثمار بقدراتهم ومهاراتهم. وتفيد استشارة الخبراء في تحديد مواطن القوة والضعف، وإصلاح ما استلزم منها، والأهم من ذلك تصدير التجارب ونقلها لتعم الفائدة على جميع المهتمين.
ختامًا، الشمولية في توظيف الأشخاص من ذوي الإعاقة، والمتنوعين عصبيًا على وجه الخصوص، ليست فقط بالإمكان، بل مرغوب بها عند كل الشركات التي تهدف إلى الإبداع والتنويع في الأفكار ووجهات النظر، وإلى خلق بيئة أكثر ابتكارًا. إن إدراك هذه الحقيقة هو السبيل للاستفادة من كنز وفير من المواهب والقدرات التي قد تذهب سدىً ما لم تُستثمر بشكل كامل.
يسعى مركز قطر للتطوير المهني لمواصلة البناء على ما تحقق حتى الآن. ومن خلال البرامج المتواصلة، واستشارة ألمع الخبراء المحليين والدوليين، يحرص المركز على ترسيخ ثقافة الشمولية في التوظيف والعمل، وفي إدماج ذوي التوحد بسوق العمل. ويجب أن نتذكر دائمًا عبارة “مختلفون، لكن ليسوا أقل قدرًا”، والتي تلخص جوهر قضية التنوع العصبي في سوق العمل. تقبلوا التنوع، وقدروا المواهب الفريدة، وأنشؤوا مساحة يمكن للجميع فيها أن يزدهروا وأن يحققوا أقصى قدراتهم.


