مستقبل التعــليم وشــــــــــــات جي بي تي: فرص وتحديات
أثار الصعود السريع لمنصة “شات جي بي تي” الكثير من المخاوف في مختلف القطاعات، لكن بالنسبة لقطاع التعليم كانت تلك المخاوف مضاعفة بسبب التأثير المحتمل لأداة بتلك القوة على عملية التعلم لدى الطلبة.
في أكاديمية قطر – الدوحة، لم يفت الكثير من الوقت قبل أن يلاحظ المعلمون تأثيرًا فوريًا على أداء الطلبة الذين كانوا متحمسين بشكل طبيعي لإمكانات هذه الأداة المبتكرة وقدراتها المذهلة. كما كان من الواضح أن كتابتهم للمقالات وإكمالهم للواجب المنزلي أصبحا أكثر سلاسة. لكن المعلمين لاحظوا كذلك أن الطلبة كانوا يستخدمون هذه التكنولوجيا بالخفاء، اعتقادًا منهم بأنها في الغالب قد لا تكون مسموحة في البيئة الأكاديمية.
وتعد أكاديمية قطر – الدوحة واحدة من المؤسسات التعليمية الرائدة في الشرق الأوسط، فهي أكبر مدارس مؤسسة قطر، حيث تشمل المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية، إلى جانب مركز تعليم مبكر يستقبل الأطفال من سن ستة أشهر. وتقدم المدرسة برامج منظمة البكالوريا الدولية، كما أنها حاصلة على الاعتماد الدولي الكامل من مجلس المدارس الدولية ومنظمة “نيو إنجلاند” للمدارس والكليات (NEASC).
دفع هذا التغيير الطفيف في ديناميكيات الفصول المعلمين إلى التعمق بشكل أكبر في الموقف، وإدراك ضرورة إجراء حوار مفتوح مع الطلبة حول انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي واستخداماتها. وقررت الأكاديمية ترتيب جلسة تطوير مهني لموظفيها مخصصة لفهم منصة “شات جي بي تي” وآثارها المحتملة على المشهد التعليمي. شارك جميع موظفي الأكاديمية في هذه الجلسة التي زودتهم بالمعرفة والمنظور اللازمين للتعامل مع هذا الابتكار التكنولوجي بفاعلية ومساعدتهم في نقل هذه المناقشة إلى الفصول الدراسية بشكل مريح.
خلال لقاء لمجلتنا مع السيدة ريم عبدالصمد، معلمة مادة العلوم في الأكاديمية، أخبرتنا عن انطباعاتها الأولى بخصوص هذا الموضوع وقالت: “كان هناك حقيقة راسخة لم يكن بإمكاننا أن نغفلها، وهي أن الجيل الذي نقوم بتدريسه يمتلك طلاقة تكنولوجية أكثر من أي جيل سابق، كما أن العالم الرقمي يمثل مساحة مهمة في حياة كل واحد من هؤلاء الطلبة. أدركنا بوضوح من خلال ذلك أننا بحاجة لمواكبة وتيرة طلبتنا لكي نبقى على تواصل حقيقي معهم وأننا بحاجة للحفاظ على فاعليتنا كمعلمين من خلال الفهم السليم للأدوات التي يستخدمونها، وتكييف منهجيات تدريسنا لسد الفجوة بين التعليم التقليدي والعصر الرقمي الذي نعيش فيه”.
خبرة ريم في مجال التعليم مكنتها من أن تدرك مبكرًا الإمكانات التي يمكن أن توفرها منصة “شات جي بي تي” كأداة تعليمية، وقد بدأت سريعًا في تصور الطرق التي يمكن من خلالها دمج الذكاء الاصطناعي بسلاسة في الإطار التعليمي وأساليب التدريس. كما لم يختلف الأمر كثيرًا لدى زملائها في العمل، فمعظمهم رأى هذه الأداة فرصة فريدة من نوعها بدلًا من اعتبارها تهديدًا ذا عواقب وخيمة. تعاون الجميع معًا كفريق واحد من أجل خوض رحلة مثيرة للتعلم المستمر تبقيهم على علم بآخر المستجدات في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي، فتبادلوا الخبرات التي اكتسبوها من خلال المقالات والأوراق البحثية التي أُتيحت لهم، وحتى عبر مشاهدة بعض محاضرات منصة “TED” التي ناقشت موضوع دمج الذكاء الاصطناعي بالتدريس. وقد أسهم كل ذلك كثيرًا في توسيع آفاقهم وتعريفهم على وجهات النظر المختلفة بشأن هذا الموضوع.
ووصفت ريم تأثير منصة “شات جي بي تي” السريع على الطلبة بقولها: “كان التوفر الفوري للمعلومات والأفكار والتفسيرات مغريًا بالنسبة لهم، فقد أصبح بإمكانهم طرح أي سؤال والتعمق في أي موضوع والعثور على إجابة سريعة وشاملة. باختصار، كان الذكاء الاصطناعي بمثابة مدرس إضافي متاح دائمًا لهم، يقدم التوضيحات، ويُذهب الشكوك، ويساعدهم في القيام بالواجبات المنزلية”.
وكرد فعل على الاستخدام المتزايد لـ”شات جي بي تي” وأدوات الذكاء الاصطناعي المماثلة، قررت أكاديمية قطر الالتزام بالمبادئ التي حددتها منظمة البكالوريا الدولية في وقت سابق من هذا العام للتعامل مع هذا الأمر عندما أصدرت بيانًا يؤكد السماح للطلبة باستخدام مثل هذه الأدوات، لكن بشرط الاعتراف بالاعتماد عليها بشكل صحيح. ويعني ذلك أنه إذا استخدمها الطالب للمساعدة في دراسته أو أداء أي مهام، فيجب أن يذكرها كمصدر، على غرار أي مصدر آخر قد يستخدمه. وجاء تبني المدرسة لهذا النهج في إطار حرصها على الشفافية والحفاظ على النزاهة الأكاديمية، وتماشيًا مع أهدافها ومبادئها المتمثلة في تبني تقنيات التعلم الجديدة مع غرس أهمية النزاهة واحترام الملكية الفكرية لدى طلبتها وتزويدهم بأفضل الموارد التي تساعدهم على عملية التعلم، مع الحرص على تعليمهم أهمية استخدام هذه الموارد بشكل أخلاقي ومسؤول.
خلال الأشهر الماضية دارت مناقشات كثيرة بين المعلمين والطلبة حول أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وعن ذلك قالت ريم: “لقد كنا منفتحين مع طلبتنا حول دور الذكاء الاصطناعي في التعليم، وجعلناهم يدركون أننا نفهم اهتمامهم بمنصة “شات جي بي تي” والتقنيات المماثلة. لقد وضعنا كذلك إرشادات محددة للتأكد من أن تلك الأداة القوية ستكون وسيلة داعمة لهم. وشددنا على أهمية أن يحافظوا على التوازن بين التعلم بمساعدة الذكاء الاصطناعي والتفكير النقدي المستقل”.
وأضافت: “بكل تأكيد يمكن لـ”شات جي بي تي” أن يوفر معلومات فورية، لكننا شجعناهم على استخدامها كوسيلة للعمل على توليد المزيد من الأفكار وليس إجابات قاطعة، مع التأكيد على أهمية الاستخدام المسؤول، وتسليط الضوء على أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يعزز إبداعهم وأفكارهم الأصلية، لا أن يقوم بدورهم كطلبة بأي شكل من الأشكال”.
تحرص أكاديمية قطر على منح طلبتها فرصة خوض رحلة تعليمية متكاملة لا تعتمد فقط على منهج دراسي دائم التطور، بل تنطوي كذلك على تعليم تجريبي وأنشطة لا صفية ومشاركة في برامج مجتمعية تعدهم لتحقيق النجاح في حياتهم الشخصية والمهنية وتولي القيادة في مجتمعاتهم. من أجل تحقيق ذلك يتم تشجيع الطلبة على ألا يهابوا المخاطرة وأن يحرصوا دومًا على طرح الأسئلة والبحث عن الإجابات بثقة.
وترى ريم أن الطلبة بإمكانهم الحصول على فوائد جمة من أدوات الذكاء الاصطناعي مثل “شات جي بي تي” دون التأثير على قدراتهم التعليمية والإبداعية، بل على العكس بإمكان هذه الأدوات أن تثري تجربة التعلم وتحفز الإبداع إذا تم استخدامها بشكل صحيح مع ضرورة الحفاظ على النزاهة التعليمية.
ووجهت ريم النصيحة التالية للطلبة من أجل الاستعداد لعصر جديد من التعلم المعزز بالذكاء الاصطناعي: “تذكروا دائمًا أن أدوات الذكاء الاصطناعي مثل “شات جي بي تي” موجودة لمساعدتكم في رحلة التعلم، وليس لأداء العمل المطلوب منكم. من السهل جدًا السماح بذلك، لكن عليكم أن تعوا تمامًا بأن التفكير وبذل الجهد من أجل الوصول للإجابة النهائية هو الجزء الأهم من مسيرتكم التعليمية. هذه الرحلة التعليمية هي الهدف من التعلم وليس الإجابة النهائية نفسها. استخدموا تلك الأدوات لتحفيز تفكيركم الأصيل والإسهام في بناء وجهات النظر الخاصة بكم. يجب أن يكون العمل الذي تقدمونه دائمًا نتاجًا لإبداعكم وفهمكم”.
كما تعتقد ريم أنه على عكس ما قد يرى البعض فإن هذه الأدوات يمكنها تعزيز مهارات الإبداع لدى الطلبة حيث قالت: “بالإمكان أن تكون هذه الأدوات حليفًا رائعًا للعصف الذهني، لأن الإبداع لا يقتصر على توليد الأفكار فحسب، بل يتعلق بتحسينها ودمجها وتطبيقها بطرق مبتكرة. لكن لا ينبغي للطلبة أن يسمحوا للذكاء الاصطناعي بالقيام بكامل العمل الإبداعي، بل يجب عليهم استخدامه كأداة لإثارة قدرتهم على التخيل”.
وتحث ريم كذلك المعلمين الشباب على الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي واعتبارها حليفًا قويًا لهم في رحلة التعلم، لأن بإمكانها أن تشكل مصدر دعم لهم وتفتح آفاقًا جديدة للاستكشاف، لكنها بكل تأكيد ليست بديلاً لأفكارهم وتفكيرهم النقدي وجهودهم.
لكن ماذا عن التحديات التي صاحبت استخدام تلك الأدوات؟ على سبيل المثال، اعتماد الطلبة عليها بشكل مفرط والذي قد يعوق تطور مهارات أساسية لديهم مثل حل المشكلات والتفكير النقدي والمهارات الإبداعية. كما أن إمكانية استخدامهم لها كوسيلة للالتفاف حول عملية التعلم بدلًا من بذل مجهود ذهني للتعامل مع مفاهيم معقدة أو إجراء أبحاث دقيقة سيفقدهم نزاهتهم الأكاديمية. وهناك كذلك مسألة دقة الذكاء الاصطناعي، حيث إنه قد يقدم في بعض الأحيان معلومات غير صحيحة أو مضللة أو غير مناسبة للسياق.
عن ذلك قالت ريم: “يحتاج الطلبة إلى أن يتعلموا كيفية التساؤل والتحقق من المحتوى الذي ينشئه الذكاء الاصطناعي. يجب كذلك أن يتعاملوا مع المعلومات عن الذكاء الاصطناعي بعقلية نقدية. ليست كل مخرجات الذكاء الاصطناعي دقيقة أو مناسبة. إنها فرصة قيمة للتدرب على مهارات مثل التفكير النقدي، وتدقيق المعلومات التي يتلقونها، والتحقق منها مع مصادر أخرى”.
في الختام، تبدو ريم واثقة من أن الذكاء الاصطناعي لن يكون مجرد اتجاهًا عابرًا، وأنه جزء من مستقبل التعليم حيث قالت: “الأمر واضح. نحن ملتزمون بالمضي قدمًا في هذا المسار بمسؤولية مع مراعاة مصلحة طلبتنا دائمًا. في جوهر الأمر توفر أدوات الذكاء الاصطناعي إمكانيات مثيرة لإثراء التعليم، وبالتالي من الأهمية بمكان أن نعمل على فهم ودراسة كل التحديات المحتملة. عندها وحسب يمكننا التأكد من أننا نسخر قوة الذكاء الاصطناعي لتعزيز التعلم بشكل حقيقي وعدم المساس بنزاهة التعليم وهدفه”.

