التوجيه المهني في دولة قطر منظومة تتبلور وتتقدم بثبات

لقاء خاص مع خبيرة التوجيه المهني الدكتورة حمدة النعيمي
على مدى العقدين الماضيين، عملت دولة قطر على مواءمة منظومتي التعليم والعمل مع رؤية قطر الوطنية 2030، فبرز دور التوجيه المهني ليجمع بين التخطيط والسياسات والتنفيذ كرابط عملي بين ركائز الرؤية الاقتصادية والاجتماعية والبشرية والبيئية.
وطوال تلك المسيرة اضطلع مركز قطر للتطوير المهني بدور الميسّر بين مختلف الشركاء، حيث أطلق منصات للحوار وتنسيق الجهود، وكان في مقدمتها “لقاء شركاء التوجيه المهني” و”ملتقى المرشدين المهنيين”، مكرّسًا بذلك شراكات فاعلة بين الوزارات والجامعات وأصحاب العمل، وممهدًا لبناء إطار وطني متكامل للتوجيه المهني في الدولة.
في هذا الحوار الخاص لمجلة “دليلك المهني”، نستطلع آراء الدكتورة حمدة حمد النعيمي، خبيرة التوجيه والتطوير المهني في دولة قطر، ونستطلع رأيها في التقدم الذي أحرزه مجال التوجيه المهني في دولة قطر خلال السنوات الأخيرة، ورؤيتها لتطوير منظومة الإرشاد الأكاديمي في المدارس، ونصائحها للممارسين، ورسائلها لصناع السياسات.
علامة فارقة في المنطقة
في مايو 2025، أصبحت الدكتورة حمدة أول مرشدة مهنية في منطقة الخليج تحصل على اعتماد “المدرب الرئيس” لبرنامج تيسير التطوير المهني (FCD) من الجمعية الوطنية للتطوير المهني في الولايات المتحدة الأمريكية (NCDA)، ويتيح لها هذا الاعتماد تأهيل مدربي برنامج (FCD)، الذين يمكّنون بدورهم الممارسين من مساعدة الأفراد على التخطيط لمساراتهم المهنية واختيار المسار الأنسب لهم والتقدم به نحو أهدافهم المهنية.
وجاءت هذه الخطوة إضافة مهمة لمسيرة الدكتورة حمدة الحافلة في مجال التوجيه والتطوير المهني، والتي أولت خلالها تطوير قدراتها الأكاديمية والمهنية على حد سواء، وتعاونت خلالها مع كبرى المؤسسات الحكومية والتعليمية في دولة قطر، وكان من أبرز محطاتها المهنية عملها في مركز قطر للتطوير المهني، حيث شغلت منصب أخصائي أول التطوير المهني لقرابة ثلاثة أعوام.
نقطة تحول
لم يكن دخول الدكتورة حمدة مجال الإرشاد المهني مخططًا له. فقد بدأت مسيرتها معلمةً للرياضيات في إحدى المدارس الثانوية بعد حصولها على بكالوريوس التربية من جامعة قطر، ثم نالت درجة الماجستير في التعليم الثانوي والتدريس من جامعة أوهايو بالولايات المتحدة، لترسي دعائم مسار مهني ناجح ومستقر.
أثناء تلك الفترة، تبين وجود فجوة بين مخرجات المرحلة الثانوية العامة في المدارس المستقلة ومتطلبات القبول في جامعات المدينة التعليمية بمؤسسة قطر. واستجابة لذلك، تبنت وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي تطبيق نظام الإرشاد الأكاديمي في المدارس. طلبت مديرة المدرسة حينها من الدكتورة حمدة تولي مهمة الإرشاد الأكاديمي في مدرستها، وبالفعل قبلت ذلك، وكانت تلك البداية لتحول كامل في مسيرتها المهنية.
كان عامٌ واحدٌ في المنصب الجديد كفيلًا بتغيير منظورها لأهدافها المهنية، حيث تقول: “عملي كمرشدة مهنية سمح لي برؤية الصورة كاملة. تدريجيًا، بدأت أشعر أن تحمسي لتدريس المستوى العالي من الرياضيات لطلبة لا يمتلكون أهدافًا واضحة عما يريدون تحقيقه في مسيرتهم المهنية، أو حتى ما سيدرسونه في الجامعة، بات أمرًا لا طائل منه. وأتاح لي موقعي الجديد فهمًا أعمق لاحتياجات الطلبة، ورأيت أن هناك عجزًا واضحًا في اتخاذ القرار المهني من قبل الطلبة، وأدركت أهمية توجيهم قبل تعليمهم. كانت تلك نقطة تحول في مسيرتي وقررت التخصص في مجال التوجيه المهني”.
ولقناعتها العميقة بأهمية تعزيز تأهيلها الأكاديمي، اختارت الدكتورة حمدة بريطانيا وجهةً لدراسة هذا المجال، فنالت درجة الدكتوراه من جامعة ريدينج في تخصص التوجيه المهني للتعليم العالي. وتناولت أطروحتها كيفية اتخاذ الطلبة القطريين في الصف الثاني عشر قراراتهم التعليمية والمهنية، والعوامل المؤثرة في ذلك، بالاستناد إلى نتائج دراسة ميدانية أجرتها لمدة عام كامل في مدرستين ثانويتين حكوميتين في قطر، واحدة للبنات والأخرى للبنين.
تأثير الآباء
خلصت الدراسة إلى أن الآباء والأصدقاء الأكبر سنًا هم الأكثر تأثيرًا على قرارات الطلبة التعليمية والمهنية. كما كشفت أن ضغط الأب تحديدًا هو العامل الأبرز في حالة الطلبة القطريين المترددين والعاجزين عن اتخاذ قرارهم المهني. وبناءً على ذلك، أوصت الدراسة بتضمين الآباء والأصدقاء الأكبر عمرًا في برامج التوجيه المهني للطلبة في المدارس. كما أوصت بوجوب توعية الآباء في الأسر القطرية بدورهم المركزي الحساس والحاسم في اختيارات أبنائهم التعليمية والمهنية.
وبعد قرابة ثماني سنوات على نشر نتائج البحث، ما زالت الدكتورة حمدة تلاحظ من خلال عملها أن تأثير الأب يبقى العامل الأول في اتخاذ القرار المهني بالنسبة للطلبة من الجنسين؛ سواء بالإيجاب، من خلال دعمهم في اختياراتهم، أو بالسلب، عبر دفعهم لطموحات تتجاوز قدراتهم، أو تثبيط طموحاتهم بذريعة القيود الثقافية والاجتماعية.
لكنها ترى، رغم ذلك، بصيص أمل واضح، حيث تقول: “نلمس تغييرًا واضحًا، ولو كان بسيطًا، لكنه في الاتجاه الصحيح. لقد تحسنت اختيارات الطلبة بما يلائم قدراتهم وطموحاتهم ومتطلبات سوق العمل. أرى أن هذا التحول ناتج بشكل أساسي عن نشر معلومات واضحة عن احتياجات سوق العمل من خلال منصات الابتعاث الحكومي. والواقع أن هذه المعلومات لم تؤثر مباشرة على الطلبة، بل على أولياء أمورهم الذين أتيحت لهم رؤية صورة أوضح عن مستقبل سوق العمل في دولة قطر”.
دور التوجيه المهني
تعتبر الدكتورة حمدة أن تمكين التوجيه المهني هو السبيل الأمثل لإحداث تغير مستدام يتيح للطلبة اختيار المجالات الأنسب لقدراتهم وطموحاتهم، ويخدم في الوقت نفسه بناء اقتصاد وطني متنوع ومستدام.
ورغم اعتقادها أن التوجيه المهني قطع خطوات واسعة خلال السنوات الأخيرة، وحقق نتائج ملموسة بفضل جهود الوزارات والمؤسسات والجامعات، فهي تؤمن بأن تحويل هذا التقدم الى أثر مستدام يقتضي توحيد الجهود ضمن إطار وطني واحد، وتوضح: “هناك أيادٍ بيضاء في كل الاتجاهات؛ لكن إذا أردنا فعلًا تعزيز مجال التوجيه المهني في دولة قطر، فمن الضروري جمع جهود جميع الشركاء عبر جهة تنسيقية واضحة، مثل هيئة تعمل تحت مجلس الوزراء، أو جمعية للإرشاد المهني”.
وتضيف: “تحدثت خلال سنوات عملي مع الطلبة وأولياء الأمور وأصحاب القرار ومؤسسات القطاعين العام والخاص. الجميع يرى ضرورة أن يتبوأ التوجيه المهني المكانة التي تليق بأهميته، ليوجه القوى العاملة في قطر نحو الاتجاه الذي يحقق للدولة أهدافها الاقتصادية. الأمر ضروري وحاسم”. كما تدعو إلى الاستفادة من تجارب دول مجلس التعاون الخليجي، مشيرةً إلى تجربة المملكة العربية السعودية التي وفق قولها “حققت نهضة ملحوظة في فترة وجيزة”، مع التأكيد على أن قطر سبّاقة في تأصيل المجال، وأن تبادل الخبرات يسرّع التعلم المؤسسي.
الاعتمادات الدولية والحوكمة المهنية
تطرقنا في حوارنا كذلك إلى أهمية تأهيل العاملين في تخصصات الإرشاد الأكاديمي والتوجيه والتطوير المهني حتى يتمكنوا من تقديم خدمات احترافية قائمة على أسس علمية. وتحث الدكتورة حمدة المرشدين الأكاديميين والمهنيين على المواظبة على الدورات المعتمدة والبرامج التي تثري مسيرتهم، وكذلك السعي إلى نيل الاعتمادات الدولية، قائلة: “الحصول على الاعتمادات الدولية خطوة عملية مهمة ويجب أن يحرص عليها ممارسو التوجيه والإرشاد المهني في دولة قطر، لأنها تثبت كفاءتهم والتزامهم بمعايير هذه المهنة.
اعتقد أن الوقت قد حان لوجود مرجعية وطنية تعتمد المرشدين المهنيين وتمنحهم التراخيص المطلوبة لممارسة عملهم، وتراقب أداءهم وتنظم تقديم هذه المهنة، حتى نضمن أن من يساعد أبناءنا مصرح لهم بذلك، ويمتلكون الكفاءات والمعارف والأدوات اللازمة. سيمنع ذلك وجود دخلاء غير مؤهلين في هذا المجال، ويمنح الطمأنينة للأسر بأن أبناءهم في أيدٍ أمينة”.
يعتقد البعض أن الممارسات الدولية في الإرشاد المهني لا تلائم مجتمعاتنا الخليجية، لكن الدكتورة حمدة لا ترى اختلافًا جوهريًا يعوق تكييفها مع السياق المحلي، بل تؤمن بأن البيئة القطرية والخليجية قادرة على تبنيها بعد مواءمتها ثقافيًا ومؤسسيًا، حيث تقول: “جوهر الممارسات العالمية في مجال الإرشاد المهني هو تعزيز قدرات الإنسان المهنية ليكون عنصرًا فاعلًا في مجتمعه. في الواقع، نحن في أفضل وضع للاستفادة منها بعد تكييفها لتناسب مجتمعاتنا. في الولايات المتحدة مثلًا، قد يبدأ تطبيق الممارسات من حالات معقدة، كدعم المفرج عنهم من السجون وإعادة تأهيلهم للاندماج في المجتمع كأشخاص منتجين. بينما في سياقنا المحلي، ننطلق من نقطة أكثر تقدمًا، حيث نعمل مع طالب يحتاج إلى توجيه لتحديد مساره المهني”.
تأثير الذكاء الاصطناعي
تعتقد الدكتورة حمدة أن تأثير الذكاء الاصطناعي على التوجيه المهني والإرشاد الأكاديمي حتمي ومتزايد، ولكنه لن يغني أبدًا عن التواصل الإنساني بين المرشد المهني والطالب. لذلك، فهي تشجع المرشدين على الاستفادة منه؛ لكن بوعي. وتقول: “من الممكن أن يكون الذكاء الاصطناعي أداة مهمة للمرشد المهني، لكن عليه أن يعتمد عليها لتيسير العمل لا أداءه نيابة عنه، مع الانتباه لأخطاء تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتحيزاتها، وكذلك الحرص على حماية بيانات الطالب. يجب أن يكون الحكم المهني في النهاية للمرشد بناءً على معارفه وخبراته”.
وتردف قائلة: “في ظل التطور السريع لأدوات الذكاء الاصطناعي، لا بد أن يكون له دور أكبر في السنوات المقبلة. علينا مراقبة ودراسة تأثيره على مجال التوجيه المهني والعمل على مواكبته والاستفادة منه”.
مفتاح النجاح المهني
في ختام حديثنا، تقدم الدكتورة حمدة النصيحة التالية لكل من يرغب في تطوير مسيرته وتحقيق أهدافه المهنية: “ابنِ نفسك وطوِرها ودِرِبها. ابدأ بتشخيص ذاتي صادق تتعرف من خلاله على مواطن القوة والضعف لديك. عالج الفجوات، وعزز مهاراتك التقنية والحياتية، مثل إدارة الوقت، وحل المشكلات، والتواصل.
لقد أصبحت المهارات الحياتية ضرورة لا غنى عنها لكل من يريد بناء مسيرة مهنية ناجحة، حيث تمكنك من إنجاز المهام وتجاوز التحديات التي لا تكفيها المهارات التقنية وحدها”.
وتختم: “اجعل التعلم المستمر عادة راسخة لديك، فالحصول على شهادة عليا من دون استعداد دائم لتحديث معارفك وصقل مهاراتك واكتساب أخرى جديدة يفقدها كثيرًا من قيمتها، ويعوق قدرتك على مواكبة تطور مجالك المهني”.
معلومة
يتيح برنامج (FCD) لخريجيه التقدم للحصول على اعتمادين دوليين مهمين هما: شهادة مقدم خدمات مهنية معتمد (CCSP) من الجمعية الوطنية للتطوير المهني؛ وشهادة ميسر التطوير المهني العالمي (GCDF) من مركز الاعتماد في التعليم (CCE).
