التأثير الهائل للتوجيه المهني خلال سنوات الطفولة

 

طريقنا في الحياة مليء بمفترقات الطرق، ولعل أهمها اختيار الشخص لمساره المهني المستقبلي. وعلى الرغم من أن قضايا التطوير المهني يُنظر لها عمومًا على أنها تقتصر على البالغين، وقد تبدو غير ذات صلة بسن الطفولة، إلا أن الأبحاث العلمية المجراة حول العالم تظهر أن التوجيه المهني المبكر يلعب دورًا محوريًا وإيجابيًا في تشكيل المستقبل المهني للأفراد. في هذا المقال، نبحث في تفاصيل الدور الذي يلعبه التطوير المهني المبكر في السنوات التكوينية للأطفال، مستندين إلى الثروة الوافرة والمتنامية من النظريات الراسخة والمبادرات العملية المبتكرة، والتي غيرت النهج الذي نتبعه في إعداد الأجيال القادمة لمستقبل أكاديمي ومهني مزدهر.

الأساس النظري: فهم التطوير المهني المبكر

إن السعي في مسار مهني رحلة بالغة الأهمية في حياة كل منا، يكمن في جوهرها الاختيار المتقن لما يتناسب مع قدراتنا وطموحنا من بين العديد من الخيارات الأخرى التي قد يسهم كل منها في تشكيل مسار حياة الفرد بطريقة مختلفة. ويتطلب التفريق بين هذه الخيارات المعقدة فهمًا عميقًا للأسس النظرية التي تقوم عليها هذه العملية التفاضلية، حيث شهدت نظريات التطوير المهني تحولًا ديناميكيًا متسارعًا نحو الاعتراف بأهمية المشاركة المبكرة في دعم وصياغة التطلعات المهنية للأطفال. بينما كانت هذه النظريات تركز في الأزمنة السابقة بشكل أساسي على مراحل حياة البالغين، وغالبًا ما تهمل ما قبلها. وتغير النموذج النظري منذ ذلك الحين حتى بات يعترف بأن أسس التطوير المهني يتم وضعها وتترسخ قبل وقت طويل من دخول الفرد إلى صفوف القوى العاملة وساحات العمل.

وتؤكد العديد من النظريات الكبرى في مجال التطوير المهني، كنظرية النمو المهني لدونالد سوبر، الدور المهم لفهم الذات والتفاعل بين السمات الشخصية والميول والاهتمامات في عالم العمل. ويشير سوبر إلى أن المسارات المهنية للفرد ليست اختيارات معزولة واعتباطية، بل هي انعكاسات لتطور فهم الشخص لذاته وتطلعاته الشخصية. ومن هذا المنطلق، تظهر نظرية أخرى لتتعمق في هذا النقاش وهي نظرية جون هولاند عن الأنماط المهنية، والتي تؤكد على العلاقة الوثيقة بين التفضيلات الفردية والرضا الوظيفي. كما تسلط نظرية هولاند الضوء على العلاقة الحاسمة بين الاستكشاف المبكر للميول والمهارات الشخصية، وبين الرضا الوظيفي طويل الأجل.

إذًا تؤكد هاتان النظريتان اللتان يُبنى عليهما علم التطوير المهني الحديث على أهمية التطوير والتوجيه المهني المبكر بكل أشكاله، حيث إن زرع بذور الوعي المهني خلال العمر المبكر يولد لدى الأطفال شعورًا بوجود هدف وتوجه يبنون على أساسه قراراتهم المستقبلية. وعلاوة على ذلك، ومع تطور فهمنا لعلم النفس البشري، بتنا أكثر ثقةً بأن الهوية المهنية للشخص تبدأ في التبلور في مرحلة الطفولة، مدفوعة بالتجارب والمؤثرات والأحلام الكثيرة التي يتعرض الطفل لها وتراوده في سن مبكر.

وجهات النظر الجديدة هذه تقتضي منا، بل وتتحدانا بصفتنا متخصصين في مجال التطوير المهني، لتوجيه جهودنا نحو تصميم البرامج والتدخلات التي تمكّن الأطفال من استكشاف ومواءمة إمكاناتهم الفطرية مع المسارات المهنية المستقبلية، وبالتالي توجيه رحلتهم في اكتشاف الذات بطريقة هادفة ومستنيرة.

خبرة عملية: مركز قطر للتطوير المهني في الريادة

تتطلب الطبيعة الديناميكية لسوق العمل اليوم أن يتعرض الأطفال لمفردات التنمية المهنية في سن مبكر. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن مبادرة “الموظف الصغير” لمركز قطر للتطوير المهني قد أثمرت عن نجاح باهر في تحقيق هذا الهدف. حيث قدمت هذه المبادرة للأطفال نافذة مباشرة إلى عالم المهن وبيئات العمل المختلفة، ما أزكى فضولهم وأثار في أذهانهم حب الاستكشاف. وكان تأثير “الموظف الصغير” في المجتمع المحلي ملحوظًا ولافتًا، حيث شهدت المبادرة مشاركة أكثر من 600 طفل وتطوعهم في 21 مؤسسة بارزة حول قطر. ولعل أبرز دليل على فاعليتها ردود الأفعال الإيجابية التي تلقاها المركز من عدد كبير من الآباء والمشرفين والمعلمين.

في نفس السياق، لاقى تعاون مركز قطر للتطوير المهني مع “كيدزانيا” نجاحًا كبيرًا، حيث قدم المركز في المدينة التفاعلية التابعة لكيدزانيا تجارب ترفيهية وتعليمية عديدة أتاحت للأطفال الانغماس في مسارات مهنية مختلفة والتعرف عليها تحت إشراف خبراء ومختصين من المركز. وعلاوة على ذلك، زودتهم هذه التجربة بالمهارات الشخصية القابلة للنقل والتي ستعود بالفائدة عليهم مهما كانت المسارات المهنية التي سيختارونها مستقبلًا. ويؤكد مركز قطر للتطوير المهني من خلال هذه المبادرات على أهمية التعرض المبكر لمفاهيم التطوير المهني في تطوير قدرة هؤلاء الأطفال على اتخاذ القرارات المهنية مستقبلًا، والأهم من ذلك أنها تغذي ثقافة الفضول المهني لدى الأطفال.

كما أظهرت مثل هذه البرامج الموجهة للأطفال تأثيرًا إيجابيًا على ثقة المشاركين من الأطفال بأنفسهم، وهو ما نعده حجر الأساس للنجاح مستقبلًا. ومن ثم، فإنه يوجد ارتباط مباشر بين تلقي خدمات التوجيه المهني في سن مبكر وبين نمو الثقة بالنفس لدى الأطفال، حيث إنهم يستكشفون أنفسهم بأنفسهم، ويتعرفون على اهتماماتهم، ويدركون قدراتهم، ويطورون شعورًا بالاعتماد على الذات لا يقدر بثمن في أثره على مساعيهم المستقبلية.

وكما أن الطفولة هي فترة النمو العقلي والجسدي، فإن تطور القدرات المعرفية لدى الطفل يجب أن يترافق بتطوير قدرته على اتخاذ القرارات. وتؤكد الأبحاث على أثر التوجيه المهني المبكر في تنمية مهارات صنع القرار القوية، وبالتالي يمكن أن توفر تدخلات التوجيه المهني للأطفال خبرة عملية في التخطيط وتحديد الأهداف، وفي تعزيز المهارات التي ستخدمهم في كل خطواتهم خلال حياتهم المهنية. ومن خلال تعريف الأطفال بآليات صنع القرار المستنيرة في وقت مبكر بمساعدة الوالدين والأهل، نعدهم للتعامل مع القرارات بثقة وبمنظور استراتيجي مستقبلًا.

ولعل أهم الأدوات الرابطة بين الأطر النظرية والتطبيق العملي تكمن في التعلّم التفاعلي الذي يحوّل المفاهيم النظرية إلى سيناريوهات واقعية ملموسة. فمجموعة الألعاب المهنية التي يقدمها مركز قطر للتطوير المهني، مثل لعبة البطاقات “أبطال المهن”، أو لعبة القطع التركيبية “ماذا أريد أن أصبح عندما أكبر”، تمزج بين التعلم والترفيه، وتقدم للأطفال منهجًا ديناميكيًا قابلًا للتعديل ليناسب قدراتهم، من أجل تطوير مهاراتهم في اتخاذ القرارات واستكشاف خياراتهم المهنية. كما توفر للآباء والأمهات السياق المناسب لبدء الحوار مع أطفالهم حول هذه الموضوعات. وبالتالي، تحمل الألعاب المهنية أهمية لا تقدر بثمن في عملية التطوير المهني للأطفال، وتقدم تجربة ترفيهية وعملية في استكشاف المهن المتناسبة مع سن الطفل وقدراته. فمن خلال التحديات التفاعلية والمحاكاة والتجارب الافتراضية، تستحوذ الألعاب على انتباه الأطفال مع الحفاظ في الوقت نفسه على فائدتها في تعزيز المهارات القيمة لديهم. وتشير الأبحاث إلى أن مبادرات الإرشاد المهني المستندة إلى الألعاب تعزز من قدرة الطفل على اتخاذ القرار، وتعزز التفكير النقدي وآليات حل المشكلات لديه، وتبني مهاراته في التخطيط الاستراتيجي, وهي بمجملها مهارات أساسية لتحقيق النجاح في المستقبل.

وفي الختام، من المهم التأكيد على دور التطوير المهني المبكر في السنوات التكوينية للأطفال؛ فكل النظريات والمبادرات والأبحاث تتفق على التأثير العميق الذي يحدثه التعرض المبكر لمفهوم التوجيه المهني في تشكيل مسارات حياة الفرد. وبصفتنا مختصين وممارسين ومعلمين وشركاء في مجال التطوير المهني، فإن تعزيز وتكثيف هذه الجهود مسؤوليتنا جميعًا، ومن واجبنا دعم أطفالنا بالأدوات التي يحتاجون إليها للنجاح في عالم الغد، نجاحًا يتجاوز التطلعات الفردية لكل منهم إلى أن يكون بمثابة الاستثمار في مستقبل مثمر لنا جميعًا من خلال زرع بذور الوعي المهني في أجيال قادة التنمية في مستقبل قطر.