مقدمو خدمات الإرشاد والتوجيه المهني في العالم أمام موجة جديدة تدعو للابتكار

شهد العالم تحولات كثيرة ترتكز على الابتكار والتجديد في مختلف القطاعات والمجالات خاصة خلال جائحة كوفيد-19، ونتيجة لذلك تعالت الأصوات التي تطالب بإعادة تصميم الفرص التعليمية والتدريبية بما يضمن تأهيل الإنسان للتعامل مع التحديات والتركيز على المهارات القابلة للنقل والاستعداد لمهن المستقبل.

وبالرغم من محاولات تعريف مهن المستقبل وتحديدها، إلا أن ذلك ليس بالأمر السهل، فالممارسات الحالية تبين أن مهن المستقبل قد تشمل مهنًا تراثية قديمة جرى تجديدها وطرحها من خلال أدوات حديثة أو مهنًا مرتبطة بالسياحة ومتطلبات الهوية الوطنية، كما أنها قد تتضمن مهنًا لم تكن متوفرة من قبل خاصة فيما يتعلق بالقطاع التكنولوجي الرقمي.

ولا شك أنه من الضروري العمل على ربط اختيار مهن المستقبل بمنظومة توجيه وإرشاد مهني مناسبة.

فرغم أن مجال التوجيه المهني شهد تطورًا هائلًا منذ بداياته التي تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، عندما أرسى البروفيسور الأمريكي فرانك بارسونز، رائد حركة التوجيه المهني في العالم، مبادئه الأساسية، ما زال هناك اهتمامًا متزايدًا بمراجعة الخدمات والبرامج المتعلقة بالتوجيه والإرشاد المهني التي تقدم عالميًا ومحليًا لزيادة الوعي وفهم السياسة والممارسات في التوجيه المهني، وتحدي الممارسين وصانعي السياسات في جميع أنحاء العالم للتفكير في المخاطر والفرص التي سيأتي بها المستقبل من أجل دمج هذه الأفكار في سياسة وممارسات التوجيه المهني.

وهذا ما يشير له تقرير صادر عن مؤسسة التدريب الأوروبي في عام 2020 حيث جرت دراسة عدة نماذج من حول العالم اختيرت على أساس درجة الابتكار فيما يتعلق بالأثر من حيث استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وتطوير نظام إدارة المحتوى، والشراكات المجتمعية، ودور الوالدين، ودليل التأثير الإيجابي والتنفيذ الفعال، وإمكانية النقل والتكيف مع سياقات أخرى.

وعند مراجعة التقرير ينبغي مراعاة أن هذه الممارسات قد طُورت وجرى التركيز عليها لأن أنظمة التوجيه المهني في كل دولة لها تحديات مختلفة. فهناك مبادرات ونماذج تتعلق بالتعليم والتدريب المهني، والتعلم مدى الحياة، وجميع أنواع مقدمي الخدمة بما في ذلك خدمات التوظيف العامة والمدارس والجامعات والمنظمات غير الحكومية. ومن الملاحظ أن جميع الدول التي تمت الإشارة لها في التقرير توفر نظام إرشاد مهني في المدارس وآخر في الجامعات، كما ترعى الحكومة مراكز مهنية لدعم العاطلين عن العمل من الموظفين، في حين تتوفر أمام الأشخاص أصحاب المهن فرص الاستفادة من خدمات مجموعة كبيرة من المدربين والمستشارين المهنيين. علاوة على ذلك، هناك نظام حكومي للتأهيل المهني يساعد الأشخاص ذوي الإعاقة في الالتحاق بالقوى العاملة.

ومع كل هذه الأمثلة التي يمكن الاطلاع على تفاصيلها في التقرير المنشور ينبغي التركيز على أهمية تصميم برامج وخدمات التوجيه المهني التي ترتكز على الإنسان واحتياجاته، لتتضمن أنسنة البرامج والخدمات ومراعاة أن خدمات التوجيه والإرشاد المهني تهدف لتعزيز نمط حياة متكامل لا يتوقف عند الحصول على وظيفة. بل يتعدى ذلك لتعزيز الصحة النفسية وبيان الأثر المجتمعي للإنسان وأدواره المتعددة التي لا تتوقف عند عمر معين لتمكين الإنسان من اكتشاف طاقاته واستثمار فرصه، أو حتى صناعة الفرص بنفسه.

ويقدم الدكتور ريتش فيلر، أستاذ التوجيه والتطوير المهني في جامعة ولاية كولورادو والرئيس السابق للجمعية الوطنية للتطوير المهني في الولايات المتحدة، نموذجًا مميزًا للابتكار في خدمات الإرشاد المهني من خلال إعادة دراسة وتصميم مجموعة من الأدوات والبرامج الخاصة التي تستكشف قدرات الإنسان وميوله واهتماماته، مثل برنامج تقييم “YouScience” الذي يساعد الطلبة على فهم قدراتهم ومواهبهم من أجل ربطها بالوظائف المتاحة في العالم الحقيقي.

في عام 2021، نُشرت دراسة بعنوان “مفاهيم الخبراء المهنيين للابتكار في التطوير المهني”، أجرتها الدكتورة يانا كيتونين، نائب رئيس المعهد الفنلندي لبحوث التعليم، استنتجت أن عملية الابتكار في التوجيه والتطوير المهني تتضمن إطلاق خدمات جديدة، وتطوير البرامج القائمة على احتياجات السكان والتغيرات الديموغرافية، وحوكمة وتطوير معايير الخدمات، واستثمار أوجه التآزر والتعاون بين القطاعات.

وعند الحديث عن الابتكار، لا بد من الإشارة إلى أن هناك دعوة لإعادة دراسة النظريات الخاصة بالتوجيه والإرشاد وتطويرها أو تطوير نظرية متكاملة من منظور إسلامي، كما أن هناك دعوات لإعادة ابتكار أدوات تقييم تتضمن محاور وأبعادًا من بينها التأهيل الشمولي للإنسان خاصة مع تغير خصائص الأجيال واعتمادها على التكنولوجيا الرقمية. ويوضح ذلك ضرورة الاستفادة من التطورات في المجال الرقمي محليًا وعالميًا بتوفير منصات تتضمن معلومات عالمية ومحلية عن أهم الميول والرغبات والقيم التي تتعلق بالمهن والتوجيه الذاتي لاختيار تخصصات جديدة. إن رحلة الابتكار تلك يمكنها أن تسهم بدون شك في تطوير الخدمات والبرامج وتعود بالنفع على جميع القطاعات والأفراد.

الدكتورة رانيا الصوالحي

خبيرة في الشؤون التربوية والتوجيه المهني