رحلة ملهمة في الهندسة المعمارية: بدرية كافـود 

 

رحلة ملهمة في الهندسة المعمارية 

بدرية كافود 

قصة أول مهندسة قطرية 

في غرفة الاجتماعات بمكتبها للاستشارات الهندسية المعمارية والتصميم الداخلي والإشراف في الدوحة، يدور النقاش بين المهندسة بدرية كافود وفريق عملها حول التقدم المحرز في تصميم أحد المشاريع. تتابع المهندسة كافود أدق تفاصيله بعناية واهتمام، وتوصي بإجراء تعديلات على خطة العمل، وتكلف أفراد الفريق بمهام جديدة. 

عقب انتهاء الاجتماع، تعود المهندسة لمتابعة عملها على جهاز الحاسوب لتنتهي من بعض التعديلات على تصميم آخر قبل أن تستهل حديثها معنا. كنا هناك للتعرف على رحلتها المهنية الاستثنائية التي امتدت لما يقارب 40 عامًا؛ رحلة أصبحت خلالها أول مهندسة قطرية، وأثبتت مكانتها الريادية في عالم الهندسة المعمارية في البلاد لتسهم في تغيير نظرة المجتمع تجاه عمل المرأة في مجالات غير تقليدية. 

خلال حوارها معنا، شاركتنا أهم الدروس التي تعلمتها على مدار مسيرتها الممتدة، والتحديات التي تجاوزتها، مقدمة نصائح ثمينة للشباب الطامح لتحقيق النجاح في مجال الهندسة.

إرادة قوية قهرت التحديات 

حين بدأت المهندسة بدرية رحلتها المهنية، كان الواقع في دولة قطر يختلف عما هو عليه اليوم، خاصة فيما يتعلق بتعليم المرأة وعملها. كانت بطلة قصتنا تحلم في طفولتها بأن تصبح مهندسة، متأثرة بعمل والدها في تجارة العقارات والأراضي. كان دومًا يصحبها إلى مواقع عمله ويسمح لها بمساعدته في أداء مهام بسيطة. ولطالما امتدح ذكاءها ولمس فيها إمكانات مهندسة عظيمة. ألهمها ذلك وشكل طموحها؛ لكن بعد تخرجها من المرحلة الثانوية اصطدمت أحلامها بواقع مختلف تمامًا. حصلت الفتاة الشابة على منحة حكومية للدراسة في المملكة المتحدة بعد استيفاء شرط السفر مع زوجها الذي كان يشغل حينها منصب الملحق الطبي في سفارة دولة قطر في لندن. حينها، لم يكن بمقدور الطالبات القطريات دراسة الهندسة، فقد كان مجالًا غير تقليدي للمرأة القطرية. 

قررت بدرية دراسة الطب عوضًا عن الهندسة، لتكتشف أن ذلك لم يكن ممكنًا لأنه يتطلب الالتحاق بجامعة في اسكتلندا، وهو ما لا تسمح به ظروف زوجها المهنية. وفي نهاية المطاف كانت أمام خيارين: إما تصميم المجوهرات أو التصميم الداخلي، فاختارت الأخير لاعتقادها أنه الأقرب للتخصصات الهندسية. 

التحقت الطالبة الطموحة ببرنامج تصميم داخلي مدته أربع سنوات في الكلية الأمريكية في لندن، لكن قبل فصل دراسي من تخرجها، تلقت مكالمة هاتفية من الملحق الثقافي في السفارة القطرية ينذرها بحدوث خطأ؛ فقد اكتشفوا أن جامعتها لم تكن معترفًا بها في قطر. 

أصبحت الفتاة الشابة مجددًا أمام خيارين: إما أن تنتقل للدراسة في جامعة ثانية وتدرس برنامجًا جديدًا في نفس التخصص السابق، أو تعود إلى قطر وتلتحق بأي عمل يناسب شهادتها الثانوية. أصر والدها على أن تنهي دراستها، وتحمل تكاليف الفصل الدراسي الأخير لكي تحصل على الشهادة الجامعية ولئلا يذهب مجهودها سدىً. 

في الوقت ذاته، تقدم والدها بطلب لوزير التعليم آنذاك للحصول على استثناء يسمح لها بدراسة الهندسة المعمارية، وقد شجعه أن إحدى الجامعات التي تقدمت بدرية لدراسة التصميم الداخلي فيها أرسلت خطابًا للملحق الثقافي في السفارة القطرية تؤكد فيه أن الطالبة الشابة مؤهلة تمامًا لدراسة الهندسة المعمارية، وحصل والدها بالفعل على الموافقة لتصبح بدرية كافود أول طالبة قطرية يُسمح لها بدراسة الهندسة المعمارية. 

التحقت بدرية على إثر ذلك بكلية الهندسة المعمارية التابعة للجمعية المعمارية في بريطانيا (AA) وهي تعتمد نهجًا مبتكرًا وتجريبيًا لتعليم الهندسة المعمارية يركز على تنمية التفكير الإبداعي والجانب العملي لدى الطلبة، ومن أشهر خريجيها المعمارية العراقية الشهيرة الراحلة زها حديد. 

بعد إكمالها ثلاث سنوات من الدراسة، تلقت الشابة المثابرة صدمة جديدة، فقد تبين أن تلك الجامعة كذلك غير معترف بها في دولة قطر، وأن عليها أن تبدأ مجددًا في جامعة أخرى أو العودة إلى قطر. 

تتحدث المهندسة بدرية عن تلك الفترة العصيبة قائلةً: “رفضت العودة إلى الدوحة. انتقلت إلى جامعة وستمنستر، التي كانت تُعرف حينها باسم جامعة سنترال لندن. لم أكن لأنسحب، كنت أريد أن أصبح معمارية من البداية. لم يكن أمامي خيار آخر لبلوغ حلمي. اجتهدت وحصلت على درجة البكالوريوس لأعود مع عائلتي إلى الدوحة مهندسةً معمارية بعد 15 عامًا قضيتها في بريطانيا”.

مسيرة العمل 

بعد العودة إلى وطنها، كان أمام المهندسة بدرية مواجهة تحديات من طبيعة مختلفة؛ أولها أن فرصة العمل كمهندسة معمارية لم تكن متاحة آنذاك، لأن دراسة هذا المجال لم تكن مسموحة للسيدات أساسًا. عُرض عليها العمل مُدرسة، لكنها رفضت ذلك وأصرت على العمل في المجال الذي درسته، واضطرت للتوجه إلى المسؤولين مرة أخرى، ليصدر بعد طول انتظار قرار بتعيينها في قسم هندسة المباني ضمن وزارة الصناعة مهندسة معمارية، لتصبح مجددًا أول امرأة تنضم إلى الوزارة. تتذكر المهندسة بدرية بدايات هذه التجربة: “كان الأمر غريبًا بالنسبة لهم. الرجال فقط هم من يعملون في الهندسة، ولم يكن هناك مكان للمرأة في هذا العالم. حاولوا إقناعي بالعدول عن قراري هذا عبر المبالغة في وصف الصعوبات التي سأجابهها، لكنني كنت مصممة، وأغلقت كل الثغرات أمامهم، فلم يكن لديهم خيار سوى تعييني”. 

ثم كان التحدي التالي هو العمل الميداني، حيث كُلفت بمشاريع بعيدة عن الدوحة، وحول ذلك تقول المهندسة بدرية: “أسندت إليّ مشاريع في أماكن بعيدة عن الدوحة، مثل إنشاء محطة إرسال في الشمال، وبناء سور للمقابر في نفس المنطقة، وساندني زوجي في إنجازها كثيرًا، حيث كان يقلني بسيارته كل يوم. قررت تغيير الوضع وطالبت بالحصول على رخصة قيادة، وبعد محاولات مضنية حصلت بالفعل على الرخصة وأصبحت من أوائل السيدات اللاتي سُمح لهن بقيادة السيارات في دولة قطر، وأقود سيارتي بنفسي إلى مواقع عملي منذ ذلك الحين”. 

أثبتت المهندسة الشابة جدارتها في العمل الميداني. ومع الوقت، تولت المزيد من المسؤوليات، وحققت نجاحًا لافتًا بتصميم وتطوير مشاريع متنوعة. لم يكن الأمر سهلًا فقد كان عليها الحفاظ على توازن دقيق بين متطلبات أسرتها كأم وزوجة، وبين مسؤوليات مسيرتها المهنية؛ لكنها تجاوزت العوائق التي واجهتها بفضل عزيمتها وإصرارها محققة الإنجاز تلو الآخر لتصبح مثالًا يحتذى به لدى الطالبات الطامحات لخوض مسارات مهنية بمجالات غير تقليدية للسيدات. 

كوفئت المهندسة بدرية على اجتهادها بنقلها إلى مكتب الوزير لتتولى مهام تطوير البلديات وتصميم المشاريع. عملت تحت قيادة العديد من الوزراء، وواصلت إثبات كفاءتها في كل مهمة أوكلت إليها، كما أسهمت في تطوير نظام جديد للعمل في الوزارة. لكن بعد فترة ليست بقصيرة من العمل الإداري، قررت العودة إلى شغفها الأول، ألا وهو الهندسة المعمارية، وانتقلت إلى القسم الهندسي، الذي يعرف حاليًا باسم هيئة الأشغال العامة “أشغال.” وهناك، نجحت في ترك بصمتها المميزة من خلال إدارتها وإشرافها على عدد من المشاريع الكبرى. 


مرحلة
جديدة 

بعد سنوات طويلة من العمل الحكومي، قررت المهندسة بدرية الابتعاد عن الوظيفة الحكومية والعمل على تحقيق الحلم الذي راودها منذ بداية مسيرتها المهنية، وهو تأسيس مكتبها الخاص لتقديم الاستشارات الهندسية وتصميم مشاريع معمارية تحمل بصمتها الخاصة. كانت خطوة تنطوي على مخاطرة، لكنها كانت على ثقة من قدرتها على تجاوز أي تحدٍ جديد. 

ورغم مواجهتها عراقيل هائلة ومرور أشهر طويلة فقدت خلالها في بعض الأحيان الأمل، رفضت المهندسة بدرية الاستسلام وواصلت محاولاتها حتى حصلت بالفعل على رخصة لتأسيس المكتب. 

وبدأت العمل بمكتبها الصغير بموظف واحد، إلا أنها نجحت مع مرور الوقت في تطوير المشروع وانتقلت إلى مكتب بمساحة أكبر، وشكّلت فريق عمل متكامل يغطي مختلف التخصصات. وعلى مدار ما يقارب عشر سنوات، حرصت المهندسة بدرية على أن تحمل كل تصاميمها بصمتها الخاصة وأن تتميز عن أي تصميم آخر في الدوحة، وقد أصبح للمكتب الآن قاعدة عملاء مُعتبرة. 


التوجيه
المبكر يصنع الفارق 

خلال مسيرتها الأكاديمية والمهنية الطويلة، عرفت المهندسة بدرية جيدًا قيمة العلم والتعلم. ولذلك حرصت على غرس حب المعرفة وأهمية الاجتهاد في عقول بناتها، وشجعتهن على الدفاع عن طموحاتهن واختيار المجالات المهنية التي يتملكهن الشغف تجاهها. 

وينبع اهتمامها ذاك من إيمانها العميق بأن دعم الأسرة هو أحد أهم عوامل النجاح المهني لأي شخص، حيث تقول موضحةً: “كان أبي يعمل تاجرًا للعقارات، واعتاد أن يصحبني معه إلى مكان عمله ويسمح لي بمساعدته في مهام بسيطة. كما شجعني وامتدح قدراتي حينما لاحظ تفوقي في الرياضيات وحبي للهندسة، حتى تيقنت منذ ذلك الوقت أنني أريد أن أصبح مهندسة. وبعد أن بدأت مسيرتي الأكاديمية والمهنية، كان لدعم والدي وزوجي وجميع أفراد أسرتي دورٌ رئيسي في تجاوزي لكل التحديات وتقدمي في مسيرتي المهنية. لم أكن لأحقق أي شيء دون دعمهم وتشجيعهم”. 

وتضيف: “للمدارس كذلك دور مهم في اكتشاف مواهب الطلبة في سن مبكرة، وتوجيههم لاستكشاف المجالات المهنية التي يمتلكون الشغف نحوها بما يتناسب مع إمكاناتهم وقدراتهم. الاستثمار في طاقات الشباب وتوظيفها بشكل فعال مفتاح بناء مستقبل مزدهر لدولة قطر”. 


حديث
عن الهندسة 

لا شك أن لقاءنا مع المهندسة بدرية كان فرصة ثمينة لمناقشة العديد من القضايا المتعلقة بمجال الهندسة، ففي ظل التوجه العالمي نحو تعزيز مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، هناك جهود متزايدة لجعل تلك التخصصات أكثر جاذبية للطلبة بهدف تلبية الاحتياجات المتزايدة لسوق العمل. وتُعتبر هذه المجالات أساسية لدعم الاقتصاد الوطني، وتلبية احتياجات مختلف القطاعات التي تعتمد على خريجي هذه التخصصات. 

ترى المهندسة بدرية أن أفضل وسيلة لجذب الطلبة نحو مجال الهندسة هي تعريفهم بتخصصاته المتنوعة في سن مبكرة، وإذا أحبوا التعرف أكثر على تخصص معين، فيجب مساعدتهم في خوض تجارب معايشة مهنية مع مهندسين حقيقيين، وتوضح: “يجب ألا تقتصر المعايشة على المكاتب، عليهم أن يزوروا مواقع وورش العمل. كلما اقتربوا أكثر من الجانب العملي وشاهدوه وجربوه، ستتضح لهم الصورة بشكل أفضل، وسيساعدهم ذلك على تحديد ما إذا كان شغفهم حقيقيًا أم مجرد اهتمام عابر”. 

كما تقترح المهندسة بدرية التالي: “يمكن أن تطبق مراكز الشباب مثل هذه الأنشطة في فترة الصيف، تمامًا كما يتم تنظيم أنشطة لتعليم الرسم أو الرياضة. ويمكن للطلبة التعرف على مجالات مثل الهندسة الميكانيكية، على سبيل المثال، من خلال زيارات لورش إصلاح المعدات أو السيارات وخوض تدريبات عملية”. 

وترى المهندسة بدرية أن من يرغب في تحقيق النجاح في مجال الهندسة يجب أن يختار المجال بناءً على امتلاكه شغفًا حقيقيًا نحوه، لأن ذلك ما سيمنحه الطاقة لكي يواصل التعلم والكفاح على مدار مسيرته المهنية. وفي المقابل، تُحذر الشباب من أن يكون الدافع وراء اختيارهم هو نيل لقب “المهندس” وما يصاحبه من مكانة اجتماعية. كما تنبههم إلى ضرورة اكتساب خبرات عملية متكاملة، حيث تقول: “ما تدرسه في الكتب لا يكفي بمفرده. إن لم تعمل بيديك مباشرةً وتخوض تجارب ميدانية، وتتعلم كيف تحل المشكلات التي تواجهها في مواقع العمل، وتفهم كل تفاصيل عملك الدقيقة، لن تتمكن من تطوير نفسك كمهندس. يجب ألا تبحث عن الراحة في المكاتب، وألا تسعى وراء المناصب الإدارية فور تخرجك”. 

وتشدد المهندسة بدرية على أن الدور الأكبر في غرس حب العمل باليد لدى الطلبة يقع على عاتق الجامعات، مؤكدة أن خبرتها العملية ونزولها للمواقع لم يسهم فقط في تطوير خبراتها المهنية، بل ساعدها كذلك على إدارة مكتبها الخاص بنجاح، وتقول: “ما زلت أرسم وأصمم بنفسي وأتابع كل صغيرة وكبيرة في المشاريع التي أتولاها. الهندسة المعمارية بالنسبة لي هي العالم الذي أجد فيه نفسي وأحقق من خلاله طموحاتي. حينما أجلس للعمل على تصميم ما أنغمس تمامًا فيه قد تمر عليّ ساعات طوال دون أن أشعر بالوقت. إنه شغف لا حدود له”. 

تواصل المهندسة بدرية العمل على تطوير مشروعها وما زالت تطمح للمزيد من التوسع ورفع تقييم مكتبها لتعمل على مشاريع أكبر وتواصل بناء إرث معماري يحمل بصمات إبداعاتها الخاصة. 


مقابلة المهندسة بدرية كافود مع تلفزيون الريان
 

يرجى زيارة الرابط التالي لمشاهدة مقابلة للمهندسة بدرية كافود مع تلفزيون الريان في عام 2013 تروي خلالها رحلتها في مجال الهندسة المعمارية: اضغــط هنــا