انعقاد مؤتمر التطوير المهني الأول من نوعه في العالم العربي
يعد التطوير المستمر للمهارات والمعارف المهنية أمرًا حيويًا في تقدم الدول، حيث تلعب القوة العاملة الكفؤة والمؤهلة دورًا حاسمًا في دفع عجلة التقدم الاقتصادي والاجتماعي. وتواجه المنطقة العربية تحديات عديدة في هذا الصدد، منها غياب الفهم الصحيح لمفاهيم علم التطوير المهني، والاقتصار على الجهود الفردية فقط دون النظر إلى الأهمية الاستراتيجية لهذا المجال على المستوى الوطني.
ومع تنامي مكانة التطوير المهني في الدول المتقدمة، ينبغي لنا أن نعمل على تأسيس آليات تسهل تبادل المعارف والخبرات في هذا المجال. ليأتي هنا المؤتمر العربي للتطوير المهني كركيزة فريدة تمثل الخطوة والمنصة الجامعة الأولى لهذه الجهود على مستوى العالم العربي. وفي هذا السياق، شارك مركز قطر للتطوير المهني في النسخة الافتتاحية من المؤتمر لتسليط الضوء على جهود قطر السبّاقة إقليميًا في مجال التطوير المهني، وإيمانًا من المركز بضرورة مشاركة التجارب والخبرات والنجاحات مع بقية الجهود الرائدة في العالم العربي.
وقدم المركز، ممثلًا بالسيد سعد الخرجي، مدير البرامج والخدمات المهنية، والسيد محمد تجريدة، رئيس قسم الاتصال والتسويق في المركز، ورقةً بحثية بعنوان: “تعزيز إدماج الأشخاص ذوي الإعاقة في سوق العمل القطري”، استعرضت الجهود المكثفة التي يبذلها المركز في سبيل تعزيز ثقافة التوظيف الشمولي في دولة قطر، والنجاحات التي حققها والتحديات التي واجهته في هذا المسعى.
ولمناقشة الدور الذي يصبو المؤتمر العربي للتطوير المهني لأن يقوم به، والإمكانات التي يتيحها لخبراء الإرشاد والتطوير المهني على مستوى العالم العربي، التقينا في “دليلك المهني” بالسيد أحمد مصطفى كمال، رئيس ومنظم المؤتمر العربي للتطوير المهني. ويعد السيد كمال أحد روّاد مجال الإرشاد والتطوير المهني على الصعيدين الدولي والإقليمي، ويشغل حاليًا منصب الرئيس المشارك للجنة العلاقات الدولية في الجمعية الوطنية للتطوير المهني بالولايات المتحدة الأمريكية.
ما الأسباب التي دفعتكم لتنظيم المؤتمر العربي للتطوير المهني الأول من نوعه؟
أهمية المؤتمرات في أي مجال تكمن في أنها تمثل مساحة حيوية لتبادل المعارف والخبرات والتعلم من تجارب ذوي الخبرة، كما تشكل فرصة للتواصل وبناء شبكات اتصال بين أهل العلم والمتخصصين في المجال، وكانت هذه هي الأسباب التي دفعتنا لتنظيم النسخة الأولى من المؤتمر العربي للتطوير المهني. وتأتي إقامة هذا المؤتمر من بين الأشياء التي كنت أطمح لتحقيقها منذ توقيعي لاتفاقية تمثيل الجمعية الوطنية للتطوير المهني الأمريكية في جمهورية مصر العربية والعالم العربي عام 2010، وبدأنا التخطيط له على أن يتم تنظيمه في أبريل من عام 2011. لكن تداعيات الأحداث التي شهدتها المنطقة العربية في تلك الفترة، والآثار المترتبة على جائحة كوفيد-19 التي لحقتها، أثرت على خططنا، وتأجل تنفيذ المؤتمر لفترة طويلة.
هل حققت النسخة الأولى أهدافها؟
من وجهة نظرنا كمنظمين، فإن الأرقام التي نتجت عن المؤتمر تُظهر بشكل واضح ما إذا تحققت الأهداف أم لا، وبالتأكيد فإن حضور أكثر من 1000 ممارس ومتخصص مهني، وممثلين عن أكثر من 40 مؤسسة حكومية وغير حكومية، شاركوا بأكثر من 20 ورشة عمل وجلسة حوارية، لهي أرقام مطمئنة بالنسبة لنا توحي بنجاح النسخة الأولى من المؤتمر وأنه قد أوفى بغرضه، وتشجعنا على المضي قدمًا في التخطيط للنسخ القادمة. أما من منظور شخصي كممارس ومهتم بالمجال، فقد كان حضوري للمؤتمر تجربة ملهمة بالتأكيد.
هل يمكن أن يكون لمجال التطوير المهني دور فاعل في تطوير اقتصادات الدول العربية؟
بدايةً، يجب ألا ننسى أن الفهم الحقيقي لمجال التطوير المهني بحد ذاته يرتبط بقوة بتطوير حياة الإنسان. وبما أن الإنسان هو فرد من مجتمع، والمجتمع جزء من كيان أكبر، فالتأثير الإيجابي على الفرد يؤثر على المجتمع الأصغر الذي يعيش فيه، والذي يؤثر بدوره على المجتمع الأكبر وهو بلده، وعلى المجتمع الإقليمي للمنطقة التي يعيش فيها.
وعليه، يلعب مجال التطوير المهني دورًا كبيرًا في التطور المستدام لاقتصادات الدول العربية نظرًا لارتباطه بشكل أساسي بتطوير الفرد وتطور مجتمعه، وهذا بدوره يؤثر على اقتصاد الدولة بشكل مباشر لأن الإنسان هو العنصر الأساسي في الاقتصاد، وتحسين مهاراته وتطوير قدراته يسهم في زيادة الإنتاجية وتعزيز الابتكار، مما يؤثر بشكل إيجابي على الاقتصاد الوطني.
هل هناك تفاوت بين الدول العربية فيما يتعلق بالاهتمام بهذا المجال وتطويره؟
نعم، هناك تفاوت كبير بين الدول العربية فيما يتعلق بالاهتمام بمجال التطوير المهني وتعزيزه. يعود هذا التفاوت إلى عدة عوامل، منها عدم وجود وعي موحد تجاه أهمية التطوير المهني وفوائده، فهو بالنهاية علمٌ حديث نسبيًا، ويُؤخذ بنسبة كبيرة حاليًا من مصادر أجنبية، مما يعني أن عملية توطين المعرفة وترجمتها تشكل عقبات أساسية. بالإضافة إلى ذلك، هناك اختلاف في الاحتياجات وفي السياسات التعليمية والاقتصادية بين الدول، مما يؤثر على مدى التركيز على تطوير المهارات والقدرات المهنية للعاملين. من الضروري توحيد المفاهيم وتطوير استراتيجيات واضحة لتعزيز مجال التطوير المهني في الدول العربية، وذلك لتحقيق نتائج أفضل وتعزيز التنمية المستدامة في المنطقة.
ما أبرز تحدٍّ يواجه مجال التطوير المهني في المنطقة العربية؟
التحديات التي تواجه هذا المجال كثيرة للغاية وقد لا نستطيع حصرها، لكن دعونا نتحدث عن أبرزها. في الأساس، يأتي التحدي الأهم من عدم الفهم الصحيح والحقيقي لمفهوم علم التطوير المهني. وهنا يكمن التركيز على كلمة “علم”، لأن العلوم تختلف عن التطبيقات والممارسات التجارية. وبالتالي، قد ينظر بعض الأفراد إلى هذا المجال على أنه مجرد وظيفة أو مهنة للحصول على مكاسب مالية. وليس لدينا مشكلة بهذا النهج، بل على العكس، ندرك تكلفة الاستثمار في التعليم والتطوير وأهمية تحقيق عوائد مادية. ومع ذلك، يجب ألا يقتصر هذا النهج على الربح المادي فقط. فإذا تحول النهج إلى سبيل للحصول على المكاسب المادية فقط، سيؤثر ذلك بشكل كبير على جودة المجال. بالتالي، يصبح من الضروري تعزيز الوعي والفهم الحقيقي لمفهوم وأهمية التطوير المهني. هذا بالتأكيد يُعتبر واحدًا من أبرز التحديات. ولدينا تحدٍ آخر يتمثل في الجهود المنفردة، ولقد لاحظنا هذا بشكل كبير خلال المؤتمر. فالدول والجهات داخل تلك الدول يعملون في جزر منفصلة. هذا التفرد يؤثر سلبيًا على تنمية المجال وتطويره. لذلك، يجب أن يتم تعزيز التعاون والشراكات لضمان نمو وتأثير أوسع لمجال التطوير المهني في المجتمع العربي، وفي الحقيقة هذه أحد أسباب إقامة المؤتمر في المقام الأول.
ما الذي تطمحون لتحقيقه على المدى الطويل من خلال تنظيم هذا الحدث؟
من الأهمية بمكان زيادة وعي المجتمع العربي بأسره حول ماهية التطوير المهني وكيفية الاستفادة منه، دون الاقتصار على الممارسين والمسؤولين وحسب. يجب أن يدرك الأفراد متى ولماذا يحتاجون خدمات التطوير المهني ومحترفيه الذين يمكنهم مساعدتهم في كل مرحلة وتحدٍ. هذه المفاهيم يجب أن تصبح جزءًا من الثقافة العامة. ومن جهة أخرى، يجب تطوير كيانات عربية مسؤولة عن توجيه وتفعيل مجال التطوير المهني ومراعاة احتياجات المجتمع والتطورات الدولية.
هل تم تحديد موعد ومكان النسخة المقبلة من المؤتمر؟
بعد نجاح النسخة الأولى، نهدف إلى أن يُعقد المؤتمر بشكل سنوي. وهناك هدف آخر يتمثل في تنظيم فعاليات ثانوية على مدار العام. ليس من الضروري أن تكون بحجم وسعة المؤتمر، وذلك نظرًا لطبيعة وصعوبة البدايات، حيث قد تواجهنا صعوبات في تأسيس الهيئات المسؤولة عن هذا الأمر. وسيعتمد هذا على التزام الدول الراعية، على سبيل المثال، جمهورية مصر العربية رعت النسخة الأولى، ونعمل حاليًا مع بعض الجهات في مصر وبعض الدول العربية الأخرى لدراسة الجدوى والنتائج المستقبلية لتنظيم مؤتمر آخر في عام 2024. وبالطبع سيكون هذا مرتبطًا بتطورات الأحداث والظروف. وسيتم تحديد تاريخ لانعقاده على أساس مراجعة التقدم وتقدير الإمكانيات.
هل ترغب في إضافة كلمة ختامية؟
هناك نقطة مهمة جدًا أرغب في التأكيد عليها، وقد ذكرتها مسبقًا عدة مرات، وهي ضرورة زيادة الوعي وتعزيز الترابط والتكامل بيننا كخبراء. على الرغم من أننا كنا من أبرز الأفراد النشطين في هذا المجال منذ بداياته عام 2002، ولدينا فهم شامل للوضع في الدول العربية، إلا أنه من الرائع أن نكتشف التطورات في بعض الدول التي لم نكن نعلم عن جهدها في هذا المجال شيئًا. لاحظت شخصيًا أهمية الجلسة التي قدمتها قطر خلال المؤتمر حول التعامل مع الحالات الخاصة والإعاقات. كانت مشاركةً ملهمة وجديرة بالاهتمام. ويجب أن تُنشر الخبرات والجهود المبذولة في كل دولة للعالم خارج حدودها. من المثير للإعجاب مشاركة قطر لنا في هذه التجربة، وتعاون ممثليها مع الجهات الأخرى، وتعد خطوة إيجابية نحو المزيد من التعاون والتواصل بيننا، ما يُبرز أهمية الترابط والتكامل بين جهودنا الوطنية المتنوعة. ونود أن نشكر قطر ومركز قطر للتطوير المهني على استجابتهم السريعة للمؤتمر العربي، وعلى وجودهم وتعاونهم الذين شكلا دعمًا لهذا المجال وإضافةً قيمةً له، سواء على مستوى دولة قطر أو العالم العربي ككل، بل وحتى على المستوى الدولي.


