آبي فينكيناور: مناقشات لمستقبل أفضل

آبي فينكيناور 

المبعوثة الخاصة لشؤون الشباب الدولية في وزارة الخارجية الأمريكية 

حوار حصري حول تمكين الشباب نحو مستقبل أفضل لعالمنا، وأهمية الحوار العابر للثقافات، وأسرار النجاح في مجال الخدمة العامة. 

شباب اليوم قادة الغد“.

جملةٌ خالدة قالها الزعيم الجنوب أفريقي الراحل نيلسون مانديلا أثناء زيارة قام بها عام 1990 إلى إحدى المدارس في مدينة بوسطن الأمريكية. كان المناضل السياسي الحاصل على جائزة نوبل للسلام حينها يلقي خطبةً على مجموعة من الطلبة يحثهم خلالها على الاهتمام بالدراسة، مشددًا على أهمية التعليم ودوره في تكوين أجيال قادرة على بناء مستقبل أفضل لعالمنا. 

وفقًا لتقديرات الأمم المتحدة في عام 2015، بلغ عدد الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين سن العاشرة والرابعة والعشرين في العالم ما يقارب 1.8 مليار شخص، وهناك إحصاءات أحدث من منظمات دولية تؤكد أن أكثر من نصف سكان العالم الآن تحت سن الثلاثين. لم يسبق أن رأى العالم على مر تاريخه مثيلًا لتلك الأعداد من الشباب. ومثل هذا الأمر من المفترض أن يبعث على التفاؤل، بما أن الشباب هم عماد التنمية الاقتصادية والاجتماعية في أي دولة في العالم كما أنهم بكل تأكيد من سيقودون العالم في المستقبل، إلا أن الواقع مختلف إلى حد كبير. 

التعليم ليس إلا واحدة من القضايا المؤثرة في حياة الشباب حول العالم، وبطبيعة الحال، تختلف القضايا والتحديات المصاحبة لها من منطقة لأخرى. فحين ذكر مانديلا هذه المقولة الشهيرة كان يشير إلى مشكلة تسرب الشباب من التعليم في المدارس الأمريكية، بينما التحدي الأكبر لأقرانهم في دول أخرى قد يكون نيل فرصة تعليم جيد أو حتى العثور على مدرسة لالتحاق بها. وهذا التفاوت الكبير في التحديات يظهر كذلك من خلال قضايا مشتركة يواجهها شباب العالم مثل البطالة والمساواة في الحصول على خدمات الرعاية الصحية، كما أن بعضهم يواجه تحديات من نوع مختلف ترتبط بالمناطق التي يعيشون فيها، مثل العنف والحروب والظروف الاقتصادية الصعبة. 

تضع تلك التحديات مسؤوليات هائلة على عاتق الحكومات التي من المفترض أن تعمل على دعم هذه الفئات العمرية من خلال الاستثمار في التعليم والصحة، ووضع السياسات والاستراتيجيات التي تمكنهم من بناء مستقبل يتماشى مع تطلعات الشباب وقدراتهم، وتمنحهم فرصًا حقيقية للإسهام في بناء اقتصادات بلدانهم. ولكي يتحقق ذلك، لا بد أن ينجح الشباب في تجاوز التحدي الأهم؛ ألا وهو أن يكون لهم دورٌ حقيقيٌ في عملية صنع القرارات التي تؤثر في مستقبلهم. فتمثيل الشباب في مراكز صنع القرار، وفي المناصب القيادية على المستوى السياسي، محدود في معظم دول العالم. إذًا، كيف يمكن أن يتحقق ذلك؟ وهل يمكن للشباب إحداث تأثير حقيقي بالفعل إذا مُنحوا الفرصة؟ ما سبل تمكينهم؟ وما الذي يحتاجون لفعله؟ 

ناقشنا تلك التساؤلات وقضايا متنوعة مع السيدة آبي فينكيناور، المبعوثة الخاصة لشؤون الشباب الدولية في وزارة الخارجية الأمريكية، خلال زيارتها إلى العاصمة القطرية الدوحة من أجل الاجتماع مع مجموعة من الطلبة الذين شاركوا في أحد برامج التبادل الطلابي الخاصة بمبادرة الشراكة الأمريكية الشرق أوسطية. 

ورغم أنها ما زالت في سن الخامسة والثلاثين، لدى فينكيناور مسيرة طويلة وملهمة في الخدمة العامة والسياسة والعمل الدبلوماسي، وقد أتاح لها منصبها بصفتها ممثلة رسمية لمكتب شؤون الشباب الدولية التابع لوزارة الخارجية الأمريكية لقاء الشباب من مختلف أنحاء العالم والاستماع لقصصهم وطموحاتهم وأحلامهم والتحديات التي يواجهونها. 


كل
قضية عالمية هي قضية شبابية 

ترى فينكيناور أن كل قضية عالمية هي قضية تمس الشباب، سواء كانت تخص التعليم، أو التغير المناخي، أو البطالة، أو غيرها من القضايا، وأن ذلك يوجب علينا التأكد من أن أصوات الشباب في جميع تلك القضايا مسموعة، حيث قالت: “كل صوت من أصواتهم مهم. لا تقلل أبدًا من قدرة صوت واحد في مكان ما في العالم على إحداث الفارق. أرى ذلك يحدث في العديد من الأماكن. لنأخذ قضية التغير المناخي مثالًا؛ ما أدركته من خلال عملي أن بعض أفضل الأفكار في مواجهة التغير المناخي أتت من الشباب على الأرض، وليس من الحكومات. نحتاج لتعاون الجميع ولجهود الشباب في مواجهة التحديات العالمية. الشباب العالمي قادر على أن يقوم بدور حاسم في الوصول إلى حلول يمكن أن تنقذ عالمنا“. 

بطبيعة الحال، تتيح منصات التواصل الاجتماعي للشباب اليوم مساحة لإيصال أصواتهم للجميع. لكن تبقى هناك بعض العوائق التي قد تجعل بعضهم يتردد أو يتراجع عن مشاركة أصواتهم ورؤاهم. يأتي على رأس هذه العوائق رسائل الكراهية التي أصبحت معظم المنصات تعج بها. تنصح فينكيناور الشباب بألا يسمحوا لمثل تلك الأمور بأن تحبطهم أو تثبط من عزيمتهم، وبأن يحرصوا على أن يستخدموا وسائل التواصل الاجتماعي بهدف إحداث تغيير حقيقي وجمع الناس حولهم من أجل أهداف إيجابية بناءة، وتضيف: “لحث الشباب على الإقدام والمشاركة بإيجابية في القضايا العالمية، ومن أجل أن نضمن الاستماع إلى أصواتهم، نحتاج إلى بذل جهد أكبر في سبيل توفير بيئة مناسبة تضمن سلامتهم. ويتطلب ذلك جهود أكبر من الحكومات ومن المجتمع المدني“. 

ولدت فينكيناور لأسرة من الطبقة العاملة في شيريل، وهي مدينة صغيرة تقع في شرق ولاية آيوا، إحدى ولايات منطقة الغرب الأوسط في الولايات المتحدة الأمريكية. أحبت القراءة وكانت دومًا شغوفة بمعرفة آخر أخبار الشؤون العالمية والسياسة. وحينما لاحظ والداها ذلك، لم يتوقفا عن دعمها وتشجيعها حتى أصبحت أول فرد من عائلتها يحصل على شهادة جامعية بتخرجها في جامعة دريك بدرجة البكالوريوس في العلاقات العامة. 

كانت الفتاة الشابة تعلم جيدًا ما تريده وهو خوض مسيرة مهنية في الخدمة العامة، ما دفعها للدراسة في جامعة دريك بمدينة دي موين عاصمة ولاية آيوا، لتبقى قريبة من مجتمعها المحلي ولتبحث في الوقت نفسه عن فرص للاقتراب من حلمها، وهو ما نجحت بالفعل في تحقيقه بعد سنوات من العمل الجاد والعديد من المحاولات. 

في عام 2015، أصبحت فينكيناور عضو مجلس نواب ولاية آيوا في سن الخامسة والعشرين. وبعد ذلك بأربعة أعوام، دخلت التاريخ حين انضمت لمجلس النواب الأمريكي لتصبح أصغر سيدة تمثل ولاية آيوا، وثاني أصغر سيدة تُنتخب لعضوية مجلس النواب الأمريكي. 

عُرفت فينكيناور خلال مسيرتها بدعمها لقضايا حيوية مثل المساواة في الأجور، والتعليم العام، وتمويل تطوير البنى التحتية، وحقوق التصويت، وتؤمن بأن مجالات الخدمة العامة والسياسة والعلاقات الدولية جميعها بحاجة ماسة لمشاركة المزيد من الشباب لأن أصواتهم قادرة على إحداث فارق هائل؛ لكنها تهيب بمن يرغب في تحقيق النجاح بهذه المجالات أن يجعل دافعه الأساسي هو مساعدة المجتمع، وليس نيل الشهرة أو المكانة الاجتماعية المصاحبة للمناصب العامة. 

تقول السياسية الأمريكية: “كنت أريد القيام بعمل حقيقي يعود بالنفع على الأشخاص الذين أهتم بهم. كنت أرغب في رد الجميل لمجتمعي وعائلتي وأصدقائي، وأن أثبت للشباب في المجتمعات الصغيرة أن باستطاعتهم أن يروا أنفسهم ممثلين في الحكومة وأن يشاركوا ويندمجوا في الخدمة العامة، وأن يسهموا بشكل إيجابي في إحداث فارق.” 


انفتح
على التغيير 

في كل مكان حول العالم، يواجه الشباب ضغوطًا هائلة عند التخطيط لمساراتهم المهنية. فعالم العمل يتغير بوتيرة سريعة لأسباب عديدة في مقدمتها التأثير الهائل للتقنيات الناشئة. هناك مهن يبدو مستقبلها غامضًا، في الوقت الذي تبرز فيه كل عام مهن وتخصصات جديدة. لذلك تعتبر فينكيناور أفضل طريقة لمساعدة الشباب على اختيار المسارات المهنية الأنسب لإمكانياتهم وطموحاتهم هي التأكد من اطلاعهم على كافة المسارات المهنية والفرص المتاحة أمامهم بالتزامن مع انفتاحهم على حقيقة مهمة، وهي أنهم قد يحتاجون إلى تغيير مسارهم المهني في مرحلة ما خلال رحلتهم المهنية أو حتى التعليمية، وخاصة إذا اكتشفوا مجالًا يجذب اهتمامهم ويعتقدون أن بإمكانهم النجاح فيه. 

توضح فينكيناور: “نحتاج لتشجيع الشباب على التفكير الإبداعي، وتوفير البيئة المناسبة لهم لاستكشاف جميع المسارات المهنية المرتبطة باهتماماتهم، حتى لو تطلب ذلك كسر الحواجز التقليدية في تلك المجالات، أو لم يسبق لهم رؤية شخص في ظروف مماثلة لظروفهم يحقق النجاح فيها. يجب أن يثقوا في قدرتهم على الريادة وفي استطاعتهم بأن يكونوا أول من ينجح في ذلك؛ وأن يعلموا أن المهنة التي من المحتمل أن يُبدعوا فيها مستقبلًا قد لا تكون قد ظهرت بعد“. 

وتضيف: “لقد اختبرت ذلك بنفسي. فحينما كنت في العاشرة من عمري لم يكن العمل في السياسة والانضمام إلى الكونجرس مسارًا تقليديًا أراه أمامي كل يوم. لم أكن أتخيل أن ذلك سيحدث لي قبل أن أبلغ 30 عامًا من العمر. وخلال مسيرتي حرصت فقط على الاستفادة من الفرص التي أُتيحت أمامي رغم أني لم أكن أرى بوضوح إلى أين ستقودني، لكني كنت أعرف سبب قيامي بكل خطوة، وهكذا واصلت التعلم والنمو“. 


قوة
الحوار 

يبدي الكثير من الشباب اهتمامًا بمجالات معينة، لكنهم يفتقرون لمعرفة كيفية دخولها، أو ربما يرونها بعيدة المنال لسبب ما. وتنصح فينكيناور أولئك الشباب بالبحث عن فرص للتعلم والانخراط في المجال الذي يرغبونه، سواء من خلال التدريب أو التطوع، أو حتى مجرد حضور أي حدث أو فعالية مرتبطة به. كما توصيهم بالبحث عن ذوي الخبرة في تلك المجالات وطلب النصح والإرشاد منهم. 

وحول تلك النقطة تقول فينكيناور: “لا تخشوا السعي خلف المشورة. ابدأوا بالتحدث مع ذوي الخبرة، ووجهوا لهم الأسئلة واطلبوا منهم النصح أو حتى الإشراف. وستُفاجؤون في معظم الأحيان بمدى حماس الكثيرين لمشاركة معارفهم وخبراتهم، واستعدادهم لمساعدتكم ودعمكم حتى تصلوا إلى ما تريدونه وتنجحوا في مساراتكم المهنية، خاصة إن كانوا شغوفين بمجالات عملهم. وبالطبع من وقت لآخر، قد تواجهون أشخاصًا غير ودودين وغير مستعدين لمشاركة خبراتهم، لا تدعوهم يثبطون عزائمكم أو يحبطوكم، تجاوزوا مشاعركم السلبية وحاولوا مع أشخاص آخرين“. 

تعلم فينكيناور جيدًا أثر الانخراط بالنقاشات وأهمية إتقان الشباب منهجيات الحوار البنّاء مع الآخرين، وأن تعليم الشباب هذه السبل في سن مبكرة سوف ينعكس إيجابًا على قدرتهم على النقاش والحفاظ على عقول منفتحة. فحينما كانت طفلة صغيرة، كانت عائلتها تشركها بالنقاشات الجادة مع بقية أفراد الأسرة والأصدقاء حول طاولة الطعام، وكانوا يتبادلون أطراف الحديث عن كل ما يخص المجتمع والسياسة، وشكلت تلك الأمسيات الثرية دافعًا لها للعمل في المجال السياسي، كما تعلمت منها درسًا مهمًا على حد قولها: “تعلمت أنه من الوارد أن تختلف آراؤنا، لكن ذلك لا يفسد للود قضية، ويجب ألا يؤثر في احترامنا لبعضنا البعض. إنها حقيقة ظلت راسخة في ذهني طوال مسيرتي المهنية، ومكنتني من العمل مع أشخاص قد لا يتفقون مع كل ما أؤمن به، لكنهم ظلوا على استعداد للوصول إلى أرضية مشتركة“. 

تعتبر فينكيناور البرامج التي تجمع الشباب من مختلف أنحاء العالم لمناقشة قضاياهم المحلية ضرورية؛ ليس لصالح الشباب أنفسهم وحسب؛ بل من أجل العالم أجمع، حيث توضح: “يسهل على الشباب إيجاد القواسم المشتركة بينهم حينما يتشاركون قصصهم وتجاربهم الشخصية على الرغم من تنوع خلفياتهم الثقافية واختلاف التحديات التي يواجهونها. ويسهم ذلك في تعزيز التفاهم بينهم، كما يساعد في كسر الصور النمطية والحواجز. وفي كثير من الأحيان، يقدمون أفكارًا رائعة قد توفر حلولًا إبداعية لمشكلات تعاني منها مناطق مختلفة لم يسبق لهم العيش فيها. ولذلك، يجب علينا أن نواصل تمكينهم نحو المزيد من التفاعل والتواصل، وهو أمر بالغ الأهمية في تحقيق مستقبل أفضل لعالمنا“. 


ملاحظة
 

يُعنى مكتب شؤون الشباب الدولية بإدارة وتنسيق برامج متعلقة بالشباب تشمل مجموعة واسعة من المبادرات التي تستهدف تمكين الشباب حول العالم من خلال التعليم وتنمية المهارات القيادية والمشاركة المدنية. ومن بين تلك المبادرات مبادرة الشراكة الأمريكية الشرق أوسطية التي تعمل على تعزيز الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من خلال دعم منظمات المجتمع المدني، وتمكين الشباب وحقوق المرأة، إلى جانب التنمية الاقتصادية، وذلك عبر توفير المنح وبرامج التدريب والشراكات. للمزيد من المعلومات حول مبادرة الشراكة الأمريكية الشرق أوسطية، يرجى زيارة الرابط التالي: https://mepi.state.gov/ar/  

وللتعرف على جميع البرامج والمبادرات التي يقدمها مكتب شؤون الشباب الدولية، يرجى زيارة الرابط التالي: اضغــط هنــا