الشمولية من صفات الإدارة الرشيدة

كثيرًا ما تُطرح الشمولية في بيئات العمل باعتبارها مفهومًا عامًا أو قيمةً نظرية مُجردة، لكنها في جوهرها أكثر بساطة ووضوحًا من ذلك، وتتلخص بالسؤال الآتي: هل نوفر لكل شخص الظروف التي يحتاجها لتحقيق النجاح؟

لا يستطيع أحد تقديم أفضل ما لديه في بيئة لا تناسبه، أو تُحبط إنتاجيته؛ فهنالك من يحتاج إلى مساحات عمل هادئة يستطيع التركيز ضمنها، وهنالك من يعمل بصورة أفضل حين تكون مهامه واضحة ومُحددة، أو حين تتوفر له بيئة عمل مرنة أو أسلوب تواصل أكثر صراحة وشفافية. ومن هذا المنطلق، فإن دعم الموظفين من ذوي التوحّد من خلال تهيئة ظروف العمل المناسبة لهم لا يُعد معاملةً استثنائية، بل هو جزء من مهام أي إدارة جيدة تسعى إلى تمكين كل فرد ليقدم أفضل ما لديه.

وبمناسبة شهر التوعية بالتوحد، يسلّط مركز قطر للتطوير المهني الضوء على هذا الجانب العملي من الشمولية: تلك القرارات اليومية البسيطة التي تجعل بيئات العمل أكثر مرونة وأقدر على استيعاب مختلف القدرات وتمكنهم من الإسهام بفاعلية.

تلافي الإرهاق الحسي

قد تجعل المؤثرات الحسية المتكررة، كالأصوات العالية أو الإضاءة الحادة أو الحركة المستمرة، يوم العمل أكثر إرهاقًا لبعض الأشخاص من ذوي التوحّد، ما ينعكس حتمًا على تركيزهم وراحتهم، وعلى قدرتهم على مواصلة العمل بالشكل الأمثل. ومن هنا، يمكن لتعديلات بسيطة مثل السماح باستخدام السماعات العازلة للضوضاء، أو توفير مساحات عمل هادئة بإضاءة أقل حدّة، أن تُحدث فارقًا حقيقيًا في مستوى الراحة والثقة والقدرة على الإنجاز.

توفير بيئة مستقرة

يقدّم الكثير من ذوي التوحّد أداءً أفضل حين تكون المهام المطلوبة منهم واضحة، وحين يسير العمل ضمن إيقاع جليّ ومُتوقّع. ولذلك، يفضلون وجود آليات ناظمة للعمل، وجداول زمنية مستقرة، ومشاركة أجندات الاجتماعات مسبقًا، إلى جانب المتابعة المنتظمة والتواصل الواضح، فكلها عناصر تساعدهم على تجنب الغموض في التوقعات وتلافي التوتر، وتمكنهم من الاستعداد والمشاركة والعمل بثقة أكبر.

التحلي بالمرونة

لا يُتقن الجميع العمل بالطريقة نفسها. وينطبق ذلك خصوصًا على ذوي التوحّد الذين يعملون بصورة أفضل حين نوفر لهم ما يكفي من المرونة لنراعي طريقة عملهم واحتياجاتهم. قد يشمل ذلك نُظُم عمل من المنزل أو هجينة، أو أساليب تواصل مختلفة عن المُعتاد، أو مجرد المرونة في كيفية تنظيم مهامهم وإدارتها. وهذه التعديلات، على بساطتها، كفيلة بأن تزيل العوائق أمام قدرتهم ورغبتهم بالمساهمة المُستدامة والفاعلة في عمل الفريق.

ترجمة الشمول إلى خطوات عملية

تكون الشمولية أعمق أثرًا حين تتجاوز عتبة النوايا الحسنة والاجتهادات الفردية، لتُصبح سياسات راسخة ضمن المؤسسة تتجلى في ممارساتها اليومية وثقافتها الداخلية. وعندما تكون الأنظمة وأساليب الإدارة وإجراءات إدارة الموارد البشرية والبيئة المهنية عمومًا أكثر تفهمًا ومرونة، يغدو ذوو التوحّد أكثر قدرة على المساهمة، بل والنجاح، دون أن يضطروا باستمرار إلى شرح احتياجاتهم أو المطالبة بها.

فالعدالة في بيئة العمل لا تتحقق من خلال معاملة الجميع بالطريقة نفسها، بل من خلال العمل على أن يكون لكل شخص الظروف التي تساعده على النجاح. وهذا ليس تفضيلًا لأحد على أحد، بل هو ممارسة إدارية رشيدة، ومن أكثر الطرق وضوحًا لتحويل الشمولية من مبدأ نظري إلى ممارسة يومية ملموسة. وبالنسبة لأصحاب العمل ومديري الفرق، فإن البداية تكمن في طرح سؤال بسيط لكنه جوهري: ما الظروف التي تساعد كل فرد على تقديم أفضل ما لديه؟ وكيف يمكن تهيئة بيئة العمل لدعمه بشكل أفضل؟