تغلب على التوتر

دليلك السريع للتغلب على التوتر

اقترب موعد الاختبارات وبدأت تشعر بالقلق؟ تطمح إلى درجات تؤهلك للالتحاق بالجامعة التي تتمناها أسرتك، لكن الوقت المتبقي للدراسة لا يكفي لمذاكرة المنهج كاملًا؟ تحاول الاجتهاد لتعويض ما فاتك، فإذا بك تسوّف وتفقد التركيز وتقضي وقتًا أطول على وسائل التواصل الاجتماعي، ويساورك الأرق وتفقد شهيتك. تلك بعض الأعراض الشائعة للتوتر. في البداية، يجب أن تعلم أن التوتر شعور طبيعي يمر به معظم الناس عندما يواجهون متطلبات تتجاوز قدراتهم الذهنية أو

الجسدية أو المادية، أو عندما يستشعرون تهديدًا أو خسارة محتملة لشخص قريب أو شيء مهم، أو عند التأخر في اتخاذ خطوة أو قرار مهم. وسبب التوتر في الحالة التي ذكرناها مطلع مقالنا هو ضغط الدراسة، أو ما يعرف بالتوتر الدراسي، لكنه قد ينشأ لأسباب أخرى عديدة؛ لذا يجب التعامل معه بحيث تحافظ على توازنك وفاعليتك، أو بمعنى آخر: “إدارته”.

لماذا تحتاج إلى إدارة التوتر؟

إهمال التوتر قد يؤدي إلى مشاكل خطيرة. يبدأ الأمر بتأثيره في قدرتك على أداء مهامك اليومية وفقدان التركيز، ثم ينعكس سلبًا على جودة حياتك وعلاقاتك الاجتماعية. وإذا طال أمده يرهق البدن؛ فالضغوط النفسية تحفز الجسم على إفراز كميات أكبر من هرمونات التوتر، مثل الكورتيزول والأدرينالين، كاستجابة للضغط، وهو ما ينهك أجهزة الجسم ويزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب، ويضعف المناعة والجهاز الهضمي. وفي عالمنا اليوم الذي يضج بالتغيرات السريعة والضغوط الحياتية، باتت إدارة التوتر مهارة بالغة الأهمية تُمكنك من حماية صحتك وأدائك وعلاقاتك.

لذلك يجب الانتباه لأي إشارات مبكرة للتوتر، وتشخيص أسبابه، ثم اتخاذ خطوات عملية للسيطرة عليه وإدارته. وعلامات التوتر كثيرة ومختلفة، كما يختلف رد الفعل تجاهها من إنسان لآخر تبعًا لشدة الضغوط النفسية التي يتعرض لها، ومستوى التهديد الذي يشعر به، والسبب الكامن وراء التوتر، حيث يمكنك أحيانًا تفادي التوتر بتجنب مسبباته، ولكن في حالات أخرى ستضطر إلى مواجهته مباشرة، وهنا لا بدّ من إدارته بمرونة ووعي.

أعراض شائعة للتوتر

جسدية

  • الإرهاق
  • الصداع
  • الأرق
  • ضيق التنفس
  • الرجفة
  • عسر الهضم

ذهنية وسلوكية

  • التشتت
  • الملل
  • التسويف والمماطلة
  • تراجع الإنتاجية
  • فقدان الشهية
  • الإفراط في الأكل

عاطفية واجتماعية

  • القلق
  • تقلبات المزاج
  • نفاد الصبر
  • الانعزال
  • الشعور بالذنب
  • الإحباط

كيف يمكنك مواجهة التوتر

ولنساعدكم على التعرف أكثر على أثر التوتر في صحتنا النفسية، التقينا السيد عمار كريم، أخصائي علم النفس السريري، وناقشنا معه موضوع التوتر، وأسبابه، والسبل الناجعة للتعامل معه.

كما تحدثنا مع السيد كريم عن أهمية الصحة النفسية عمومًا، وكيفية التمييز بين التوتر العابر والحالات الأعمق التي تستدعي دعمًا متخصصًا.

ووقفنا في حديثنا معه عند التوتر الدراسي الأكثر شيوعًا لدى الطلبة كالقلق من الأداء خلال الاختبارات، أو التوقعات المرتفعة التي يفرضها الطلبة على أنفسهم، أو تفرضها أُسرهم؛ وقد يكون السبب هو الخوف من الفشل، أو ضيق الوقت، أو التقصير في الاستعداد للاختبارات.

وعلى الرغم من أضرار التوتر إذا تجاوز حدّه، فله جانب إيجابي كما أوضح كريم: “مواجهة التوتر أمر لا مفرّ منه، وهو مفيد إذا بقي ضمن الحدود المناسبة.

فإذا تجاوز حده أصبح مربكًا ومنهكًا، وقد يضر بالصحة وبالقدرة على التعلم. أما إذا كان معدومًا أو منخفضًا للغاية، فقد يؤدي إلى الشعور بالملل وفقدان الدافع.

لذلك يحتاج الطلبة إلى قسط من التوتر يكفي لتحفيزهم على المذاكرة أو أداء المشاريع قبل موعد تسليمها، دون الانزلاق إلى مستويات تفضي بهم إلى الإنهاك أو الشعور بالاحتراق”. ومن واقع خبرته الطويلة في التعامل مع الطلبة، يقترح كريم ثلاث ركائز عملية ومثبتة علميًا لإدارة التوتر:

1- إدارة الوقت

تبين الأبحاث أن الطلبة الذين يدرسون بأسلوب منظم، ويحددون أهدافًا واقعية يمكن تحقيقها، يتمتعون بصحة نفسية أفضل ومستويات توتر أقل. لذا عليك إدارة وقتك قبل أي شيء آخر.

وانتبه: عبارة إدارة الوقت مضللة بعض الشيء، لأننا لا “ندير الوقت” نفسه، بل ندير أنفسنا وجهدنا وأولوياتنا خلال الوقت المتاح. وبذلك تكون الخطوة الأولى هي أن تضع أهدافًا قابلة للتحقيق، وأن تتبع خطة مذاكرة منظّمة لتحقيقها. ومن الأدوات العملية التي أستخدمها مع الطلبة “مصفوفة آيزنهاور”، وهي منهجية تحسن قدرتهم على اتخاذ القرارات حول ما يستحق التنفيذ الآن، وما يمكن تأجيله.

تُصنف المهام في مصفوفة آيزنهاور وفق بعدين: مهام “عاجلة / غير عاجلة”، و”مهمة / غير مهمة”.

كثيرًا ما يركز الطلبة على أنشطة ليست عاجلة ولا مهمة، تستهلك وقتهم بلا عائد؛ بينما ينبغي أن ينصب تركيزهم على ما هو عاجل ومهم معًا، ثم على ما هو مهم وغير عاجل، وهكذا.

فعلى سبيل المثال، الاستعداد للاختبارات والعمل على إنجاز المشاريع هي أمور عاجلة ومهمة، ويجب منحها الأولوية. لكن في الوقت نفسه يجب تخصيص واستثمار بعض الوقت في الأمور المهمة غير العاجلة، مثل الارتباطات العائلية، والصداقات، وتطوير الذات، وممارسة الرياضة والهوايات، لأن إهمالها سينعكس سلبًا على صحتك النفسية وتقديرك لذاتك على المدى البعيد.

ما الذي يفاقم التوتر؟ الانشغال بما يبدو عاجلًا وليس مهمًا حقًا، وهو ما يمكن أن نسميه “إخماد الحرائق”: مثل الرد على بريد إلكتروني، أو الاستجابة لمقاطعات الآخرين، أو إجراء مكالمة. يجب التقليل من هذه المهام بقدر الإمكان.

يأتي بعد ذلك قسم آخر غير مفيد ويبدّد الوقت بلا عائد، مثل الإفراط في ألعاب الفيديو، وتصفح وسائل التواصل الاجتماعي، والمكالمات غير المهمة. وغالبًا ما ينتهي الأمر بالطلبة الذين ينزلقون نحو هذه الأمور باستهلاك طاقتهم وشعورهم بالإنهاك.

الخلاصة: الخطوة الأولى لإدارة التوتر هي أن تتعلم إدارة وقتك بوعي عبر تحديد القيمة الفعلية لكلّ من مهامك، بحيث تمنح الأولوية لما يصنع فارقًا فعليًا في دراستك وحياتك.

2- النشاط البدني والذهني

ممارسة الرياضة بانتظام من الاستراتيجيات الأساسية في إدارة التوتر، وهناك أبحاث عديدة تدعم ذلك؛ فمثلًا، خلُصت دراسة نُشرت عام 2014 في مجلة “سبورتس ميديسن” إلى أن من يمارسون التمارين بانتظام ينخفض مستوى الكورتيزول لديهم، ولديهم قدرة أكبر على تنظيم عواطفهم والتحكم بانفعالاتهم.

كما تخلصك الرياضة من التوتر المتراكم، وتُعتبر طريقة صحية للاستفادة من فائض الطاقة. لا يُشترط لتستفيد أن تمارس رفع الأثقال، عليك فقط أن تتحرك؛ مارس المشي أو الركض، أو رياضة جماعية، أو أي نشاط تفضله ويناسب عمرك وقدراتك البدنية؛ والمهم أن تجعله جزءًا ثابتًا من روتينك.

الأنشطة الذهنية كذلك ضرورية؛ والقراءة تحديدًا من العادات المهمة التي ينبغي أن تدرجها ضمن أنشطتك، إذ أثبتت دراسة أجرتها جامعة “ساسكس” البريطانية عام 2009 أن القراءة لمدة ست دقائق يوميًا يمكنها خفض مستويات التوتر بما يقارب 70 في المئة.

أود كذلك أن أشير إلى أهمية تدريبات “اليقظة الذهنية” التي تُعتبر أداة فاعلة في إدارة التوتر. يمكنك أن تبدأ بتدريبات بسيطة مثل التنفس الهادئ أو البطني، والتركيز على كل شهيق وزفير. والهدف هنا هو حصر انتباهك في مسألة واحدة، ومنع التشتت والشرود. لا إفراط في التفكير، ولا قلق، ولا اجترار للماضي؛ فقط الحضور في اللحظة.

3- اتباع أسلوب حياة متوازن

ابدأ بالأساسيات على طريقة هرم “ماسلو” للاحتياجات: قاعدة الهرم هي الاحتياجات البدنية مثل النوم والتغذية، وهي ما يهمله الطلبة كثيرًا، خصوصًا قُبيل الامتحانات عندما يحاولون السهر طوال الليل. بالنسبة للنوم، لا يوجد عدد ساعات صحي موحد للجميع، فبعض الناس يكتفون بست ساعات، وآخرون يحتاجون لثماني ساعات. المهم هو الحصول على قسط كافٍ ومنتظم من الراحة.

ثم تأتي التغذية، فما تأكله يؤثر مباشرة في أدائك. ثمة أطعمة قد تُشعرك بالتعب أو الخمول، وأخرى ترفع مستويات طاقتك وتعدّل مزاجك. وتمامًا كما تختار الوقود الأفضل والزيت الأمثل لسيارتك، جسدك أيضًا يعمل بصورة أفضل مع التغذية عالية الجودة، فاحرص على اتباع نظام غذائي صحي ومتوازن.

وهناك أيضًا الروابط الاجتماعية، والتي لا تقل أهمية عن الحاجات الأساسية، وتشمل مشاعر الانتماء والحب. التواصل المنتظم والهادف مع العائلة والأصدقاء يعزز السلامة النفسية والقدرة على التحمل.

بينما الإفراط في قضاء الوقت على وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن يُضعف الروابط الحقيقية، ونحن اليوم نعيش عصر الأصدقاء عبر الإنترنت، الذين غالبًا ما تكون علاقتنا بهم سطحية.

ربما تمتلك عددًا كبيرًا من المتابعين، لكنك في الغالب لن تعرف أسماء معظمهم، ولن يوفروا لك الفوائد نفسها التي تقدّمها الصداقات الحقيقية. لذلك نادرًا ما ستساعدك الصداقات من ذاك النوع على تجاوز الصعوبات أو مناقشة القضايا الحقيقية.

يعمل البشر عمومًا بصورة أفضل داخل جماعة يشعرون بالانتماء إليها؛ فالإنسان يحتاج إلى تحفيز اجتماعي وتواصل يومي في العالم الحقيقي، ولا شيء يعوض العلاقات الشخصية وجهًا لوجه.

التعامل مع المواقف الصعبة

في حالات كثيرة يكون مصدر التوتر أمرًا خارجًا عن سيطرتنا، مثل فقدان شخص عزيز، أو الإصابة بمرض، أو التعرض للتنمر. التجاهل أو اللامبالاة في هذه الحالات لا يعالجان الألم.

وحول السبل الأفضل للتعامل مع تلك المشاعر، أفاد كريم بأن كبتها أو الهروب منها أمر غير صحي على الإطلاق لأنه قد يؤدي إلى تفاقمها، ويؤدي إلى مشاكل نفسية أعمق، لذلك اقترح التالي: “يجب أن تُفسح مجالًا للحزن، وأن تجد مساحةً آمنةً للحديث عمّا جرى وتتعلم سبل التكيف معه. الهدف ليس نسيان ما حدث، فهناك أمور لا يمكن نسيانها، بل نحتاج إلى التعايش معها ورؤيتها على نحوٍ مختلف. من الضروري أن يتحدث المرء إلى شخصٍ يثق به، مثل أحد أفراد الأسرة أو صديق مقرب؛ فحين لا تتحدّث عمّا يثقل قلبك، سترى الأمور من زاويتك فقط وستظل أسيرًا لأحكامك الخاصة”.

توتر أم مشكلة أكثر عمقًا؟

ولكن كيف نميز بين التوتر العابر والمشاكل التي تتطلب دعمًا متخصصًا؟ كثيرون يستخدمون جمل مثل “أنا مكتئب” أو “أعاني من الوسواس القهري” بناءً على انطباعهم الشخصي ودون تشخيص حقيقي.

وللتفرقة بين التوتر والحالات النفسية الأعمق، ينصح كريم بالانتباه إلى مدة الأعراض التي تحدثنا عنها سابقًا، ومدى ثباتها وشدة تأثيرها، حيث أوضح: “التوتر عادةً ما يكون عارضًا مرتبطًا بموقف محدد وسرعان ما يزول، في حين أن حالات مثل انخفاض المزاج أو الاكتئاب تدوم لفترات أطول بكثير”.

ويضيف كريم: “انتبه للأعراض الجوهرية للاكتئاب، وعلى رأسها فقدان الاهتمام أو المتعة المصاحبة لأنشطة كانت تساعدك في تحسين مزاجك، مثل لقاء الأصدقاء وممارسة الهوايات. ومن العلامات الأخرى كذلك اضطرابات النوم، والتغير في الشهية زيادةً أو نقصانًا.

راقب أداءك اليومي في الدراسة والعمل والعلاقات، فإذا أصبحت هذه المجالات تبدو لك عبئًا مربكًا، فهذه إشارة إضافية، ناهيكم عن أن المصاب بالاكتئاب غالبًا ما يرى نفسه من خلال عدسة قاسية وسلبية، ويشعر أنه بلا قيمة. وإذا استمرت مثل هذه الأعراض لأكثر من أسبوعين، فمن المرجح أن تكون الحالة أعمق من مجرد توتر عابر، وعليه، يُنصح بشدة بالحصول على دعم من متخصص في أقرب وقت ممكن”.

صحة النفس لا تقل أهمية عن صحة البدن

يشيد كريم بالخطوات الكبيرة التي اتخذتها دولة قطر في السنوات الأخيرة لتعزيز الوعي بالصحة النفسية وتخفيف الوصمة التي قد يراها البعض في العلاج النفسي.

وينصح الشباب بمراقبة مشاعرهم بوعي، وعدم التردد في التوجه للعلاج النفسي إذا كانوا يمرون بفترة صعبة ولا يشعرون بالارتياح في مشاركة ما لديهم مع العائلة أو الأصدقاء. واختتم كريم حديثه معنا بالنصيحة التالية: “نحتاج للتعامل مع صحتنا النفسية بنفس القدر من الجدية التي نوليها لصحتنا البدنية، فالعلاج النفسي خطوة استباقية نحو العافية، والصحة النفسية تستحق الأولوية كأي جانب صحي آخر.

التحسن الحقيقي يبدأ من الداخل، وعلى المعالج النفسي أن يوفر لك المساحة الآمنة التي تمكنك من الانفتاح على ذاتك واستكشاف مشاعرك دون إصدار الأحكام المسبقة، وأن يساعدك على رؤية الأمور من زوايا جديدة ومختلفة.

يمكنه مثلًا مساعدتك في بناء ما نسميه “الفلسفة الموجِهة”، وهي مجموعة المبادئ الأساسية التي تقود قراراتك، والتي من خلالها يمكنك أن تعرف الدافع الحقيقي لكل ما تفعله، وأن ترى التحديات بوصفها فرصًا سانحة للنمو، وأن تعتبر الإخفاقات بمثابة دروس للتعلم. وبالتالي، بدلًا من التركيز على الإخفاق ذاته، أو جلد ذاتك واعتبارها هي المشكلة، ستتعلم كيفية توجيهه طاقتك نحو تحسين أدائك وبلوغ إمكاناتك”.