هندسة صيانة الطائرات

هندسة صيانة الطائرات

عندما تستعد للسفر جوًا، ينصب تركيزك بطبيعة الحال على حجز التذكرة، وإنهاء إجراءات السفر، وتجاوز بوابات التفتيش، ثم الصعود إلى الطائرة على أمل خوض تجربة آمنة ومريحة. وخلال هذه الرحلة، تتعامل وجهًا لوجه مع طواقم الطيران والضيافة والطيارين وموظفي المطار.

لكن قلما يخطر ببالك ما يدور خلف الكواليس من جهود دقيقة تبذلها فرق متعددة التخصصات من أجل غاية واحدة: ضمان سلامة رحلتك ووصولك إلى وجهتك بأمان. كل فرد ضمن هذه المنظومة يؤدي دورًا لا يقل أهمية عن الآخر، ويضطلع بمهام دقيقة لا مجال فيها لأي خطأ. سنتعرف في هذا العدد على واحدة من تلك المهن بالغة الأهمية في عالم الطيران: مهندس صيانة الطائرات. يمثل مهندس صيانة الطائرات خط الدفاع الأول في منظومة سلامة الطيران. وتشمل مسؤولياته الأساسية فحص الطائرات بدقة، وتنفيذ أعمال الصيانة الدورية، وإصلاح الأعطال، وذلك حتى يضمن مطابقة جميع أنظمة الطائرة لأعلى معايير السلامة الجوية، وجاهزيتها الكاملة للطيران.

ووفقًا للتشريعات الدولية المنظمة للملاحة المدنية، لا يُسمح لأي طائرة بالإقلاع من أرض المطار ما لم يصادق مهندس صيانة الطائرات رسميًا على صلاحيتها للطيران. ويندرج تحت هذا المسمى مساران تخصصيان رئيسيان: الأول صيانة أنظمة الطيران الإلكترونية وتشمل أنظمة الاتصالات، والملاحة، والتحكم الآلي، والاستشعار. ويركز التخصص الثاني على الجوانب الميكانيكية، بما في ذلك صيانة المحركات، وهيكل الطائرة، ومختلف الأنظمة الميكانيكية والكهربائية. ولكل تخصص منهما مساره التعليمي والأكاديمي التخصصي، إضافة لفترات تدريب إجباري محددة يتعين إتمامها قبل خوض سلسلة من الاختبارات الدقيقة والمقابلات للحصول على التراخيص اللازمة لمزاولة المهنة. وتختلف تلك التراخيص وفق طرازات الطائرات التي سيتعامل معها المهندس، ويتطلب كل منها خوض تدريبات خاصة قبل الحصول على التصنيف المطلوب للعمل على صيانتها.

ورغم ما قد يتصوره البعض عن أن هذه المهنة تعتمد على العمل اليدوي لإصلاح الأعطال وحسب، إلا أن مهندس صيانة الطائرات يتولى الإشراف على فريق مختص من الفنيين، يوجه أعمالهم ويكون مسؤولًا عن إنجازهم لمهامهم بدقة وكفاءة.

ويبدو مستقبل هذا التخصص في دولة قطر واعدًا، خاصة في ظل النمو المتواصل لقطاع الطيران وازدياد الطلب على الكفاءات الوطنية. فإن كنت من محبي الرياضيات والفيزياء، ولديك عقلية تحليلية وشغف بالتكنولوجيا والميكانيكا، فعليك التفكير جديًا في بناء مسيرة مهنية في مجال هندسة صيانة الطائرات.

ولرعاية الجيل القادم من المهندسين القطريين، أطلقت الخطوط الجوية القطرية برنامج الدرب، الذي يقدم منحًا دراسية تشمل سنة تأسيسية لدراسة الرياضيات والعلوم واللغة الإنجليزية (عند الحاجة)، تليها دراسة دبلوم هندسة صيانة الطائرات لمدة 27 شهرًا في أكاديمية قطر لعلوم الطيران. ويحصل الطالب بعد التخرج على تراخيص معتمدة من الهيئة العامة للطيران المدني (QCAA) والوكالة الأوروبية لسلامة الطيران (EASA)، ثم يخوض تدريبًا عمليًا لمدة عامين في مرافق الصيانة التابعة للخطوط الجوية القطرية في الدوحة.

فاطمة المحمدي
مهندسة صيانة طائرات في الخطوط الجوية القطرية

بعد حصولي على شهادة الثانوية العامة، التحقت بتخصص الهندسة الكيميائية، لكني لاحقًا شعرت بأن هذا المسار والتخصص لا يناسبني، ولا يعكس طموحاتي. ناقشت ذلك مع عائلتي، واستشرت بعض أقاربي، فنصحوني باستكشاف تخصصات هندسية أخرى قد تكون أقرب إلى اهتماماتي.

بدأت أبحث عن التخصصات الهندسية المتاحة للدراسة في دولة قطر، ولفت انتباهي تخصص هندسة صيانة الطائرات لما رأيت فيه من توازن بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي، وبيئة العمل الحيوية التي يتسم بها، وشعرت أنه المجال الأنسب لي، فقررت تغيير مساري التعليمي والتحقت عام 2012 بأكاديمية قطر لعلوم الطيران، وكان يُطلق عليها آنذاك كلية قطر لعلوم الطيران.

بدايةً، لم يكن من السهل إقناع أسرتي باختياري لهذا التخصص، خاصةً وأنهم اعتبروه غير مناسب للفتيات. وتطلب الأمر بعض الوقت ونقاشات مطولة لأبين لهم مدى شغفي به وتصحيح بعض المفاهيم المغلوطة عنه. وبالفعل، نجحت في إقناعهم، ليتحولوا بعد ذلك لأكبر الداعمين لي. وأشعر اليوم بسعادة غامرة كلما رأيت والدتي تتحدث عني بفخر أمام العائلة والأقارب.

خلال الدراسة، واجهت في البداية بعض الصعوبات الأكاديمية، خاصة في الجانب النظري لكثرة المصطلحات الفنية المتخصصة في مجال الطيران؛ لكن مع التركيز والمثابرة، تجاوزت تلك العقبة وأصبح الأمر يسيرًا. بعد ذلك أتى الجانب العملي وكانت تجربة ممتعة ومفعمة بالحماس، فبدأت أطبق ما تعلمته على أرض الواقع لأصلح بنفسي المحركات ومختلف أجزاء الطائرات.

بعد التخرج، أكملت فترة التدريب وحصلت على الرخص والتصاريح اللازمة لأبدأ مسيرتي المهنية مهندسة صيانة طائرات في الخطوط الجوية القطرية. واجهت بعض التحديات في البداية لأن العمل كان مجهدًا بعض الشيء بسبب نظام المناوبات، لكني تعلمت كيف أنظم وقتي، وتكيفت مع الأمر حتى لم يعد يشكل لي أي عائق. كما لم أجد أي صعوبة في التأقلم مع واقع أن معظم العاملين في هذا المجال من الرجال، لأننا في الخطوط الجوية القطرية نعمل جميعًا بروح الفريق الواحد، وهناك دائمًا تعامل راق، واحترام متبادل بين زملائنا.

أكثر ما أحبه في مجال عملي هو خلوه من الروتين؛ فكل يوم يحمل تحديًا جديدًا، أو مشكلة فنية مختلفة عليك اكتشافها وحلها، وهناك الجديد لتعلمه دومًا. ومن أجمل اللحظات التي يمكن أن يعيشها مهندس صيانة الطائرات هي لحظة التأكد من صلاحية الطائرة للإقلاع بأمان بعد الانتهاء من صيانتها، إنه شعور رائع ومزيج من الفخر والإنجاز.

أنصح كل من يفكر في مجال هندسة صيانة الطائرات أن يُقدم عليه دون تردد، لأنه مجال مهم، ويحتاج إلى المزيد من الكوادر الوطنية. ولا داع للقلق من تأثير الذكاء الاصطناعي على مستقبل هذه المهنة، فعلى الرغم من اعتماد مهندس صيانة الطائرات على التكنولوجيا بشكل كبير، تظل الخبرة والمهارة البشرية جوهرية في تشخيص المشاكل وحلها بشكل سليم.

وختامًا، نرى جميعًا النجاح الذي تحققه السيدات القطريات في مختلف المجالات المهنية. وبالحديث عن مجال هندسة صيانة الطائرات، لا بد أن أذكر المهندسة سماح السادة، أول مهندسة صيانة طائرات قطرية، فقد كانت دومًا مصدر إلهام لي، وتعلمت منها الكثير. واليوم، وبعد أكثر من ست سنوات من العمل مهندسة صيانة طائرات، أصبحت بدوري مشرفة تدريب، أشارك خبرتي مع الجيل القادم من المهندسين، وأسهم في إعداد كوادر وطنية كفؤة، وقادرة على تحمل المسؤولية في المستقبل، وهو مصدر فخر لا يوصف.