مستقبلك المهني في عصر الذكاء الاصطناعي

ما الذي تغير وكيف تستعد لما هو قادم
منذ سنوات قليلة فقط، شهد العالم صعودًا مذهلًا للذكاء الاصطناعي التوليدي. وأصبحت هذه التقنية الجديدة رفيقًا يوميًا لا غنى عنه لدى الكثيرين؛ حيث تجاوز استخدامها المهام التقليدية كالكتابة والترجمة والبحث وإنتاج المحتوى المرئي، إذ أصبحت منصاتها مستشارًا يلجأ إليه البعض في قرارات حاسمة تمس جوانب مهمة في حياتهم مثل الصحة والمال والتعليم.
ورغم ما يحيط باستخدام الذكاء الاصطناعي من مخاطر محتملة، يبدو أن اليسر الكبير الذي يوفره يبرر خوض تلك “المجازفة المحسوبة”، أو على الأقل الاستفادة من رأي إضافي متاح بضغطة زر.
ولم يقتصر الأثر على الأفراد، بل أعاد الذكاء الاصطناعي رسم خريطة عالم العمل. نشأ سباق محموم لاكتساب مهارات جديدة، وظهرت وظائف لم تكن مطروحة من قبل، وبات المحترفون في مختلف القطاعات يدمجون الذكاء الاصطناعي في صلب عملهم اليومي، لمساعدتهم في الكتابة والبحث والتخطيط وإعداد المحتوى.
وفي الوقت ذاته، وجد الطلبة أنفسهم أمام حاجة ملحة لإعادة النظر في تخصصاتهم ومساراتهم المهنية وسط طوفان من الأسئلة المحيرة: أي المهام ستظل حكرًا على البشر؟ وأيها ستتولاها الآلات؟ إلى أي حد سيتطور الذكاء الاصطناعي؟ وهل سنشهد قريبًا اختفاء وظائف بأكملها؟
تأتي الإجابات متباينة حد التناقض. ففي أحد طرفي النقاش، يطلق معظم مؤسسي أنظمة الذكاء الاصطناعي وآخرون كثر تحذيرات مخيفة: يرونه تهديدًا وجوديًا للوظائف، وخطر فقدان السيطرة على التقنية أمرًا حاضرًا، ويتوقعون تحولات جذرية ستصيب بنية المجتمع.
وفي المقابل، يتبنى خبراء وباحثون آخرون رؤية أكثر اتزانًا؛ فالذكاء الاصطناعي في نظرهم سيعيد تشكيل طبيعة العمل ولن يقضي عليه، وسيعزز الإنتاجية البشرية بدلًا من إلغاء دور الإنسان تمامًا. ويؤكد هؤلاء أن أثره الفعلي يتوقف في نهاية المطاف على خياراتنا: كيف سنستخدمه؟ وما الأطر التنظيمية التي سنضعها لحوكمته؟
أمام هذا الواقع المتسارع، شرعت الحكومات والمنظمات الدولية في تبني استراتيجيات واضحة للتعامل مع الذكاء الاصطناعي عبر مسارين رئيسيين: مسار يركز على استثماره كمحرك للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وآخر يركز على تنظيمه عبر سن أطر تشريعية محكمة تحمي الخصوصية، وتضمن العدالة، وتحدّ من المخاطر المحتملة لاستخدامه.
وهذا الاهتمام المتزايد ليس وليد الصدفة؛ إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد ابتكار تقني، بل تحول إلى قضية مصيرية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمستقبل الإنسان ذاته. وسط هذا الجدل المحموم والتطورات المتلاحقة، يحتاج الشباب إلى تشكيل فهم حقيقي للواقع لا يكتفي برصد ما يحدث، بل يساعدهم على تطوير المهارات التي تجعلهم جزءًا من الحل.
فمهارات التفكير النقدي، على سبيل المثال، ستعينهم على تمييز الحقيقة من المبالغة، في حين أن المهارات التقنية ستمكنهم من استخدام هذه الأدوات بفعالية. والأهم من ذلك كله اكتساب المهارات الإنسانية الأصيلة: الإبداع، والتواصل، والتعاطف، والمعايير الأخلاقية؛ فهي تبقى مجالًا أصيلًا للبشر، لا يمكن للآلة أن تحل فيه محل الإنسان.
وبامتلاك هذه المنظومة المتكاملة من المهارات، يمكن للشباب الانتقال من موقع المتفرج القلق إلى موقع الشريك الفاعل في صناعة المستقبل. في السطور التالية، سنحاول أن نرسم صورة أوضح لواقع الذكاء الاصطناعي وتأثيره على المستقبل المهني والأكاديمي للشباب، وأن نعرفهم ببعض المفاهيم الأساسية في هذا المجال.
كما سنسعى للإجابة عن بعض أسئلتهم الملحة من خلال حوارنا مع خبيرين متخصصين في مجال الذكاء الاصطناعي، يقدمان رؤى عملية ونصائح مبنية على خبرة عميقة في هذا المجال.
الذكاء الاصطناعي ومستقبل العمل
تولي كبرى المؤسسات الدولية اهتمامًا بالغًا بدراسة تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل، وتتفق جميعها على أن هذه التقنية ستعيد تشكيل طبيعة الوظائف جذريًا. فبينما ترجح بعض التقديرات اختفاء بعض الوظائف، تشير أخرى إلى أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي سيخلق فرصًا جديدة، مع التأكيد على أن أساس النجاح المهني سيعتمد على مزج المهارات الرقمية المتقدمة بالمهارات البشرية الناعمة.
في الوقت الحالي، ترتبط غالبية المخاوف بتأثير الذكاء الاصطناعي على وظائف المستويات المبتدئة، وما يترتب على ذلك من تقلص فرص العمل المتاحة للخريجين الجدد.
وقد توقع تقرير أصدرته منظمة العمل الدولية عام 2025 أن يعيد الذكاء الاصطناعي التوليدي تشكيل ما يقرب من ربع وظائف العالم، ولا سيما الوظائف الروتينية المكتبية التي تُعدّ أساس الوظائف المبتدئة.
أما تقرير “مستقبل الوظائف” الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي في عام 2025 فيتوقع أن يشكل الذكاء الاصطناعي وتقنيات معالجة المعلومات قوة دافعة لتغيير سوق العمل حتى عام 2030؛ إذ يُرجح أن تسهم إلى جانب تحولات أخرى في خلق نحو 170 مليون وظيفة جديدة مقابل إزاحة 92 مليون وظيفة.
أي الوظائف الأكثر عرضة للتأثر؟
يضع هذا الواقع الشباب المقبلين على سوق العمل أمام تحدٍ غير مسبوق، حيث يفرض عليهم تطوير مهاراتهم لمواكبة احتياجات سوق العمل المتغيرة، في وقت بات واضحًا فيه أن المؤسسات التعليمية مُطالبة بإعادة النظر في مناهجها لتتلاءم مع هذه التحولات. وتبدو الوظائف الأكثر عرضة لتأثير الذكاء الاصطناعي تلك التي تعتمد على مهام روتينية متكررة ومحددة، ولا تستدعي إبداعًا، أو تعاطفًا إنسانيًا، أو تفكيرًا نقديًا معقدًا، أو حكمًا أخلاقيًا. غير أن جوهر المسألة يرتبط بدرجة الأتمتة؛ فأي وظيفة تتضمن مهامًا تحتاج إلى العنصر البشري تبقى أقل عرضة للاستبدال الكامل.
دعوة للتفاؤل
لتحليل تأثير الذكاء الاصطناعي في عالم العمل، التقينا الدكتور سنجاي شاولا، كبير العلماء في معهد قطر لبحوث الحوسبة (QCRI) بجامعة حمد بن خليفة.
تأسس معهد قطر لبحوث الحوسبة عام 2010 تحت مظلة جامعة حمد بن خليفة، بهدف دعم مؤسسة قطر في بناء القدرات التقنية والابتكارية للدولة، والمساهمة في تحولها نحو اقتصاد معرفي مستدام. ويركز الدكتور شاولا في أبحاثه على تنقيب البيانات وتعلم الآلة، وقد أسهم في إعداد أول استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي في دولة قطر عام 2019. كما شارك في إعداد تقرير صدر عام 2021 حول تأثير الذكاء الاصطناعي في التوظيف داخل قطر، وكان من أبرز ما خلص إليه التقرير أن الوظائف المكتبية قد تتأثر بالذكاء الاصطناعي بدرجة أكبر من الوظائف اليدوية.
يقول الدكتور شاولا: “من الواضح أن هناك مؤشرات على تأثر بعض المهام الوظيفية بالذكاء الاصطناعي في مهن مثل البرمجة. ولكن كما توقعنا في تقريرنا حول الذكاء الاصطناعي وتأثيره على الوظائف، يقتصر استخدام الذكاء الاصطناعي حتى الآن نسبيًا على تعزيز أداء العمل”. ويضيف: “الذكاء الاصطناعي أداة ممتازة لتوليد الأفكار، ولكن مخرجات الذكاء الاصطناعي تبقى في حاجة إلى التحقق والمراجعة بسبب مشكلة الهلاوس، أي الأخطاء التي يرتكبها الذكاء الاصطناعي التوليدي بين الحين والآخر، ويتطلب تقصيها جهود عنصر بشري يمتلك قدرًا من الخبرة”.
وبشكل عام، ينصح الدكتور شاولا بتجنب الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في المهام التي تنطوي على قدر عالٍ من الحساسية، والاستفادة منه في المهام ذات المخاطر المتوسطة أو المنخفضة.
هل سنفقد قدرتنا على التفكير؟
مع الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي التوليدي في جوانب الحياة المختلفة، يُثار جدل واسع حول تأثيره في قدرات البشر على التفكير النقدي وحل المشكلات.
فهل يمكن بالفعل أن نفقد مع الوقت قدرتنا على التفكير إذا اعتمدنا على “تشات جي بي تي” ومثيلاته في البحث عن حلول لكل تحد؟ يعتقد الدكتور شاولا أن الأدلة المتاحة حتى الآن لا تبرر الخوف من أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى إضعاف قدرة البشر على التفكير النقدي وحل المشكلات، لكنه يرى في المقابل أنه قد يغير الطريقة التي نوظف بها هذه القدرات، مؤكدًا أن المفتاح يكمن في كيفية استخدامنا لتقنيات الذكاء الاصطناعي، وأن نعتبره أداة تعزز تفكيرنا ولا تحل محله.
ويقول الدكتور شاولا: “دعنا لا ننسى أن حجج مشابهة طُرحت قبل عقود من الآن عندما انتشرت الآلات الحاسبة في المدارس. ورغم أن التقنيات الجديدة تزاحم دائمًا بعض الوظائف، لا توجد أدلة حقيقية على أنها تؤثر سلبًا في مهارات التفكير لدى البشر؛ بل العكس صحيح في الكثير من الأحيان، إذ يتفرغ الناس لأداء مهام أهم وأكثر تعقيدًا. خذ الشطرنج على سبيل المثال: تستطيع محركات الذكاء الاصطناعي اليوم أن تهزم أمهر أساتذة اللعبة، ومع ذلك ازدادت شعبية الشطرنج، وتعمقت دراسته، وتطور أداء لاعبيه”.
رؤية متوازنة
ورغم القلق المتزايد بين الطلبة حول مستقبلهم المهني في عصر الذكاء الاصطناعي، يقدم الدكتور شاولا رؤية متوازنة تجمع بين الواقعية والتفاؤل. فبدلًا من النظر إلى هذه التقنية بوصفها تهديدًا أو منافسًا، يدعو إلى تبني موقف استباقي واعٍ، ويحث الطلبة على الانفتاح على تقنيات الذكاء الاصطناعي واستخدامها، كلّ وفق اهتماماته، على أن تُعامل دومًا لا باعتبارها طريقًا مختصرًا، بل أداة تعزز معارفهم وتوسع آفاقهم.
لم يعد تعلم مهارات التعامل مع الذكاء الاصطناعي أمرًا اختياريًا، بل أصبح ضرورة حتمية للمحترفين في مختلف القطاعات. وتشير تقارير سوق العمل إلى أن مهارات الذكاء الاصطناعي باتت من بين الأكثر طلبًا لدى أصحاب العمل عند توظيف كوادر جديدة. لذا، على من بدأ مسيرته المهنية أن يستثمر في اكتساب هذه المهارات ليستطيع المنافسة والاستمرار في سوق العمل.
يشبه الوضع اليوم إلى حد كبير الحقبة التي ظهرت فيها أجهزة الحاسوب لأول مرة في بيئات العمل، حين توجب على الجميع تعلم استخدام الحاسوب للبقاء والنمو في سوق العمل، ونرى المشهد ذاته يتكرر اليوم مع الذكاء الاصطناعي. لذلك يحث الدكتور شاولا المحترفين، من كل الأعمار والخلفيات، على استخدام الذكاء الاصطناعي ضمن مهامهم اليومية من أجل حماية مسيراتهم المهنية، وعدم التأخر عن ركب هذه الثورة التقنية.
لكنه يشدد في الوقت ذاته على أهمية التدرج في الاعتماد عليه والبدء بتجارب بسيطة ومحدودة النطاق، ومراقبة أثره على إنتاجيتهم وجودة عملهم. ويقدم لهم النصيحة التالية: “احرص على الإلمام بأساسيات الذكاء الاصطناعي وفهم نقاط قوته وحدوده. من المعروف أن تقنيات الذكاء الاصطناعي الحالية تعاني من فجوة بين قدراتها الفعلية ومدى موثوقية نتائجها. على الجميع إدراك ذلك واستخدام الذكاء الاصطناعي بحكمة وروية”.
ويؤمن الدكتور شاولا بأن الذكاء الاصطناعي التوليدي يمكن أن يعزز قطاع التكنولوجيا في قطر ويمنحه دفعة نوعية كبيرة، موضحًا رؤيته من خلال المثال التالي: “إذا أنشأت دولة قطر ذكاءً اصطناعيًا خاصًا بها، واستقطبت المواهب المحلية والخارجية لبناء تطبيقات ذكاء اصطناعي مصممة وفقًا للسياق المحلي وتركز على خدمة قطاعات استراتيجية مثل النفط والغاز والرعاية الصحية، من شأن هذه التقنية المهمة أن تُكسب قطر أفضلية تنافسية على المستوى الإقليمي”.
كيف تبدأ رحلتك المهنية في الذكاء الاصطناعي؟
نأمل أن تكون الصورة قد اتضحت الآن: الذكاء الاصطناعي عنصر محوري في مستقبلك المهني، وهو مستمر في النمو والتطور، ما يجعل التعايش معه واستثماره ضرورة لا خيارًا. لكن ماذا عن بناء مسيرة مهنية في مجال الذكاء الاصطناعي نفسه؟ إن كنت طالبًا تخطط لمسارك المهني، فلا شك أن لديك تساؤلات عديدة: هل هذا المجال مناسب لي؟ كيف يمكنني معرفة ذلك؟ ومن أين أبدأ؟
لنساعدك في الإجابة عن هذه الأسئلة، التقينا الدكتورة ماريا نظير، الأستاذ المساعد في برنامج بكالوريوس الهندسة في الذكاء الاصطناعي بجامعة “سيتي يونيفرسيتي قطر” بالشراكة مع جامعة “أولستر”، والذي كان الأول من نوعه في دولة قطر عند إطلاقه عام 2023.
وتمتلك الدكتورة نظير خبرة واسعة تمتد عبر مجالات عدة مثل تعلم الآلة، والرعاية الصحية، والذكاء الاصطناعي القابل للتفسير، مع تركيز خاص على الرؤية الحاسوبية، ومعالجة الصور الطبية، والتعلم العميق.
تبدي الدكتورة نظير حماسًا واضحًا لدورها في إعداد الجيل القادم من الطلبة الذين سيقودون مستقبل الذكاء الاصطناعي، وترى أن المجال يناسب خصوصًا من يمتلك مهارات حل المشكلات والتفكير المنطقي والإبداع، حيث توضح: “إذا كنت مهتمًا بفهم كيف تحاكي التكنولوجيا ذكاء وقدرة الإنسان على الرؤية، أو الكلام، أو اتخاذ القرارات، فأنت تفكر بالفعل بعقلية باحث في الذكاء الاصطناعي.
يشكل الشغف بالرياضيات والإحصاء وعلوم الحاسوب وتحليل البيانات قاعدة صلبة ضرورية، لكن صفات الفضول والمثابرة والوعي الأخلاقي لا تقل أهمية، لأن الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على الجوانب التقنية فحسب، بل يتعلق بكيفية توظيف التكنولوجيا في خدمة المجتمع بمسؤولية”.
إلى جانب الكتابة وصناعة المحتوى والترجمة وخدمة العملاء، تعد البرمجة أحد أكثر المجالات تأثرًا بصعود الذكاء الاصطناعي التوليدي؛ حتى أن البعض بدأ يزعم أن تعلمها لم يعد مجديًا بعد سنوات من التأكيد على أهميتها لطلبة المدارس والجامعات. في حين ذهب آخرون أبعد من ذلك بالقول إن تخصصات علوم الحاسوب عامةً لم تعد خيارًا مهنيًا جيدًا.
في الواقع، الأمر ليس بهذا السوء: الذكاء الاصطناعي التوليدي أحدث تحولًا هائلًا في مجال البرمجة، لكنه في الغالب تحول إيجابي؛ إذ رفع من إنتاجية المبرمجين وسرّع إنجاز المهام الروتينية. ومع ذلك، لا يزال من المبكر اعتباره بديلًا حقيقيًا للمبرمج البشري الذي يبقى ضروريًا لفهم المشكلات وسياقاتها، وتصميم الأنظمة المعقدة التي تعالجها، وضمان الأمن والأداء، ومراجعة ما ينتجه الذكاء الاصطناعي وتصحيح الأخطاء فيه.
فبينما يستطيع الذكاء الاصطناعي إنشاء مواقع بسيطة أو نماذج أولية، يظل تطوير التطبيقات الاحترافية والآمنة والقابلة للتطوير مهمة تحتاج إلى خبرة بشرية. أي باختصار، لم يُلغ الذكاء الاصطناعي تخصص البرمجة، بل أعاد إنتاج تصورنا عن دور المبرمج ليصبح مشرفًا ومصممًا ومراجعًا، ويتفرغ في الوقت ذاته للمهام الأكثر تعقيدًا وحاجةً للإبداع. لقد أصبح الذكاء الاصطناعي في هذه الحالة مساعدًا فعالًا للمبرمج، لا بديلًا عنه.
وعن ذلك تقول الدكتورة نظير: “توفر علوم الحاسوب الأساس المنطقي والرياضي للذكاء الاصطناعي. وعلى الرغم من أن تقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة تبسّط بعض جوانب البرمجة، يظل فهم كيفية عمل الخوارزميات خلف الكواليس أمرًا بالغ الأهمية. كما أن البرمجة لا تمكّنك فقط من استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، بل تساعدك كذلك على ابتكارها وتخصيصها وفق احتياجاتك. في الواقع، إن دمج قدرات البرمجة مع التفكير النقدي والإبداع والخبرة المتعمقة في المجال يجعل الطلبة أكثر مرونة وقدرة على التكيف في سوق عمل يشكله الذكاء الاصطناعي”.
ورغم التقدم المذهل للذكاء الاصطناعي الوكيلي والمستقبل الواعد لما يمكن أن يحققه، تستبعد الدكتورة نظير أن يتمكن هذا الذكاء من أداء مهام تتطلب اتخاذ قرارات معقدة أو تولي أدوار قيادية بشكل كلي. وتعلل ذلك بقولها: “يتطلب ذلك حكمًا مهنيًا وتعاطفًا ومنطقًا أخلاقيًا وتحملًا للمسؤولية، وهي جميعًا سمات إنسانية خالصة تميزنا عن الآلات. في المقابل، أتصور الذكاء الاصطناعي شريكًا فاعلًا، يتولى المهام الروتينية، بينما يركز البشر على الإبداع والاستراتيجية والابتكار”.
ختامًا، إليكم توصيات الدكتورة نظير لكل من يأمل بناء مسيرة مهنية في مجال الذكاء الاصطناعي:
- ابدأ ببناء أساس متين في الرياضيات والبرمجة، إلى جانب التفكير المنطقي؛ فهو لغة الذكاء الاصطناعي.
- اختبر أدوات الذكاء الاصطناعي المجانية، وتعلّم البرمجة، وجرب تنفيذ مشروعات صغيرة مثل تطوير روبوتات محادثة أو تحليل مجموعة من البيانات.
- استكشف وتمعّن في التحديات الواقعية في عالمنا، خاصة تلك المرتبطة بمجالات حيوية مثل الرعاية الصحية، وتغير المناخ، والتعليم، والقضايا الاجتماعية؛ فالذكاء الاصطناعي مجرد أداة، وأبرع المختصين فيه هم الذين يحسنون اختيار القضايا الجديرة بالحل باستخدام هذه الأداة.
- الأهم من كل ذلك، طور قدرتك على التفكير دومًا بالجوانب الأخلاقية لعملك، ولا تسأل نفسك فقط عمّا يستطيع الذكاء الاصطناعي إنجازه، بل أيضًا عمّا ينبغي أن يحققه. فكر في سبل مستدامة لدعم حلول الذكاء الاصطناعي الصديقة للبيئة والتحقق من موثوقيتها وعدالتها.
توضح لنا الدكتورة ماريا نظير أبرز المسارات المهنية الحالية والناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي:
مسارات مهنية حالية
- مهندس تعلم آلي
- عالم بيانات
- باحث في الذكاء الاصطناعي
- أخصائي الرؤية الحاسوبية أو معالجة اللغة الطبيعية
- أخصائي تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالات مثل الصحة أو التمويل أو الروبوتات.
مسارات مهنية ناشئة
- أخصائي في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي
- مهندس سلامة الذكاء الاصطناعي
- مصمم تفاعل الإنسان مع الذكاء الاصطناعي
- أخصائي سياسات الذكاء الاصطناعي
