من الشغف إلى المهنة

مقابلة مع مصممة الديكور الداخلي القطرية كلثم الكواري للحديث عن رحلتها الملهمة

كثيرًا ما نضع لأنفسنا خططًا مفصلة نسعى جاهدين لتحقيقها، لنكتشف مع التجربة والخبرة أننا بحاجة إلى تعديل المسار. ويتطلب ذلك عقلية متفتحة على الأفكار الجديدة، والتقاط الإشارات والدروس التي تمر أمامنا كل يوم. والأهم، أن نؤمن بقدرتنا على بلوغ أهدافنا مهما كانت التحديات. هذا ما تجسده قصة ضيفتنا كلثم الكواري.

أضحت كلثم الكواري واحدة من الأسماء القطرية اللامعة في مجال التصميم الداخلي، بعد أن أسست بصحبة شريكتها عائشة المهندي شركة “ديزاين هاوس إنتريورز” التي باتت من أبرز شركات التصميم الداخلي في السوق المحلي؛ لكن بداية الحكاية كانت مختلفة تمامًا.

نشأت كلثم على حب الفن والرسم، وحظيت بدعم أسرتها التي وفرت لها بيئة داعمة شجعتها على استكشاف المسارات المهنية التي تلائم قدراتها. وكانت الطالبة اليافعة في حيرة من أمرها؛ هل تدرس تصميم الأزياء على اعتبار أنه شغفها الأول؟ أم تتجه للتصميم الجرافيكي، المجال الذي تحبه وتمتلك أساسًا جيدًا فيه؟ فما كان منها إلا أن التحقت بجامعة فرجينيا كومنولث كلية فنون التصميم في قطر، على أن تحسم قرارها لاحقًا هناك؛ فالسنة الأولى في هذه الجامعة تعد سنة تأسيسية، تُعرف الطلبة بمفهوم التصميم ويستكشفون فروعه المتنوعة.

قرار حاسم

 في نهاية تلك السنة حسمت الكواري قرارها باختيار دراسة التصميم الداخلي. كيف توصلت إلى ذلك القرار؟ أجابت المصممة الشابة: “ما تعلمته خلال بضعة أشهر غير نظرتي للفن تمامًا. أدركت أن الذوق أمر نسبي، وأن تقييم الفنان لا يكون على أساس ذوقه، بل على حسب قدرته على صياغة الفكرة وإيصالها بطريقة مميزة وذات قيمة”.

وتابعت القول: “جربت مجالات التصميم المختلفة خلال السنة التأسيسية، وحين دخلت استوديو تصميم الأزياء، شعرت أنه مجال لا يناسبني ولا يوافق توقعاتي، في حين فتحت تجربة التصميم الداخلي آفاقًا جديدة لي. تعلمت أن التصميم الداخلي أكثر من مجرد ديكورات وألوان وتشطيبات؛ بل دراسة المساحات وأثرها في الناس. علمت أن وضع الأثاث والإضاءة وتخطيط الحركة يمكنه التأثير في الحالة النفسية؛ بل والصحية للإنسان. أسرني هذا البعد الإنساني للمجال وشعرت برغبة في التعمق فيه”.

تفوقت الكواري في دراستها ضمن برنامج سلك الشرف للمتفوقين، فشجعها أساتذتها على التقدم لجائزة التميز العلمي، وما لبثت أن أصبحت أول طالبة من الكلية تنال هذا التكريم. والتحقت بعد التخرج بقسم التصميم الداخلي في إحدى شركات المقاولات، غير أن التجربة لم تُلََب توقعاتها.

وصفت لنا الكواري شعورها آنذاك قائلةً: “تعرضت لخيبة أمل كبيرة بعدما اكتشفت أن معظم الشركات المحلية تكتفي بإعداد نطاق العمل ثم ترسله إلى مكاتب تصميم خارجية. وبالتالي، اقتصر عملي على إرسال موجز بالمتطلبات إلى تلك الشركات. كنت أرغب في التصميم بنفسي، وأن أعمل على مشاريع أضع عليها لمساتي الخاصة وأطبق ما تعلمته في الجامعة. لم أرد أن أفقد شغفي”.

نقطة تحول

 لم يكن أمام الكواري حينها خيار ثان، فاختارت الصبر ومراكمة الخبرة واكتساب المهارات الجديدة، على أمل أن يتاح لها لاحقًا تحقيق حلمها بإطلاق شركتها الخاصة. وسعيًا لذلك، التحقت بدورة في إدارة الأعمال، شكلت بحد ذاتها منعطفًا في مستقبلها المهني.

تعلمت الشابة من تلك الدورة دروسًا ثمينة غيرت نظرتها للكثير من الأمور؛ إذ لفت المحاضر انتباهها إلى أن معظم الشركات الكبرى، مثل آبل وفيسبوك، أسسها شباب في مقتبل العشرينات من عمرهم، حاثًا الحضور على عدم الانتظار حتى سن معينة من أجل إطلاق مشاريعهم الخاصة، وخصوصًا إذا كانوا يمتلكون أفكارًا لمشاريع تفيد المجتمع، وتقدم خدمات أو منتجات يحتاجها السوق المحلي.

طلب منهم المدرب أن يبدأوا الآن، لأن الوقت “المثالي” قد لا يأتي أبدًا. كما شدد على أن البدء في سن مبكرة يتيح مساحةً أوسع للشغف في عملهم، نظرًا لقلة المسؤوليات وفائض الوقت لديهم الذي يمكن تخصيصه للعمل على مشاريعهم. في حين قد تختلف الأمور مستقبلًا مع تحملهم المزيد من المسؤوليات الشخصية والأسرية.

وحول هذه النقطة علقت الكواري: “تأثرت كثيرًا بهذه النصائح وقلت لنفسي: فعلًا، لماذا انتظر لاكتساب الخبرة، في حين يمكنني بكل بساطة اكتسابها وأنا أعمل على مشروعي الخاص. ولاحظت أن السوق المحلي كان بحاجة لشركات تصميم داخلي تلبي احتياجات المجتمع القطري؛ فمعظم الشركات الموجودة كان يديرها أجانب يوفرون في الغالب تصاميم تعكس ثقافتهم. ولذلك قررت تأسيس شركتي الخاصة”.

الخطوات الأولى

تعلمت الكواري خلال الدورة درسًا آخر: وجود شركاء يتعاونون معًا ويكملون بعضهم البعض بمجموعة المهارات والخبرات التي يمتلكها كل منهم من أهم عوامل نجاح أي مشروع.

فقد لا يستطيع شخص واحد أن يقوم بكل شيء بمفرده. لم تتردد الكواري أبدًا، فقد كانت تعلم جيدًا من يمكن أن يشاركها حلمها، حيث قالت: “كانت عائشة المهندي أول من خطر على بالي. درسنا معًا في الجامعة، وكنا نتعاون دومًا في المشاريع الدراسية. لم نكن قد تواصلنا منذ أشهر بعد التخرج، تحدثت معها وأُعجبت بالفكرة، واتفقنا على كافة الأمور. لم نكن بحاجة إلى رأس مال كبير، فقد كنا نقدم خدمة، ولا نبيع منتجًا. كنا الموظفتين الوحيدتين في الشركة. حصلنا على التراخيص المطلوبة وأسسنا “ديزاين هاوس إنتريورز” في عام 2018 “.

بدأت الشريكتان بلقاء العملاء المحتملين في أماكن عامة، ومع الوقت كسبتا ثقة عدد منهم ونفذتا عددًا من المشاريع الناجحة. ومع اتساع قاعدة العملاء، استأجرتا مكتبًا صغيرًا ليكون مقرًا للشركة. في البداية تقاسمتا المهام وركزتا على جودة التنفيذ وانتشار أعمالهما أكثر من الربحية، إلى أن بدأ الفريق في النمو.

نمو لافت

 بعد سبع سنوات من تأسيس الشركة، نمت قاعدة عملائها بشكل لافت، وأصبح فريق العمل يضم ما يقارب 30 موظفًا. ولم تعد الخدمات تقتصر على التصميم الداخلي، حيث حققت الشركة نجاحًا كبيرًا في تصميم المنتجات، وأصبحت تمتلك خطوطًا لتصنيع الأثاث والإضاءة والسجاد.

وفي العام 2024، بدأت الشركة في تقديم خدمات تنسيق المساحات الخارجية بما في ذلك تصميم الحدائق، قبل أن تضيف عام 2025 خدمات التصميم المعماري الداخلي وتصميم الواجهات ورسم الخرائط المعمارية.

تعتبر الكواري أن أهم ما يميز عمل الشركة هو القدرة على فهم احتياجات العملاء وتلبيتها بتصاميم جميلة وعملية في آن واحد، إذ قالت: “ننفذ كل مشروع بأقصى طاقتنا، نتقن عملنا ونحرص على إظهار شغفنا، ويلمس عملاؤنا ذلك. لا شيء يضاهي تلقي رسالة من عميل يعبر فيها عن حبه لتصميماتنا ويصف أثرها في حياته؛ حينها، نتبين القيمة الحقيقية لما نقدم. فالتصميم الداخلي قادر على تغيير حياة الناس كليًا وإعادة تشكيل علاقتهم بالمكان المحيط، وقد شهدنا ذلك مرارًا خلال عملنا”.

كما ترى الكواري أن كل هذا النجاح لم يكن ليتحقق لولا شراكتها مع عائشة وقالت: “أنا محظوظة بها. إدارة شركة بمفردي، وأنا أم وربة منزل، مهمة بالغة الصعوبة. العمل الخاص لا يمنح كثيرًا من الوقت للراحة أو العطلات أو العائلة. نكمل بعضنا بعضًا، ولكلٍ منا نقاط قوته. أنا أتولى الجوانب الإدارية، فيما تمتلك عائشة حسًا فنيًا رفيعًا وقدرة لافتة على عرض الأفكار بصورة جذابة”.

تحديات وفرص

ترى الكواري أن أبرز التحديات التي تواجه شركات التصميم الداخلي في قطر هي تحديات ذات طابع تجاري وتشغيلي أكثر من كونها مرتبطة بحجم الطلب، مثل ارتفاع التكاليف، وإجراءات التصاريح المعقدة نسبيًا. ومع دخول الشركة مجال تصميم المنتجات برزت عقبات إضافية، مثل التخليص الجمركي، وارتفاع تكاليف الشحن، ومخاطر تلف الشحنات دون تعويض كافٍ. أما فيما يتعلق بالمنافسة مع الشركات الكبرى، فعلى العكس من الاعتقاد السائد، تراها الكواري “أمرًا صحيًا”، لأن اختلاف الأذواق يستدعي تعدد الخيارات، والعمل المتقن يجذب العميل في النهاية مهما اشتدت المنافسة.

بالطبع، لم يطِب لنا أن يمر الحوار مع ضيفتنا دون التطرق إلى مسألة الذكاء الاصطناعي وتأثيره على مجال التصميم الداخلي، خاصة أنه من المجالات الإبداعية التي يرى الكثيرون أن دور البشر فيها أكثر عرضة للتراجع في ظل التطور المتسارع في أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي.

وتعتبر الكواري الحديث عن أن الذكاء الاصطناعي سيأخذ مكان المصمم الداخلي “أمرًا مبالغًا فيه”، حيث أوضحت: “أصبح من الضروري أن يستعين المصمم بأدوات الذكاء الاصطناعي لتسريع بعض المهام، وهذا يتطلب وضوحًا في الأفكار، وقدرة على كتابة الأوامر التي تعبر عنها بدقة. لكني لا أرى الذكاء الاصطناعي قادرًا على إنجاز ما يتطلبه الحس الإنساني؛ فهو يفتقر إلى الذوق الفني الفريد الذي يميز كل مصمم عن الآخر، وما ينتجه في النهاية هو انعكاس لتدريبه على أعمال مصممين آخرين. قد يمنحك نتائج ذات جمالية ما، لكنها لا تقارن بما يقدمه مصمم متمرس متخصص في التصميم الداخلي”.

طموح لا ينتهي

تطمح كلثم إلى مواصلة تطوير الشركة وتوسيع نطاق خدماتها بالتعاون مع شريكتها. بيد أن طموحها يتجاوز الجانب التجاري، إذ لديها غايةٌ أخرى لا تقل عنها أهمية وهي: إطلاق مبادرة ذات منفعة مجتمعية. وعن طبيعة هذا الهدف قالت الكواري: “ما زالت فكرة المشروع تتبلور، لكن الاتجاه واضح إلى حد بعيد. أتمنى الاستفادة من الخبرات التي اكتسبتها في بناء مشروع يترك علمًا نافعًا، وأثرًا باقيًا أفيد به الناس، وهذا أقل ما أقدمه”.

نصيحة أخيرة

وفي الختام، يبقى سؤال بالغ الأهمية: هل تنصح ضيفتنا الطلبة بالتخصص في مجال التصميم الداخلي؟

أجابت الكواري: “إنه مجال رائع، لكن النجاح فيه مرهون بصدق شغفك واستعدادك لبذل الجهد. إن امتلكت الموهبة وطورت مهاراتك بجدية، ستلوح أمامك الفرص؛ أما إذا قصدته للحصول على الشهادة والوظيفة وحسب، فسيكون الطريق صعبًا. المهنة مطلوبة في سوق العمل، لكن فرصها أقل وفرة من تخصصات أخرى كالمحاسبة في القطاع المالي على سبيل المثال”.