الدكتورة منى المسلماني: من قلب الصعاب يولد النجاح 

من قلب الصعاب يولد النجاح 

الدكتورة منى المسلماني  

رحلة تميز في عالم الطب  

لطالما ارتبط الحديث عن تمكين المرأة في دولة قطر بتحقيق مبدأ تساوي الفرص بين الجنسين فيما يتعلق بالإسهام في الجهود التنموية وتحقيق الذات؛ لكن الواقع اليوم مختلف بعد أن تجاوزت النساء في دولة قطر بثبات مرحلة نيل الفرص إلى مستوى جديد من التمكين ينصب فيه التركيز على إطلاق العنان لقدراتهن نحو آفاق أرحب تتعاظم فيها إسهاماتهن في بناء الاقتصاد وتنمية المجتمع، بل وقيادة دفة التغيير الإيجابي ليحدثن اختلافًا وفارقًا حقيقيًا في شتى المجالات. 

ولعل قطاع الرعاية الصحية من أبرز الشواهد على هذا التغيير، فبصمات سيدات قطر واضحة على النهضة الهائلة التي شهدتها دولة قطر خلال العقود الثلاثة الماضية، بعد أن تبوأن أعلى المناصب الإدارية والتنفيذية، وفي القطاع الطبي على وجه التحديد. وكان لمجلة دليلك المهني فرصة لقاء شخصية قيادية ملهمة حققت نجاحًا باهرًا وتركت بصمة مميزة على هذا القطاع الحيوي من خلال إنجازاتها البحثية وإسهاماتها الرائدة. 

سنتعرف خلال السطور التالية على رحلة الدكتورة منى بنت عبد الرحمن بن سنان المسلماني، المدير الطبي لمستشفى حمد العام، والرئيس التنفيذي لمركز الأمراض الانتقالية في مؤسسة حمد الطبية، وسنناقش كذلك التحديات التي واجهتها، والدروس التي تعلمتها. 


عزيمة
وإصرار 

إن أردت تحقيق أهدافك في الحياة فلا بد أن تواجه بعض العوائق في بداية الطريق، وأن تحدد كيفية التعامل معها لتقرير مسارك وتشكيل مستقبلك. وكانت هذه تجربة الدكتورة المسلماني التي استحضرتها أثناء لقائها معنا، حيث تقول عن السنوات التي بلورت خلالها رغبتها في دراسة الطب: “فقدت والدي وأنا صغيرة. لقد كان الأمر مريرًا. لن أنسى أبدًا ملامح وجهه، ومدى اهتمامه وعنايته بنا. كانرحمه اللهيطمح لأن يكون أحد أبنائه طبيبًا، إلا أن ميول أشقائي وشقيقاتي الأكاديمية لم تسعف طموحه. وبعد وفاته، صارت أمي كل شيء في حياتنا، وكانت المسؤولية الملقاة على عاتقها كبيرة. كنا حينها صغارًا لم يتجاوز أكبرنا الثامنة عشرة. صار وجه أمي هو الحاضر في كل اللحظات بحلوها ومرها. ومنذ ذلك الحين، تشكّل لديّ شعور بالمسؤولية تجاه هذه السيّدة الرائعة، وبات إدخال السرور على قلبها هدفًا بحدّ ذاته. وتمثلت تلك المسؤولية لدي بالتفوّق الدراسي، والاعتماد على الذات في الدراسة والمذاكرة“. 

وتتابع الدكتورة المسلماني: “تملكني الشغف بتحقيق رغبة والدي رحمه الله. وبما إنني كنت أحب المواد العلمية ولدي نهم دائم لاكتساب المعرفة، وأرغب بالعمل في مجال يُمكّنني من مساعدة الناس، نمت داخلي رغبة عارمة بدراسة الطب. وبعد تفكير متأنٍ، قررت أنه المجال الأنسب لطموحاتي“. 

جاء وقت تحقيق الفتاة الشابة لحلمها بعد تفوقها في الثانوية العامة، إلا أن دراسة الطب لم تكن متوفرة في دولة قطر آنذاك. وكان الحل الوحيد أمامها هو السفر للدراسة في الخارج، الأمر الذي قُوبل بالرفض القاطع من قبل عائلتها. 

تقول الدكتورة المسلماني: “كنت في السابعة عشرة من عمري حين بدأت معركة الدفاع عن أول قرار مستقل اتخذته في حياتي، إذ كنت أخشى أن ينهار حلمي مبكرًا. كان أخي الأكبر آنذاك بمثابة الأب رغم صغر سنه، وكنت أتفهم مخاوفه، خاصة في ذلك الوقت؛ حيث لم يسبق لأي من إخوتي السفر بغرض الدراسة. كنت أول فتاة في محيط عائلتنا تطلب الدراسة في الخارج. تمسكت بقراري، ونجحت في إقناع عائلتي، والحقيقة أنهم لم يتوقفوا منذ تلك اللحظة عن دعمي ومؤازرتي“. 

سافرت الشابة الطموحة إلى السعودية لدراسة الطب في جامعة الملك فيصل بمدينة الدمام، التي جرى تغيير اسمها لاحقًا إلى جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل. كانت تجربة جديدة بالنسبة لها، ولا تزال تعتبرها المحطة الأصعب في مسيرتها المهنية. 

توضح الدكتورة المسلماني قائلةً: “كان الإحساس بالغربة قاسيًا. والتكيف مع تفاصيل الحياة اليومية بعيدًا عن أهلي وعن منزلنا أمر في غاية الصعوبة. لا أخفيكم سرًا أن قرار العدول عن إكمال دراستي راودني طوال سنوات الدراسة في كل مرة عدت فيها إلى قطر خلال الإجازات. وزاد من صعوبة الأمر أن العديد من صديقاتي المقربات وزميلاتي في الدفعة اللاتي جئن معي من قطر، قررن الرجوع إلى أرض الوطن لعدم قدرتهن على تحمل الحياة في سكن الطالبات وبعيدًا عن عائلاتهن، فضلًا عن أن دراسة الطب لم تكن بالأمر السهل“. 

ظلت الفتاة الشابة مصرة على إكمال دراستها والمضي قدمًا في الطريق الذي اختارته لنفسها، وكان شعورها بالمسؤولية تجاه حلمها وقرارها هو الدافع لتجاوز كل الصعاب. ومضت السنوات لتنجح في التخرج وتنال شهادة البكالوريوس في الطب. 


رحلة
ملهمة 

عادت الطبيبة الشابة إلى دولة قطر وبدأت رحلتها في عالم العمل طبيبة مقيمة لأربع سنوات تخصصت خلالها في الأمراض الباطنية. وتتنوع مهام الأطباء خلال فترة الإقامة بين العمل والدراسة والتدريب وخوض الاختبارات، وهو ما يتطلب مجهودًا مضاعفًا منهم للتوفيق بينها؛ لكن مثابرتها ووجودها بين أفراد أسرتها وتلقيها الدعم المستمر منهم، شكلا فارقًا هائلًا في تقدمها. 

توجهت الدكتورة المسلماني بعد انقضاء سنوات التخصص للحصول على الزمالة الإكلينيكية في مجال الأمراض الانتقالية، ما تطلب أربع سنوات إضافية. وكانت قد اختارت هذا المجال بناءً على نصيحة من أحد زملائها، حيث كان سوق العمل حينها يواجه نقصًا في عدد المختصين بهذا المجال الذي كان يفتقر للعنصر النسائي. ولم تكتف بذلك وحسب، بل قررت السفر إلى الخارج مجددًا قاصدةً الولايات المتحدة الأمريكية لدراسة التخصص الدقيق في الأمراض الانتقالية المصاحبة لزراعة الأعضاء وزراعة نخاع العظم. 

عملت المسلماني في مجال تخصصها لسنوات طويلة اكتسبت خلالها مزيجًا من الخبرات العملية والإدارية التي شملت مجالات مثل ضبط الجودة، والبحث العلمي، والتعليم. واختيرت في عام 2017 لمنصب الرئيس التنفيذي لمركز الأمراض الانتقالية التابع لمؤسسة حمد الطبية، وهو المركز الأول من نوعه في المنطقة الذي يقدم خدمات متخصصة ذات مستوى عالمي في تشخيص ومعالجة الأمراض الانتقالية والوقاية منها والحد من انتشارها، إضافةً لكونه مركزًا تعليميًا وبحثيًا ذا أهمية كبيرة. 


القيادة
ومواجهة الأزمات 

ترى الدكتورة المسلماني أن الرجال والنساء سواسية في حجم التحديات التي تواجههم عند تولي المناصب القيادية بعكس التصور الشائع، كما تؤكد أنها لم تشعر خلال أي مرحلة من مراحل تدرجها في المناصب بأي تمييز أو تحيز على أساس النوع. وتعتبر أن السبب في ذلك هو حرص مؤسسة حمد الطبية على تطبيق مبدأ المساواة في الفرص، وإتاحة المجال أمام الكوادر لتولي الأدوار القيادية والإدارية بناءً على أدائهم وقدرتهم على إدارة دفة الأمور. 

وتؤمن الدكتورة المسلماني بأن المرأة القطرية تحصد الآن ثمار الجهود التي بذلتها الدولة من أجل تمكينها خلال العقود الماضية، حيث تقول: “مجتمعنا القطري عبارة عن هرم من السيدات اللاتي أسهمن بجهودهن عبر التاريخ في بناء هذا الوطن، باختلاف الوظائف المتنوعة التي شغلنها. وفيما يتعلق بقطاع الرعاية الصحية، على سبيل المثال، لدينا كفاءات مؤهلة وخبيرة من طبيبات وإداريات وممرضات، يعملن جنبًا إلى جنب مع نظرائهن من الرجال بكل ما أوتين من طاقة، ويستحققن التحية والتقدير والاعتراف بفضلهن في منح المرأة المكانة التي تليق بها“. 

مع نهاية عام 2019، واجهت منظومة الرعاية الصحية حول العالم أزمة غير مسبوقة مع تفشي وباء كورونا الذي فرض تحديات غير مسبوقة على القطاع الطبي، في مقدمتها العمل على الحد من انتشاره، ورفع الطاقة الاستيعابية في المستشفيات إلى أقصى حد ممكن دون المخاطرة بسلامة الكادر الطبي. وبطبيعة الحال، احتل مركز الأمراض الانتقالية مكانة محورية في خضم تلك الأحداث، حيث كثف فريق العمل جهوده المستمرة على مدار الساعة من أجل رصد آخر المستجدات المتعلقة بتطور الوباء، ومتابعة أحدث الدراسات والأبحاث حول الفيروس. 

نجح جيش قطر الأبيض في إدارة هذه الأزمة بكفاءة. وأدى قطاع الرعاية الصحية دوره على أعلى مستوى من الاحترافية، بل فاق أداؤه الأنظمة الصحية للعديد من الدول الكبرى حول العالم. ويعود ذلك للتطور الهائل الذي شهده القطاع نتيجة الاستثمارات الضخمة للدولة في تطوير البنى التحتية الصحية، وبناء منظومة صحية متكاملة توفر خدمات طبية شاملة وفق أعلى المعايير العالمية، يستفيد منها كافة أفراد المجتمع. ويأتي ذلك ضمن الاستراتيجية الوطنية للصحة التي تشمل كذلك تطوير الكوادر الوطنية في مختلف التخصصات الطبية والاستثمار في منظومة التعليم الطبي في الدولة، ونظام الابتعاث والتدريب. 

وتعتبر الدكتورة المسلماني العمل الجماعي، والأداء المتناسق للفرق الطبية، أهم عوامل تجاوز تلك الأزمة، موضحةً: “توجب علينا العمل كفريق متكامل من جميع التخصصات ليلًا ونهارًا لمواجهة هذا التحدي غير المسبوق. ومع تزايد أعداد الوفيات، والضغط الناتج على القطاع الطبي، كان الأصعب أن نحافظ على رباطة جأشنا، وأن نمد المجتمع بالأمل في قدرتنا على تجاوز هذه المحنة سويًا“. 

وأضافت: “الحصول على هذا المستوى العالي من التنسيق يحتاج إلى قائد قادر على استيعاب كل أبعاد الأزمة، ويحسن التصرف، ويتخذ القرارات الصائبة والمبتكرة بسرعة عالية؛ وأن يمتلك القدرة على بث الروح الإيجابية في فريق العمل، وأن يحافظ على روح التناغم والتعاون بين أفراده“. 

تشغل الدكتورة المسلماني كذلك منصب أستاذ مشارك في الطب السريري بكلية الطب في جامعة قطر ووايل كورنيل للطبقطر. ودفعها تعاملها مع الطلبة للتفاؤل نحو مستقبل مشرق لمجال الطب في دولة قطر، ومضيه قدمًا بجهود شبابه. ولذلك توصي الطلبة بالتفكير جديًا في مجال الطب عند التخطيط لمساراتهم المهنية، شريطة أن يختاروه عن رغبة أكيدة ووعي كامل بما يتطلبه من تضحيات وقدرة على الاجتهاد وتحمل مختلف الضغوط الأكاديمية والمهنية. 

كما توجه لهم الرسالة التالية: “يحتاج مجتمعنا إلى كوادر طبية في مختلف التخصصات. والجامعات الطبية متوفرة اليوم في دولة قطر؛ وبات بإمكانكم نيل أعلى مستويات التعليم الطبي دون الحاجة لابتعاد عن أسركم. لم تعودوا بحاجة لمواجهة التحديات التي واجهناها في السابق. لقد قدمت لنا دولتنا الحبيبة الأفضل، وتستحق كذلك منا الأفضل، ومن واجبنا أن نبذل قصارى جهدنا في خدمتها“. 

وفي الختام، تُرجع ضيفتنا الفضل في كل نجاحاتها وإنجازاتها الشخصية والمهنية إلى أفراد عائلتها، والدعم الذي قدموه لها طوال حياتها؛ كما تعتقد أن مسيرتها الأكاديمية والمهنية يمكن تلخيصهما في مبدأين هما: “المسؤولية وروح الفريق“. 

وتقول الدكتورة المسلماني: “لا يوجد إنجاز يحدث على المستوى الشخصي أو المهني دون أن يرافقه إحساس بالمسؤولية وحب العمل، ورغبة في رد الجميل لهذه الأرض الطيبة. حتى الأحلام تحتاج لأن تتغذى على هذا الإحساس. وعلى صعيد العمل، لا يوجد نجاح يمكن نسبه لشخص بمفرده. ثمّة فريق متكامل يعمل كأنه شخص واحد؛ فالإحساس بوحدة العمل وتكامله، والشعور بالانتماء لدى كل عناصر الفريق، هو ما يهيئ عوامل النجاح والتفوق لهذا العمل“. 

نصائح الدكتورة منى المسلماني لقادة المستقبل: 

  • التكيف مع التغيرات. 
  • العمل بروح الفريق الواحد. 
  • التركيز على تطوير مهارات وقدرات الأفراد. 
  • تحديد الأولويات. 
  • إدارة الوقت بفاعلية. 
  • التواصل الفاعل مع أعضاء الفريق. 
  • التفكير بطريقة استراتيجية. 


ملحوظة
 

قبل تأسيس وايل كورنيل للطبقطر عام 2001، كان على الطلبة الراغبين في دراسة الطب السفر خارج دولة قطر. وكانت الطالبات القطريات يفضلن الدراسة في دول مجلس التعاون الخليجي القريبة، وتحديدًا في السعودية أو البحرين. وفي عام 2014، تأسست أول كلية وطنية للطب في جامعة قطر خرجت أولى دفعاتها في صيف عام 2021.