قصص للصم: أمل البوعينين
المبتكرة الشابة التي تسعى لبناء مستقبل أفضل لذوي الإعاقة السمعية في دولة قطر.
في أحد أركان الجناح المخصص للأطفال في معرض الدوحة الدولي للكتاب تلتف مجموعة من الصغار حول فتاة شابة تحمل جهازًا لوحيًا. على شاشته تظهر “نورة” وهي تروي لهم قصة “جزيرة الكنز” للكاتبة القطرية لينا العالي من خلال لغة الإشارة. الصغار منهمكون في متابعة القصة بتركيز شديد والسعادة بادية على وجوههم. تدور القصة حول فتاة صغيرة تخوض مغامرة مع جدها لاستكشاف جزيرة بن غنام على الساحل الشرقي لدولة قطر. معظم الأطفال المتواجدين في حلقة العرض من فئة الصم، وبينهم مجموعة من الأطفال السامعين الذين يستمتعون بالقصة، وفي الوقت نفسه يشعرون بالفضول نحو الحركات التي تؤديها “نورة” بيديها على الشاشة. يتساءلون: ما كنهها؟ وما معناها؟
“نورة” هي شخصية افتراضية ابتكرتها الشابة القطرية أمل البوعينين لتكون واجهة مشروعها “قصص للصم”، وهو تطبيق يترجم قصص الأطفال من اللغة العربية إلى لغة الإشارة. تشرح أمل للأطفال طريقة استخدام التطبيق المتاح عبر الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية، وكيفية الاستفادة منه في مسح القصص المصورة والمكتوبة وترجمتها فوريًا من اللغة العربية إلى لغة الإشارة القطرية عبر الشخصية الافتراضية. ويتيح التطبيق كذلك اختيار شخصيات افتراضية أخرى. تعلم الفتاة الشابة جيدًا مشاعر هؤلاء الأطفال ومدى السعادة التي تغمرهم لخوض مثل هذه التجارب التي لم تكن متاحة لها أثناء طفولتها.
تقول أمل: “ردود أفعال الأطفال كلما أشارك في ورشة قراءة وأعرض عليهم تطبيق قصص للصم تشعرني بسعادة غامرة، وما يزيد من تلك السعادة رؤيتي للأطفال السامعين وهم متحمسون للتعرف على لغة الإشارة ومحاولتهم تطبيق تلك الإشارات والتواصل من خلالها مع الأطفال الصم المتواجدين في حلقة العرض. الشغف الذي أراه في وجوههم يمنحني الدافع للاستمرار في تطوير مشروعي لكي يكون بداية لبناء جيل متواصل إشاريًا بسهولة بين أفراده الصم والسامعين”.
تغيير مستقبل ذوي الإعاقة السمعية من خلال السرد
تؤمن أمل أن مشروعها يمكن أن يغير مستقبل ذوي الإعاقة السمعية في دولة قطر، فالفتاة الشابة تعلم جيدًا التحديات التي تواجه هذه الفئة. ومن أبرز هذه التحديات التي كانت دافعًا لإطلاق مشروعها، ضعف اللغة العربية لدى فئة الصم، خاصة عندما يتعلق الأمر باللغة المكتوبة، وهو ما يؤثر بالتالي على تحصيلهم العلمي والثقافي. وما يزيد الأمور سوءًا أن الأعمال الموجهة لهذه الفئة في معظم الأحيان ضعيفة ولا تضيف فائدة حقيقية، كما أن المعلومات تصل إليهم في الغالب منقوصة وغير واضحة.
يساعد التطبيق الطفل الأصم على تعلم اللغة العربية وإتقانها من خلال ربط الكلمات المكتوبة بما يقابلها من لغة الإشارة بأسلوب ممتع وجذاب يحمسه على الاستمرار في التعلم. باختصار، يمكننا اعتباره قاموسًا يثري تحصيلهم اللغوي المكتوب بواسطة لغة الإشارة ويمنحهم فرصة قراءة المزيد من الكتب لإثراء معرفتهم وثقافتهم. في الوقت ذاته، يسهم التطبيق في تعريف الأطفال السامعين بلغة الإشارة وتعلمها. ومن شأن كل ذلك أن يحسن قدرة الطفل الأصم على التواصل بشكل أفضل مع المجتمع، وبالتالي يغير حياته إلى الأفضل.
وتعلم أمل تمامًا تأثير إتقان القراءة على حياة الطفل الأصم، فهي تعشقها منذ طفولتها. كانت البداية بالقصص المصورة التي ألهبت خيالها، ومن بعدها حرصت الفتاة الشابة على القراءة في مختلف المجالات، لكنها فضلت كتب التاريخ والتراث القطري لأنها من خلالهم اقتربت أكثر من جمال وطنها، كما تهتم بقراءة كتب علم النفس لرغبتها في معرفة المزيد عن تعديل السلوك وتطوير الذات.
استوحت أمل فكرة “قصص للصم” بعد رؤيتها لتطبيقات مماثلة بلغات أجنبية، وأرادت أن يكون هناك تطبيق مماثل باللغة العربية على أن تكون الشخصية الافتراضية كذلك ذات طابع عربي، وأن تكون الترجمة من خلال لغة الإشارة القطرية.
رؤية تتحول إلى واقع
كانت أمل تعلم ما تريد تحقيقه. لديها الفكرة بالإضافة إلى بعض المعلومات التي حصلتها من خلال البحث عن كيفية تنفيذ المشروع. لكن ذلك لم يكن كافيًا. من أين عليها أن تبدأ؟ ما التقنيات التي تحتاجها لبناء التطبيق؟ وهل هي تقنيات متقدمة يصعب الوصول إليها؟ بحثت أمل كثيرًا عن إجابات لتلك الأسئلة حتى سمعت من إحدى صديقاتها عن مركز مدى وما يقدمه من دعم للمشاريع التي تحسن إمكانية النفاذ لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات. اجتمعت أمل مع الخبراء في مدى وأبدوا اهتمامًا بفكرتها ليصبح “قصص للصم” من أول المشروعات التي تبنتها مبادرة نادي مدى للابتكار المنضوية تحت مظلة المركز قبل ما يقارب عامين.
وتهدف هذه المبادرة إلى تعزيز قدرات المبدعين من ذوي الإعاقة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، إلى جانب تمكينهم من تطوير أفكارهم المبتكرة وتحويلها إلى حلول تلبي احتياجات المجتمع وتدعم النفاذ إلى تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. يتم اختيار أعضاء النادي بعد دراسة أفكارهم بعناية، وُتوفّر لهم بيئة محفزة للابتكار، كما يحصلون على فرص للتعاون مع خبراء في مجالات مختلفة مثل الاستشارات والبحوث والتكنولوجيا وريادة الأعمال وإدارة المشاريع من أجل وضع مخطط يسهم في تطوير أفكارهم وتحويلها إلى مشاريع ناجحة.
تتحدث أمل عن مشروعها قائلةً: “واجهنا بعض التحديات في البداية، ولكننا نجحنا في تجاوزها بفضل الخبرات التي يمتلكها مركز مدى. أحد تلك التحديات كان تصميم وتطوير الشخصية الافتراضية في أفضل صورة ممكنة، لأنها الواجهة التي سيتعامل معها الأطفال. حرصنا على أن تكون الشخصية قطرية واهتممنا بأدق التفاصيل مثل ملامح الوجه والملبس وحركة الشفاه”.
تواصل أمل التعاون مع مركز مدى من أجل تطوير “قصص للصم والوصول لأفضل نسخة من التطبيق لكي يستفيد منه الأطفال من ذوي الإعاقة السمعية في دولة قطر والمنطقة العربية، كما تأمل أن يسهم التطور التكنولوجي السريع في ابتكار المزيد من الحلول التي تسهل تواصل الصم مع المجتمع وتساعدهم في تطوير مهاراتهم وإطلاق إبداعاتهم.
الطريق ما زال طويلًا
على الرغم من كل ذلك، ترى أمل أن الصم في دولة قطر ما زالوا يواجهون تحديات عديدة وأن الاستفادة الحقيقية من إمكانات هذه الفئة لن تتحقق إلا بإيجاد حلول للمشكلات التي تواجههم. وتعتبر الفتاة الشابة أحد أبرز تلك التحديات افتقار المعلمين للخبرة الكافية في التدريس للصم، وعدم درايتهم بالأساليب المثلى وطرق التعليم المناسبة لهم، وبالتالي يؤدي ذلك إلى عدم حصولهم على التوجيه التعليمي والإرشاد السلوكي المناسبين، وعدم تأهيلهم بشكل جيد لمواصلة تطوير مسيرتهم المهنية.
وينقلنا ذلك للتحدي الأهم وهو عدم حصول الصم على شهادة ثانوية عامة معادلة للسامعين، وعن ذلك تقول أمل: “يحرمنا ذلك من الالتحاق بالجامعة ودراسة التخصصات التي نرغب فيها. لا نمتلك خيارات مفتوحة ولا نحصل على فرص متساوية مع السامعين. إن إيجاد حلول لتلك المشكلة ليس مستحيلًا، فهناك دول عربية وأجنبية عديدة تقبل فئة الصم في الجامعات وتسمح لهم بدراسة مختلف التخصصات. أتمنى أن يتغير الأمر مستقبلًا”.
تحرص أمل على التعاون مع مختلف المؤسسات من أجل زيادة الوعي المجتمعي عبر تسليط الضوء على قضايا ذوي الإعاقة السمعية والتحديات التي تواجهها هذه الفئة، كما تولي اهتمامًا كبيرًا بالمشاركة في الأحداث المجتمعية والفعاليات كلما أتيحت لها الفرصة من أجل تقديم ورش لغة الإشارة للأطفال وسرد القصص لهم من خلال تطبيق “قصص للصم”، ولدى الفتاة الشابة أسباب عديدة للتفاؤل بأن مستقبل ذوي الإعاقة السمعية في دولة قطر سيكون أفضل، حيث تقول: “أشعر بسعادة غامرة في كل مرة أشارك فيها بفعالية محلية أو حدث مجتمعي. وأعتقد أن المجتمع القطري أصبح أكثر وعيًا من ذي قبل بقضايا ذوي الإعاقة والتحديات التي يواجهها وأكثر تقبلًا لفكرة أن هذه الفئة تمتلك إمكانات وقدرات يمكنها تحقيق الكثير. ألاحظ ذلك من خلال الإقبال المتزايد من الشباب والشابات على الاندماج في مجتمع الصم سواء بصفتهم داعمين أو متعاونين أو متطوعين. أرى بوضوح أن لديهم الرغبة والحماس في الاندماج والتواصل”.
وتضيف أمل: “ما زال بعض الناس ينظرون إلينا باستغراب لامتلاكهم مفاهيم خاطئة حول مجتمع الصم وقدراته. لذلك فإن دمج الصم في الفعاليات الوطنية وإشراكهم في مختلف الأحداث والفعاليات المجتمعية، وتنظيم المزيد من الندوات الثقافية عن مجتمع الصم ودورات لغة الإشارة من شأنه أن يسهم في زيادة الوعي ويساعد هؤلاء الناس على تفهم طبيعة مجتمعنا ولغتنا والتعرف على فئة الصم ولغة الإشارة وهو ما سيسهل اندماج فئة الصم في المجتمع بشكل أفضل. من شأن ذلك أن يتيح للصم فرصة بناء مستقبل مهني أفضل يناسب طموحاتهم وقدراتهم”.
وتحث أمل المزيد من الشباب القطري على التوجه إلى جمعيات الصم المنتشرة في كافة أنحاء الدولة من أجل الاقتراب أكثر من هذه الفئة والتعرف على إمكاناتها واحتياجاتها، لأن ذلك يسهم في تحقيق الاندماج بين كل أطياف المجتمع ودفع الشباب بكل فئاتهم إلى الأمام. كما تدعوهم كذلك إلى تعلم لغة الإشارة والتفكير جديًا في العمل بمجال الترجمة لأنهم سيسهمون بذلك في إيصال صوت فئة الصم إلى كل مكان ويقدمون خدمة جليلة لمجتمعهم.
كما تأمل الفتاة الشابة أن يسير المزيد من الشباب على خطاها بالتفكير في مشاريع تخدم المجتمع والعمل على تحويلها إلى واقع لأنهم بذلك سيسهمون في بناء مستقبل أفضل لبلدهم، وتوجه لهم هذه النصيحة: “لا بد وأن تواجهوا بعض الصعوبات في بداية الطريق. عليكم أن تلغوا كلمة مستحيل من حياتكم، ولا تيأسوا مهما كانت التحديات. استمروا في المحاولة وكونوا على يقين بأن النجاح لا بد وأن يأتي بعد الفشل”.
عن مركز مدى
تأسس مركز مدى في عام 2010 بهدف توطيد معاني الشمولية الرقمية وبناء مجتمع أكثر شمولًا من خلال تحسين إمكانية النفاذ إلى تكنولوجيا المعلومات والاتصالات للأشخاص من ذوي الإعاقة. ويتبوأ المركز اليوم موقع الريادة في مجال النفاذ الرقمي باللغة العربية في العالم، مع العلم أنه انضوى مؤخرًا تحت مظلة وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة. للمزيد من المعلومات عن المركز والخدمات والبرامج التي يقدمها، يمكنكم زيارة الرابط التالي: https://mada.org.qa/?lang=ar
عن المركز القطري الثقافي الاجتماعي للصم
يمكنكم التواصل مع المركز القطري الثقافي الاجتماعي للصم للتعرف على مختلف الأنشطة والبرامج التي يقدمها وكذلك مواعيد دورات تعلم لغة الإشارة من خلال زيارة الرابط التالي: https://qdeafctr.com/

