جاهزون للمستقبل: المهارات الأساسية لنجاح الطلبة
بقلم الدكتور وحيد سوليتش
في عصر التطور التكنولوجي السريع وسطوة المعلومات والترابط العالمي، يتطور مشهد التعليم وسوق العمل بوتيرة غير مسبوقة.
فالتحول من الاقتصاد الصناعي إلى الاقتصاد القائم على المعرفة يفرض تحديات كبيرة على طلبة اليوم، كما يوفر لهم فرصاً رائعة. وفيما نبحر نحو مستقبل قائم على المعلومات والابتكار، فمن الأهمية بمكان أن نتزود بالمهارات التي تضمن لنا تحقيق النجاح في هذه البيئة الديناميكية.
إحدى القضايا الأكثر إلحاحًا التي سلط الضوء عليها الدكتور توني فاجنر، من مجموعة إدارة التغيير بجامعة هارفارد، في هذا المجال هي ما بات يُعرف بـ “فجوة الإنجاز العالمي”. وهي فجوة تعكس التفاوت بين الممارسات التعليمية المتبعة حالياً والمهارات اللازمة للنجاح في المستقبل، والتي يمكن من خلالها الاستدلال على الحاجة الملحة لتطوير أنظمة التعليم وتكييفها وفق متطلبات المرحلة.
ففي اقتصاد اليوم المشبع بالمعلومات، أصبحت القدرة على تقييم البيانات بشكل نقدي وحل المشكلات المعقدة أكثر أهمية من أي وقت مضى. حتى أن المجلس الوطني للبحوث يؤكد على أن التعليم في القرن الحادي والعشرين يجب أن يمنح الأولوية للتفكير النقدي وحل المشكلات، وهي كفاءات باتت ضرورية للحياة العصرية وبيئات العمل الديناميكية. فقد أحدثت العولمة والاتصال الرقمي تحولاً في ضرورة التعاون عبر مختلف الشبكات. حتى بات يتعين على الطلاب أن يتعلموا العمل بشكل فعال ضمن فرق من ثقافات مختلفة في سبيل تحقيق النجاح في هذا العالم المترابط.
وإلى جانب التعاون، بات التمتع بالمرونة والقدرة على التكيف من متطلبات التغيرات التكنولوجية والمجتمعية المتسارعة. وهو ما يوجب على الطلاب الاستعداد للتحولات الممكنة، والتكيف مع الأدوار والبيئات الجديدة، والحرص على التعلم باعتباره فرصة للتطور وليس تهديداً. كما باتت مهارات القيادة الحديثة تنحو صوب إحداث التأثير بدلاً من فرض السلطة، وهو ما يتطلب مهارات في التفاوض والإقناع وكسب التأييد. فالقدرة على حل المشكلات بشكل تعاوني يهيئ الطلاب للانخراط في الاقتصاد العالمي، حيث تعمل الشركات بشكل متزايد عبر الحدود والثقافات.
وفي تأكيد على أهمية التمتع بالمرونة وتبني عقلية النمو، نجد أن القدرة على التكيف باتت تكتسب اليوم تقديراً عالياً، باعتبارها واحدة من أكثر المهارات أهمية لأسواق العمل المستقبلية. فالقدرة على التكيف يمكنها تحديد الفرق بين النجاح في الصناعات الجديدة أو التخلف عن الركب.
كما باتت المهارات الريادية أكثر أهمية من أي وقت مضى، خاصة مع تناقص مسارات العمل التقليدية بشكل متزايد. لذلك فإن تشجيع الطلاب على اتخاذ المبادرة والتفكير الإبداعي، وتطوير فرصهم الخاصة، يعزز روح المبادرة الأساسية للابتكار والنمو الاقتصادي. وهو ما يمكن من خلال تعليم ريادة الأعمال، التي ترفع بشكل كبير من احتمالية إطلاق الطلاب لأعمالهم الخاصة ودفع التقدم الاقتصادي. وفقًا لمؤسسة كوفمان، فإن تعزيز ريادة الأعمال يمكن أن يؤدي إلى خلق فرص العمل والديناميكية الاقتصادية، وهو أمر حيوي لاقتصاد قوي.
في كل ذلك، يبقى الاتصال الفعال، سواء الشفهي أو المكتوب، هو أساس النجاح في أي مجال. وهو ما يوجب على الطلاب التعبير عن أفكارهم بوضوح وإيجاز، ونقل المفاهيم المعقدة، والاستماع والاستجابة بشكل مدروس. لذلك بات أصحاب العمل يقدّرون عالياً مهارات الاتصال حتى صارت عاملاً رئيسيًا في قرارات التوظيف. فإتقان هذه المهارات يفتح الأبواب أمام العديد من الفرص، ويسهم في تحقيق الإنتاجية الاقتصادية، من خلال ضمان تدفق الأفكار والمعلومات بكفاءة داخل المنظمات والأسواق.
كما يتطلب العصر الرقمي التمتع بمستوى متقدم من المعرفة المعلوماتية. بحيث يتمكن الطلاب من العثور على مصادر موثوقة، وتفسير البيانات واتخاذ قرارات مبنية على أسس معرفية. وتعد أساسيات المعرفة المعلوماتية أمرًا بالغ الأهمية للنجاح الأكاديمي والمواطنة المستنيرة، بحيث يستطيع الطلاب الإبحار بين تعقيدات المعلومات المتاحة اليوم. هذه المهارة ضرورية لاتخاذ قرارات تجارية سليمة، وإجراء تحليلات السوق، والحفاظ على القدرة التنافسية في عالم تقوده البيانات.
وفيما يعمل الذكاء الاصطناعي وتحليلات الأعمال على تحويل الصناعات وخلق فرص عمل جديدة. يصبح ضرورياً تحضير الطلاب بالمهارات اللازمة لفهم هذه التقنيات والاستفادة منها. فمعرفة الذكاء الاصطناعي لا تقتصر على فهم كيفية استخدام أدواته فحسب، بل تتضمن أيضًا فهم آثارها واعتباراتها الأخلاقية وتأثيراتها المحتملة على مختلف القطاعات.
فتحليل الأعمال تساعد الطلاب في تفسير البيانات المعقدة وتوليد الأفكار واتخاذ القرارات الاستراتيجية التي تدفع نحو النجاح. ويعد إتقان هذه المهارات أمرًا ضروريًا لأسواق العمل المستقبلية، حيث سيلعب الذكاء الاصطناعي واتخاذ القرارات القائمة على البيانات دورًا مركزيًا.
كذلك يشكل الفضول والخيال عنصران حيويان في دفع التعلم والابتكار. فتشجيع الطلاب على استكشاف اهتماماتهم والتفكير الإبداعي يثمر عن أفكار وحلول جديدة تدفع عجلة التقدم في أي مجال. وكما قال ألبرت أينشتاين يوماً: “الخيال أهم من المعرفة. فالمعرفة محدودة، في حين أن الخيال يشمل العالم بأسره”. فالابتكار الذي يحفزه الإبداع يؤدي إلى ظهور منتجات وخدمات وعمليات جديدة قادرة على دفع النمو الاقتصادي وتحسين نوعية الحياة.
بالإضافة إلى المهارات الفنية والإدراكية، أصبح الذكاء العاطفي يحظى بتقدير متزايد باعتباره حيوياً في تحقيق النجاح الشخصي والمهني. وينطوي الذكاء العاطفي على القدرة على فهم وإدارة عواطف الشخص، فضلاً عن قدرته على التعاطف مع الآخرين. وهي مهارة بالغة الأهمية للقيادة الفعّالة والعمل الجماعي وحل النزاعات. بنفس الأهمية يأتي الذكاء الاجتماعي، الذي يشمل القدرة على الاختلاط ضمن البيئات الاجتماعية، ونسج علاقات مجدية. هذه المهارات تعمل معاً على تعزيز التفاعلات الشخصية، وإيجاد بيئة عمل إيجابية وتعاونية.
من هنا تظهر أهمية اتباع المدارس لأساليب جديدة في التدريس والتقييم، تكون قادرة من خلالها على إشراك الجيل الرقمي وتثقيفه. ويؤكد الدكتور فاجنر على أهمية استخدام المحتوى لتدريس الكفاءات الأساسية، بدلاً من مجرد نقل المعرفة. وهو نهج يتطلب اعتماد استراتيجيات تدريس مبتكرة تدمج التكنولوجيا وتعزز التعلم النشط. فيجب إعداد الطلاب لمواجهة التحديات بشكل عملي، وتمكينهم من تطبيق المعرفة في سياقات العالم الحقيقي. هذا التحول في العملية التعليمية يعزز من قابلية التوظيف لدى الأفراد كما يعزز أيضًا من قدرات الابتكار والتكيف، التي تتمتع بأهمية بالغة للمرونة الاقتصادية.
يمكن الاستدلال على أسلوب التعليم التقدمي باعتماد دولة قطر كمثال يحتذى به في هذا المجال. فقد استثمرت الدولة في سبيل إحداث تحول في المشهد التعليمي، وإعداد الطلاب للتحديات المستقبلية. فالمدينة التعليمية التابعة لمؤسسة قطر، على سبيل المثال، تضم جامعات عالمية المستوى، مما يخلق بيئة تعليمية ترفع راية التفكير النقدي والابتكار والتعاون.
كما تتبع قطر نهجاً يركز على أهمية محو الأمية التكنولوجية وتعزيز روح المبادرة وتشجيع التعلم مدى الحياة، بما يضمن جاهزية طلابها للتفوق في اقتصاد عالمي تنافسي، من خلال دمج الممارسات التعليمية المتقدمة والتركيز على احتياجات سوق العمل المستقبلية. وهي في كل ذلك تقدم مثالاً لباقي الدول لاعتماد هذا النموذج.
فبحسب “تقرير مستقبل الوظائف 2023” الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، توجد خمس مهارات أساسية ستكون بالغة الأهمية بحلول عام 2027. هذه المهارات هي: التفكير التحليلي، والتفكير الإبداعي، والمعرفة التكنولوجية، والمرونة النفسية، وحب المعرفة والتعلم مدى الحياة. وهي مهارات مطلوبة حالياً، ولكنها ستصبح أكثر أهمية بمرور الوقت.
التعلم مدى الحياة والتطوير المهني المستمر هما أمران بالغا الأهمية للبقاء على اتصال بسوق العمل الذي يتصف بالتغير الدائم. فالقوى العاملة التي تتبنى التعلم مدى الحياة تكون مجهزة بشكل أفضل لدفع عجلة النمو الاقتصادي المستدام والتكيف مع التطورات التكنولوجية الجديدة.
لمعالجة هذه الاحتياجات، يتعين على المعلمين وصنّاع السياسات اتخاذ الإجراءات المناسبة، من خلال دمج التفكير النقدي في المناهج الدراسية، وتعزيز مهارات التعاون والقيادة، وتعزيز المرونة والقدرة على التكيف، وتشجيع التفكير الريادي. كما عليهم إعداد الطلاب لسوق العمل في المستقبل بمنح الأولوية لتدريس الذكاء الاصطناعي وتحليلات الأعمال.
بالتركيز على هذه المهارات الأساسية، يمكننا إعداد الطلاب ومساعدتهم على تحقيق النجاح في سوق عمل سريع التغير في القرن الحادي والعشرين. هذا التطور في التعليم يضمن للخريجين القدرة على التكيف، الابتكار وتحضيرهم لأداء أدوار قيادية في عالم معقد ومترابط.
لذلك فإن التحول من الاقتصاد الصناعي إلى اقتصاد قائم على المعرفة يتطلب تحولاً جذرياً في الطريقة التي نعلّم بها طلابنا.
وبمعالجة “فجوة الإنجاز العالمي”، يمكننا إعداد الطلاب لتلبية متطلبات المستقبل من خلال تزويدهم بمهارات التفكير النقدي، والتعاون، والقدرة على التكيف، وروح المبادرة، والاتصال الفعّال، والمعرفة المعلوماتية، ومحو أمية الذكاء الاصطناعي، والتمتع بالذكاء العاطفي والاجتماعي والإبداع.
كمعلّمين وصنّاع سياسات وأولياء أمور، تقع على عاتقنا مسؤولية تبني هذه التغييرات، والتأكد من أن طلابنا مستعدون للخوض في غمار هذا العالم دائم التغير والتطور.
فالمستقبل مشرق لمن يستعد له. ومن خلال تعزيز هذه المهارات الأساسية، يمكننا مساعدة طلابنا على حجز مكان لهم والازدهار في عالم ديناميكي ومبتكر على الصعيد.



