دانا الفــــــردان: فنانة قطرية بلغت آفاق العالمية
لن تنسى دانا الفردان أبدًا تاريخ الأول من أغسطس 2018، وبالتحديد اللحظة التي رُفع فيها ستار مسرح هايماركت الملكي العريق في لندن إيذانًا بانطلاق العرض الأول للمسرحية الموسيقية “الأجنحة المتكسرة”، والمأخوذة عن رواية بنفس الاسم للأديب اللبناني الشهير جبران خليل جبران.
ها هي المسرحية الموسيقية التي لحنتها وألّفت كلماتها بالتعاون مع الممثل المسرحي البريطاني نديم نعمان ترى النور في الطرف الغربي من العاصمة البريطانية، المعروف باسم “ويست إند”، الذي يحتضن عشرات المسارح العريقة التي يعود تاريخ تأسيس بعضها إلى القرن السابع عشر. التذاكر بيعت بالكامل والجمهور يتفاعل مع العرض بشكل رائع. لم تتخيل دانا أبدًا أن البداية ستكون مثالية بهذا القدر.
لقد حققت آنذاك حلمًا راودها منذ طفولتها عندما اصطحبتها والدتها للمرة الأولى من أجل حضور عرض موسيقي في أحد مسارح “ويست إند”. كانت المسرحية هي “قطار ضوء النجوم”، أحد أبرز العروض الموسيقية العالمية حتى يومنا هذا. وقد كانت تجربة مبهرة وفريدة من نوعها لدرجة غيرت حياة الفتاة الصغيرة التي كانت تخطو خطواتها الأولى في دنيا الموسيقى. فقد تمنت منذ ذلك الوقت أن تصبح يومًا ما جزءًا من هذا العالم السحري.
بدأ حب دانا للموسيقى وهي في العاشرة من عمرها، حيث كانت مولعة بالاستماع للموسيقى الكلاسيكية، وكانت تجرب عزف بعض الألحان التي تسمعها على البيانو. كان يبدو أن موهبتها فطرية، ونجحت في تطوير مهاراتها مع الوقت لتتقن عزف ألحانها المفضلة. كما كانت تسعى من وقت لآخر إلى تأليف ألحانها الخاصة. بالنسبة لها كانت الموسيقى بمثابة لغة جديدة نجحت في تعلمها وإتقانها سريعًا.
وتقول دانا عن تلك الفترة: “حينما كنت أعزف على البيانو، لم يكن يهمني أي أمر آخر. في تلك اللحظات كنت أدخل عالمي الخاص وأنعزل تمامًا عن كل ما يدور حولي. تطور كل ذلك إلى شغف على مدى حياتي، واستمرت الشعلة متقدة بفضل العديد من الملحنين والفنانين الذين ألهموني على مر السنوات”.
خلال السنوات التالية لم يتوقف عشق دانا للموسيقى، فواصلت التعلم وحرصت على تطوير نفسها بكل السبل المتاحة أمامها. لم تتوقف عن زيارة “ويست إند” لحضور مختلف العروض المسرحية. كما كانت تحرص على حضور حفلات الموسيقى الكلاسيكية الأوركسترالية، وملاحظة أدق التفاصيل مع تحليل أداء كل آلة موسيقية في العرض. كان حلم العمل في مجال الموسيقى يراودها دومًا، ولكن مع الوقت، كان اتخاذ مثل هذا القرار يزداد صعوبة، خاصة عندما حان وقت اختيار مسارها المهني.
فالواقع أن مسار دانا المهني كان يبدو محددًا منذ وقت طويل، فهي الأكبر بين ست شقيقات، ووالدها هو رجل الأعمال القطري الشهير علي الفردان، ومن الطبيعي أن يتم إعدادها للعمل في مجموعة الفردان التي أسسها جدها في خمسينيات القرن الماضي. وبالفعل، درست دانا العلاقات الدولية في الجامعة الأمريكية بالشارقة، ثم انتقلت إلى بريطانيا لدراسة علم الأحجار الكريمة في المعهد الأمريكي للأحجار الكريمة، قبل أن تعود إلى الدوحة لتولي مسؤولياتها في شركة عائلتها.
وعلى الرغم من أن عشقها للموسيقى لم ينطفئ أبدًا، لم يكن أمام دانا فرصة للالتفات إلى حلمها القديم أو التفكير في عمل إبداعي آخر، في ظل تركيزها المنصب على العمل، حتى جاءت اللحظة التي غيرت نظرتها إلى كل شيء وشكلت علامة فارقة في حياتها، وذلك حينما علمت أنها تنتظر حدثًا سعيدًا وأن المولود سيكون فتاة. توضح دانا: “شعرت حينها أنني أفتقد شيئًا ما مهمًا في حياتي. كنت في حاجة لتغيير نظرتي لبعض الأمور وأرغب في إحداث تأثير حقيقي، ولكنني لم أكن أقوم بذلك. كانت الموسيقى تشكل جانبًا مهمًا وعميقًا من شخصيتي، ولم أستطع أن أتخيل أن بإمكاني بناء علاقة صادقة مع ابنتي إذا كنت أنكر هذا الجانب. آمنت حينها إنني إذا رغبت في أن أكون مثلًا أعلى تحتذي به ابنتي، فيجب أن أعيش حياة حقيقية، وأن أكون صادقة مع نفسي. لقد كانت الحياة التي تنمو بداخلي مصدر إلهام هائل ومنحتني طاقة إبداعية هائلة”.
خلال فترة حملها قامت دانا بكتابة وتلحين عدد من الأغنيات وقررت خوض تجربة تسجيل أول ألبوماتها الموسيقية. صدر ألبوم “رسم” في عام 2013 وضم تسع أغنيات بصوت الفنانة القطرية مع موسيقى كلاسيكية أداها عازفون من أوركسترا لندن ميتروبوليتان. وما جعل التجربة أكثر إلهامًا لدانا أن إنتاج الألبوم تم في استوديو “آبي رود” التاريخي، المكان الذي شهد تسجيل أعمال أشهر الفنانين والفرق الغنائية في العالم، مثل “بيتلز” و”بينك فلويد”.
كان ألبوم “رسم” خطوة أولى مهمة بالنسبة لدانا من أجل التواجد على ساحة الموسيقى العالمية، كما أنه لاقى في الوقت ذاته حفاوة كبيرة في بلدها، حيث كانت تلك المرة الأولى التي تقدم فيها فنانة قطرية أعمالًا غنائية باللغة الإنجليزية على المستوى الدولي.
خلال السنوات التالية، بدأت دانا العمل على مشاريع موسيقية متنوعة. وعلى الرغم من أن أعمالها استهدفت بشكل رئيسي الجمهور الغربي، كانت دومًا تحرص على أن تسلط من خلالها الضوء على إرث وثقافة قطر والمنطقة العربية، وعن ذلك تقول: “عندما سعيت للنجاح في عالم الموسيقى، لم يكن هدفي استعراض إمكانياتي أو تحقيق المجد الشخصي، بقدر ما كنت أريد أن أروي قصصًا تعكس عشقي للأدب العربي والفلسفة والتاريخ في سياق تراثي الثقافي الغني”.
أصدرت دانا عددًا من المقطوعات والألبومات الموسيقية من بينها ألبوم “عاصفة الرمال”، والذي تعاونت فيه مع أوركسترا قطر الفلهارمونية، وألبوم “إنديجو” الذي اكتملت مجموعة مقطوعاته في العام الماضي، وحرصت من خلاله على مزج الموسيقى الكلاسيكية بالأغاني المعاصرة والتقنيات الإلكترونية.
كما قدمت عروضًا حية خلال العديد من الفعاليات المحلية والدولية، وأنتجت مقطوعات موسيقية خاصة لمؤسسات عملاقة مثل الخطوط الجوية القطرية ومطار حمد الدولي ومتاحف قطر ومكتبة قطر الوطنية، إلى جانب مشاركتها بأعمال خاصة خلال أحداث مجتمعية ووطنية مثل مقطوعة “ارفع علمنا” التي ألّفتها احتفالًا بفوز منتخب قطر بلقب كأس آسيا لكرة القدم في عام 2019.
وفي ظل حرصها على خوض تجارب فنية مختلفة، قامت بتلحين أغنية “صندوق صغير” للفنانة السورية أصالة في عام 2017، كما أنتجت الموسيقى التصويرية لفيلم الرعب البريطاني “مستحضر الأرواح” في عام 2018، وفيلم الدراما الحاصل على جوائز “أوركا”، والذي تم إنتاجه بدعم من مؤسسة الدوحة للأفلام واستوديوهات كتارا.
وبالطبع تبقى إحدى أهم الخطوات المهنية التي اتخذتها دانا خلال مسيرتها، هي كتابة وتلحين المسرحيات الموسيقية. وتعتبر دانا البريطاني آندرو لويد ويبر مثلها الأعلى، وتأمل في السير على خطاه ولكن بمحتوى يمثل قصصًا من تراث المنطقة العربية. وما يزيد من إيمانها بأن ذلك ممكن حقيقة أن ويبر بدأ أيضًا كملحن قبل أن يصبح واحدًا من عمالقة المسرح الموسيقي على مستوى العالم.
بعد النجاح اللافت الذي حققه العرض الأول لمسرحية “الأجنحة المتكسرة” في عام 2018، تم تقديمه لاحقًا في عرض مستمر على خشبة مسرح “تشارينج كروس” في العاصمة البريطانية لندن وسط إقبال كبير من الجمهور. كما بيعت التذاكر بالكامل عند عرضه في المنطقة العربية، سواء كان ذلك في دار الأوبرا في كتارا في الدوحة أو مهرجان بيت الدين في بيروت أو أوبرا دبي.
عقب الفترة العصيبة لوباء كورونا، عادت دانا للتعاون مع نديم نعمان مجددًا في عام 2021 لتقديم المسرحية الموسيقية “رومي”، للكاتبة إيفرن شارما، والمستوحاة من حياة الفيلسوف والشاعر الشهير جلال الدين الرومي، الذي عاش خلال القرن الثالث عشر. ولاقى العمل نجاحًا كبيرًا خلال عرضه في “ويست إند”، وكذلك عند عرضه في الدوحة.
وتقول دانا: “ستبقى لـلأجنحة المتكسرة دومًا مكانة خاصة لدي، ليس فقط لكونها أول مسرحية موسيقية أقوم بكتابتها وتلحينها، لكن لأنها تجربة قدمت من خلالها شخصية أدبية ذات مكانة كبيرة لدى العرب إلى جمهور المسرح في ويست إند”.
وتضيف: “أثبت ذلك لي أن الجمهور في الغرب متعطش للمزيد من الأعمال التي تنقل لهم قصصًا من عالم الشرق الساحر. لقد كان الأمر ملهمًا، وقررت أن أجعل الترويج لمختلف الأشكال الفنية المعبرة عن تاريخنا وثقافتنا الواسعة والغنية هدفًا أساسيًا في مسيرتي الموسيقية”.
تبدو دانا متفائلة بمستقبل الفن في دولة قطر خاصة بعد الازدهار اللافت الذي شهدته مختلف المجالات الفنية خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب الاحترام والحفاوة التي أصبحت تحظى بها تلك المجالات في المجتمع، لكنها تأمل في الاستفادة من ذلك على المستوى الاقتصادي كذلك، حيث توضح: “التحدي الحقيقي الآن يتمثل في ضرورة الاستفادة من كل ذلك في بناء نموذج اقتصادي مستدام حول الفنون والترفيه يتناسب مع نموذج التنمية في دولة قطر. يجب أن يكون التركيز على جعل الدوحة مركزًا حقيقيًا للفنون وألا يقتصر الأمر على استيراد الفن”.
كما تثق الفنانة القطرية بأن صناعة الموسيقى بالذات قادرة على تحقيق نمو جيد في بلادها خلال السنوات المقبلة، حيث تقول: “إنها صناعة مهمة تدر عوائد اقتصادية تقدر بمليارات الدولارات في العديد من دول العالم، وقد شهدت نموًا لافتًا في قطر خلال الفترة الأخيرة. نتيجة لذلك توفرت المزيد من فرص العمل في المجالات المرتبطة بها. كما إنني سعيدة لرؤية نساء قطريات أخريات يدخلن هذا المجال”.
وتعمل دانا في الوقت الحالي على إطلاق عرض مسرحي موسيقي جديد، ستحكي من خلاله أسطورة “إليسار ملكة قرطاج”، ابنة ملك صور في العصر الفينيقي، والتي هربت من طغيان شقيقها وأسست مملكة قرطاج في القرن التاسع قبل الميلاد. وعلى الرغم من أن هذه الشخصية تم تقديمها ضمن عروض وأعمال فنية سابقة، سيكون الأمر مختلفًا هذه المرة، حيث ستصبح “إليسار” بطلة العرض للمرة الأولى. وعن مشروعها الجديد تقول الفنانة القطرية: “ستكون أول مسرحية موسيقية أكتبها بطلتها امرأة. يمثل ذلك لي أهمية كبيرة على المستوى الشخصي. كما أنها فرصة جديدة لي من أجل النمو على المستوى الشخصي والتفكير بعمق. من المنتظر أن تُعرض في لندن خلال يوم المرأة العالمي، وأتمنى بكل تأكيد أن تُعرض لاحقًا في بلدي قطر”.
مثل أي أم عاملة، تسعى دانا إلى تحقيق توازن بين العمل والأمومة، على الرغم من صعوبة الأمر في بعض الأحيان. بالنسبة للفنانة القطرية، العائلة تأتي دائمًا في مقدمة أولوياتها حيث توضح: “ابنتي ليلى أهم ما في حياتي. لقد التحقت بالمدرسة وأحرص على الاهتمام بدراستها وكافة أنشطتها التي يسعدني أن أقول إنها تشمل العزف على البيانو. تشاركني ليلى شغفي بالموسيقى، وتقوم في أحيان كثيرة بمساعدتي في عملي من خلال اقتراح كلمة مختلفة في أغنية أو تصحيح مفتاح موسيقي خاطئ. وبالطبع أعتبر نفسي محظوظة لأن زوجي يبادر دومًا بتقديم يد العون لي. فذلك يشكل فارقًا كبيرًا”.
وما يثير الاهتمام كذلك، أن دانا لم تندم أبدًا على التأخر في تغيير مسيرتها المهنية، فهي تعتبر أن كل ما تعلمته خلال فترة الدراسة وما اكتسبته من خبرات خلال عملها أسهم في تكوين شخصيتها ورؤيتها للأمور، كما طور قدرتها على مواجهة التحديات.
وعلى الرغم أن مسيرتها الفنية لم تتجاوز عشر سنوات، فقد نجحت في تثبيت أقدامها كأحد أبرز الوجوه التي أسهمت في إثراء الثقافة الفنية القطرية وبلوغها مكانة مميزة على المستوى الدولي. إنه إنجاز يشعرها بالكثير من الفخر، لكنها تعتبر ذلك البداية، فما زال أمامها الكثير من الأحلام التي ترغب في تحقيقها.
ترغب دانا مستقبلًا في سرد المزيد من الروايات المرتبطة بتراث المنطقة العربية للجمهور العالمي، ليس فقط عبر المسرح الغنائي، بل كذلك في إطار أعمال فنية سينمائية وتلفزيونية. ومن بين تلك الروايات، “أسد إفريقيا” للكاتب جورج ستريكلاند، التي تحكي قصة حنبعل قائد قرطاج الأسطوري، و”سمرقند” للكاتب أمين معلوف التي ترتكز حول رباعيات الشاعر والفيلسوف عمر الخيام. كما أنها تأمل أن تتعاون في المستقبل مع كتاب عرب من أجل تقديم أعمالها المسرحية الغنائية للجمهور في المنطقة العربية.
الكثيرون قد يفكرون في بدء مسيرة مهنية في مجال الموسيقى لكنهم يترددون في اتخاذ مثل تلك الخطوة بسبب خوفهم من عدم تحقيق النجاح المأمول، ولهؤلاء توجه الفنانة القطرية النصيحة التالية: “الموسيقى لغة عالمية ووسيلة فريدة من نوعها للتعبير عن نفسك. ستمتلك من خلالها الأجنحة التي ستمكنك من تجاوز أي حواجز تواجهك والتحليق إلى آفاق بعيدة. من كلمات جبران خليل جبران المفضلة لي: “الصدق يجعل كل أفعالنا مشرفة وجميلة”. من المهم أن تكون صادقًا مع نفسك وأن تعبر عنها بشكل حقيقي. وإذا نجحت في أن يكون لك صوت خاص وتوجه يميزك عن الآخرين، ستجد دائمًا من يستمع لك”.

