علوم البيئة
هل سبق وتساءلت كم نوعًا من الكائنات يعيش على كوكب الأرض؟ يقدر العلماء أن أكثر من ثمانية ملايين نوع مختلف من الكائنات تعيش على كوكبنا، لكن المعروف منها والموثق علميًا لا يكاد يتجاوز المليوني نوع. تتواجد جميع هذه الكائنات الحية معًا داخل المحيط الحيوي لكوكب الأرض، وتشكل بمجموعها شبكة الحياة التي يلعب فيها كل كائن حي دورًا حاسمًا في الحفاظ على التوازن الدقيق والتنوع البيولوجي لطبيعتنا. ولذلك، فإن فهم الروابط بين كل هذه الكائنات الحية أمر بالغ الأهمية لبقائنا، وهنا تظهر أهمية دور عالم البيئة.
يدرس علم البيئة كيفية تفاعل الكائنات الحية مع بعضها البعض ومع بيئتها، كما يبحث في التفاعلات والعلاقات بين أجناس الكائنات الحية داخل النظم البيئية، أو المجتمعات أو السكان، أو على مستوى المحيط الحيوي كاملًا. ويتقاطع هذا العلم مع العديد من التخصصات العلمية الأخرى مثل علم الأحياء وعلم الأحياء الدقيقة وعلم النبات وعلم الحيوان والأرصاد الجوية والجيولوجيا والكيمياء والعلوم البيئية. من خلال علم البيئة بتنا أكثر اطلاعًا على كيفية عمل العالم من حولنا، وهو ما يساعدنا على إيجاد طرق أفضل للحفاظ على التنوع البيولوجي في المنظومات البيئية على كوكب الأرض، وإدارة مواردنا الطبيعية بشكل مستدام.
تتنوع أدوار علماء البيئة تبعًا لتنوع تخصصاتهم ونوع المشاريع التي يسهمون فيها، فيمكن أن تشمل مسؤولياتهم إجراء الأبحاث الميدانية، وكتابة التقارير العلمية، ومساعدة الجهات الحكومية المختلفة على رسم وتطوير سياساتها البيئية، وتثقيف الجمهور حول قضايا البيئة والحفاظ عليها. على سبيل المثال، قد يلجأ بعض العلماء لدراسة سلوك الحيوانات في بيئاتها الطبيعية، في حين يقوم البعض الآخر بمراقبة نمو النباتات في ظل ظروف مناخية معينة، أو قياس تأثير سكان الحضر على البيئة المحيطة، أو تحليل آثار التلوث على الحياة المائية.
إذا وجدت نفسك مولعًا بالطبيعة، فيجب أن تفكر جديًا في اتخاذ مسار مهني كعالم بيئة. بإمكانك استكشاف هذا المجال أثناء دراستك في المدرسة، حيث يمكنك البحث عن معلومات عنه أو المشاركة في مشروع علمي أو الانضمام إلى نادٍ مهتم بالطبيعة. وتقدم المجموعة القطرية للتاريخ الطبيعي فرصة رائعة للتعرف على البيئة الطبيعية لدولة قطر من خلال محاضرات شهرية ورحلات ميدانية متنوعة الوجهات.
ومن ثم يجب أن تكون خطوتك التالية هي الحصول على شهادة جامعية في علم البيئة، أو أي فرع آخر من فروع علم الأحياء. برنامج البكالوريوس في العلوم البيولوجية بجامعة قطر يبدو مثاليًا لكل من يرغب بدراسة هذا المجال في قطر. ورغم أن اتخاذك مهنة عالم البيئة سيتطلب منك الالتزام بالتعلم مدى الحياة، إلا أنّ مكافآته هائلة. فإثارة الاستكشاف، ومعرفة أنك تلعب دورًا رئيسيًا في حماية كوكب الأرض، هي مشاعر لا يمكن وصفها ولا تُعوض. ولن يقتصر عملك على المختبرات أو المكاتب، حيث سيأخذك دومًا نحو الطبيعة من خلال الرحلات الميدانية.
يتيح لك كونك عالم بيئة فرصًا للعمل في مجالات مختلفة كالبحث العلمي والتعليم والمنظمات الحكومية وغير الحكومية وشركات الاستشارات البيئية وإدارات الاستدامة في الشركات العامة والخاصة. ولذلك تبدو الآفاق المستقبلية لعلماء البيئة واعدة على المستويين العالمي والمحلي. كما أن الاستدامة البيئية تقع ضمن صميم رؤية قطر الوطنية 2030، وتعد دولة قطر موطنًا لعدد من المؤسسات البحثية المرموقة في مجال البيئة، من بينها معهد قطر لبحوث البيئة والطاقة (QEERI) ومركز العلوم البيئية (ESC) في جامعة قطر.
د. آسبا خاتزيفثيميو
عالمة واستشارية في مجال البيئة
مركز “إرثنا”، ومتحف قطر الوطني
اخترت خوض مسيرة مهنية في مجال علم البيئة لأنني كنت أحب دومًا رؤية الصورة الكبيرة، أي فهم كيف تتفاعل جميع عناصر الطبيعة فيما بينها. كنت أمتلك كلبًا يسمى “ستار” ومن خلال مراقبتي له وأنا طفلة ألهمني نظرةً قيمة حول طبيعة العلاقات التفاعلية في البيئة، وذلك لأنه يفهم الطبيعة وعلاقاتها بشكل فطري! كما أثرت عائلتي في توجيهي نحو هذا المجال دون أن تدري، من خلال تشجيعها الدائم لي ولإخوتي على اللعب خارج المنزل، إن ذلك سبب شعوري المستمر بأنني أنتمي إلى الطبيعة.
حصلت على درجة البكالوريوس في علم الأحياء من جامعة مونتكلير في الولايات المتحدة الأمريكية، وكان تخصصي هو الأحياء الدقيقة، ثم حصلت على درجة الماجستير في علم الأحياء الدقيقة والوراثة الجزيئية، قبل أن أركز أطروحتي في الدكتوراه لاحقًا على علم البيئة والتطور. خلال دراساتي العليا، كنت مفتونة بفهم سلوك البكتيريا، التي تمثل أول حياة بيولوجية على وجه الأرض. ولأتمكن من دراستها، عملت في بيئات قاسية عديدة، مثل الينابيع الساخنة والمنافس المائية الحرارية في أعماق البحار، والتي يعتقد العلماء أنها تخلق ظروفًا مشابهة لتلك التي تطورت فيها البكتيريا في البيئات القديمة. بالطبع، لا يمكنك دراسة التغيرات التي طرأت عبر ثلاث مليارات سنة، ما لم تفعل ذلك من خلال عدسة التطور.
أعمل حاليًا في مركز “إرثنا” حيث أقود فريقًا من الخبراء لتقييم حالة النظام البيئي في دولة قطر، وصياغة سياسات لاستعادة وحماية أراضي البيئة الصحراوية. كما أعمل مع متحف قطر الوطني لدمج العناصر المتعلقة بالبيئة والاستدامة في معارضهم.
أحب العمل في قطر. صحراؤها وبحرها يعنيان لي الكثير. لقد ازدهرت مسيرتي المهنية هنا، كما توسعت شبكة علاقاتي المهنية بشكل ليس له مثيل. وبصفتي عالمة بيئة، فقد أٌتيحت لي كذلك فرصة دراسة المجتمعات النباتية والحيوانية، وأصبحت خبيرةً في الاستدامة والحفاظ على البيئة. وكإنسانة تعيش على هذه الأرض، فأنا دائمًا مفتونةٌ بجمال الطبيعة في قطر ومقدار الترحيب الذي أشعر به باستمرار.
إن أزمة المناخ هي مشكلة الجميع في كل مكان. إنها هنا وعلينا التعامل معها الآن! نحن بحاجة إلى أن نضع أيدينا بأيدي بعض لنحاول جاهدين تحقيق الأفضل والقيام بالمزيد لمعالجة هذه الظاهرة. إن امتلاك المعرفة حول البيئة المحلية هو المفتاح الأهم لإحداث فرق ملموس في سلامتها. ولهذا السبب أكرس وقتي وجهدي للتواصل مع المجتمع المحلي وتثقيفه، وليس الطلبة فقط. أعمل على إقناع زوار الطبيعة الخلابة في قطر بأن يصيروا مسؤولين عن حمايتها، فمع هذا الشعور بالمسؤولية يصبح كل منّا جزءًا من الحل. وعي الجمهور هو الوسيلة الأمثل لتحقيق ذلك، وهذا هو السبب الذي دفعني لتطوير صفحات خاصة بالطبيعة القطرية في المنصة التعليمية والتوعوية “iNaturalist” والتي أحث الجميع على الانضمام إليها.
هناك الكثير مما يجب فعله لجعل المجالات العلمية أكثر جاذبية للطلبة. أولًا، يجب أن نأخذ بيد كل طالب لنوضح له جمال الإبداع في العلم، والإثارة التي تصاحب اكتشاف ظاهرة علمية جديدة، ومدى روعة وقوة المعرفة. فالعلم قد يشكل أمام البعض تحديًا، لكن هذا التحدي جزءٌ من المغامرة الرائعة التي تمثلها رحلة التعلم. كما يجب على الإعلام أن يتولى تسليط المزيد من الضوء على العلماء ومشاركة قصصهم وتجاربهم ومنحهم منصة لمشاركة مغامراتهم. أنا لا أعتقد مثلًا أنه يمكن لأي شخص أن يجلس مع جين جودال، عالمة البيئة والحياة البرية الشهيرة، وأن يجد مغامراتها البيئية مملة.
المستقبل المهني لعلماء البيئة في دولة قطر يبدو مشرقًا، لأن هناك الكثير من العمل الذي يجب القيام به، ولا يوجد ما يكفي من الأيدي والعقول. لكن بغض النظر عن المسار المهني الذي قد يختاره المرء، أصبح التعرف على مفاهيم وقيم الاستدامة أمرًا ضروريًا في كل المجالات، والبيئة هي القلب النابض للاستدامة.
نصيحتي لكل طالب يخطط لحياته المهنية هي التفكير على الشكل التالي: ما الشيء الذي أود التفكير فيه بشكل متواصل لمدة 40 ساعة في الأسبوع؟ أين أود أن أقضي ذلك الوقت؟ ما هو التحدي الذي تواجهه الإنسانية وأود أن أسهم في حله؟ وعليك أن تعلم أن في علم البيئة، لا يوجد قالب جاهز لمسارك المهني، ولا مجموعة مهارات ثابتة وموحدة. فأنا مثلًا حصلت على درجة الدكتوراه لأطور مهاراتي في التفكير النقدي ولأقود فرق البحث العلمي، بينما اخترت العمل الميداني لأنني أحب أن أكون في الطبيعة. في الوقت نفسه، يعمل زملاء آخرون لي على البيانات الضخمة، وتقنيات الاستشعار عن بعد، وصنع السياسات والتدريس. إذا كانت هناك مهارة واحدة تربط علماء البيئة ببعضهم البعض فهي حتمًا حبنا المطلق للطبيعة.
الخطوة التالية التي أحلم بها في حياتي المهنية هي جمع التبرعات من أجل شراء الأراضي بهدف حمايتها.

