ثورة الذكاء الاصطناعي: قطر على المسار الصحيح
بحسب تحليل شركتي “باديكوم” و”ديلويت”، يقدر حجم سوق الذكاء الاصطناعي في قطر خلال عام 2022 بنحو 31 مليون دولار أمريكي، كما يتوقع أن ينمو بحوالي 17 في المئة سنويًا ليبلغ ما يقارب 60 مليون دولار أمريكي بحلول عام 2026.
وقد حرصت دولة قطر مبكرًا على مواكبة التنافس العالمي على تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث اعتمدت وزارة المواصلات والاتصالات في عام 2019 مخطط استراتيجية قطر الوطنية في مجال الذكاء الاصطناعي الذي طرحه معهد قطر لبحوث الحوسبة، التابع لجامعة حمد بن خليفة.
تهدف الاستراتيجية لوضع خطة تمكن دولة قطر من تسخير الذكاء الاصطناعي كعامل تمكين تكنولوجي يسهم في تحقيق الركائز التنموية الأربع لرؤية قطر الوطنية 2030؛ الاقتصادية والاجتماعية والبشرية والبيئية. كما ترسم الاستراتيجية ملامح إعداد المجتمع القطري لكي يتبنى بفاعلية تقنيات الذكاء الاصطناعي المتوافقة مع الاحتياجات والتقاليد المحلية.
وقد حددت الاستراتيجية بدورها ست ركائز أساسية من شأنها أن تسهم في بناء بيئة مميزة للبحث والابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي داخل دولة قطر، وتوفر إطارًا لتنظيم خطط العمل والاستثمارات المستقبلية في هذا المجال، وهي: التعليم والوصول للبيانات والعمالة والأعمال التجارية والبحوث والأخلاقيات. وبحسب ما ورد في المخطط العام للاستراتيجية، تحتاج دولة قطر للتركيز على جانبين أساسيين، أولهما: أن تصبح قادرة على إنتاج تطبيقات ذكاء اصطناعي عالمية الطراز في المجالات التي تحظى بالاهتمام على الصعيد الوطني، وأن تنمي بيئة أعمال تتيح استخدام الذكاء الاصطناعي باعتباره محركًا للابتكار. أما الثاني، أن تصبح كذلك مستهلكًا فاعلًا للذكاء الاصطناعي، مع وجود مواطنين متعلمين تعليمًا مناسبًا، إلى جانب قوانين سليمة ومبادئ توجيهية أخلاقية.
تمتلك دولة قطر بنية تحتية رقمية متطورة كما تحتل مركزًا متقدمًا عالميًا في سرعة الإنترنت، وتعتبر الاستراتيجية أن هناك فرصًا جيدة أمام دولة قطر لامتلاك وسائل الإنتاج المستقبلية في الذكاء الاصطناعي من خلال الاستثمار الحكيم في تلك التكنولوجيا، خاصة مع تعدادها السكاني المتعلم والشغوف بتكنولوجيا المعلومات، وهو ما يتيح الاعتماد على الأتمتة المشتقة من الذكاء الاصطناعي لزيادة القدرة البشرية التي تعزز قدرات القوى العاملة القطرية في وقت قصير.
ونبهت الاستراتيجية إلى أن عدم التنافس في مضمار الذكاء الاصطناعي من شأنه أن يضر بخطط قطر لتنويع اقتصادها والتحول إلى مجتمع قائم على المعرفة، وذلك لأن الأتمتة القائمة على الذكاء الاصطناعي سيكون لها أثر بالغ في مشهد العمالة في جميع البلدان. ووفقًا لدراسة أعدها معهد قطر لبحوث الحوسبة، فإن 46% من المهام الوظيفية في الدولة يمكن أن تستفيد وتتعزز باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
لكن الاستراتيجية حذرت كذلك من وجود تهديد حقيقي يتمثل في تعرض بعض الوظائف للأتمتة من بينها المهن الإدارية المكتبية التي يعمل معظم المواطنين القطريين فيها.
اقترحت الاستراتيجية كذلك عددًا من التوصيات ضمن كل ركيزة توضح ما يلزم اتخاذه من تدابير لتوجيه دولة قطر نحو مستقبل الذكاء الاصطناعي، وتمكينها من تحقيق مزايا تنافسية مستدامة تحفظ دورها الفاعل في الاقتصاد والمجتمع العالميين.
وتخلص الاستراتيجية إلى أن دولة قطر في وضع جيد لتطوير تطبيقات ذكاء اصطناعي وإتقانها. كما أنها أمام فرصة ذهبية لكي تلعب دورًا فاعلًا وحاسمًا في اقتصاد المستقبل القائم على الذكاء الاصطناعي، لكنها تحتاج للعمل فورًا على اغتنام تلك الفرصة من خلال الاستثمار بكثافة في تعليم مواطنيها وإعادة تدريبهم لتعزيز قدراتهم الحالية بتقنيات الذكاء الاصطناعي، وبناء بيئة مواتية لتطوير تقنيات ذكاء اصطناعي رائدة.
وقد وافق مجلس الوزراء القطري في عام 2021 على إنشاء لجنة لوضع آليات متابعة وتنفيذ هذه الاستراتيجية بالتنسيق مع الوزارات والجهات المعنية بالدولة، بالإضافة إلى الإشراف على البرامج والمبادرات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي التي تطلقها الدولة. كما تشمل مهامها وضع التوصيات الخاصة بخطط وبرامج إعداد الكوادر البشرية في مجال تطبيقات الذكاء الاصطناعي بالتنسيق مع الجهات المختلفة، ودعم الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي والبحث العلمي في هذا المجال.
وتجدر الإشارة كذلك إلى أن هناك عوامل أخرى تنبئ بتزايد الطلب على حلول الذكاء الاصطناعي في دولة قطر مستقبلًا وتوفير المزيد من فرص العمل في هذا المجال، أبرزها إطلاق برنامج قطر الذكية “تسمو” الذي يركز على تعزيز مسيرة التحول الرقمي في الدولة وبناء منظومات ذكية ضمن خمس قطاعات، هي: المواصلات والخدمات اللوجستية والرعاية الصحية والبيئة والرياضة.
أبرز توصيات استراتيجية قطر الوطنية في مجال الذكاء الاصطناعي ضمن ركائز التعليم والعمالة والبحوث
التعليم
- في ظل التنافس على مواهب الذكاء الاصطناعي، تحتاج دولة قطر لإعداد منهج تعلم أكاديمي وتجريبي قوي قائم على المشاريع والأنشطة، لاعتماد الذكاء الاصطناعي للمستويات من رياض الأطفال إلى السنة الأخيرة من التعليم الثانوي.
- تصميم شهادات ذات مسارات تدريبية متأصلة مثل الطب القائم على الذكاء الاصطناعي، حيث يستطيع الطلبة التفاعل مع الباحثين والشركات لبناء تطبيقات ذكاء اصطناعي مناسبة لدولة قطر.
- تشجيع بيئة نابضة بالحياة للأبحاث وريادة الأعمال من أجل تطوير تطبيقات ذكاء اصطناعي مبتكرة تلبي المصلحة الوطنية لدولة قطر.
- اعتماد استراتيجيات لاستقطاب أفضل مواهب الذكاء الاصطناعي من جميع أنحاء العالم.
العمالة
- توفير الحوافز المالية للأعمال التجارية المحلية لكي تتبنى حلوًلا جديدة قائمة على الذكاء الاصطناعي وتقاوم إغراء استخدام الأيدي العاملة منخفضة التكلفة كبديل لتبني تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.
- تثقيف وتدريب المواطنين القطريين على إدارة حلول الذكاء الاصطناعي وبنائها والاستثمار فيها بغية إحداث تحسن مستمر في مستويات المعيشة والإنتاجية الاقتصادية في الدولة.
البحوث
- إنشاء تطبيقات تستخدم معالجة اللغة العربية لاستخدامها في الأعمال لتصبح دولة قطر رائدة في هذا المجال بين الدول العربية.
- الاستفادة من خبرات الذكاء الاصطناعي المتاحة داخل البلد في المجالات ذات الأهمية الاستراتيجية لدولة قطر، مثل النفط والغاز والنقل والصحة والأمن السيبراني، بهدف تحقيق ميزة تنافسية في الاستخدامات المحددة التي يمكن أن تدر عائدات من التصدير في المستقبل.

