التكنولوجيا المالية في قطر نحو مرحلة جديدة
هل سمعت من قبل مصطلح “فينتيك”؟ هو مصطلح باللغة الإنجليزية معناه التكنولوجيا المالية. وكما هو واضح من الاسم فإنه يصف أي تطبيق لحلول تكنولوجية ترفع من كفاءة الخدمات المالية. بمعنى أبسط، إنه العالم الذي تلتقي فيه التكنولوجيا مع القطاع المالي، وقد أصبح الآن في حد ذاته صناعة قيمتها مئات المليارات من الدولارات. لقد أحدثت التكنولوجيا المالية ثورة هائلة في القطاع المالي. يبدو ذلك جليًا خلال العقدين الأخيرين خاصة مع ظهور الإنترنت وانتشار الهواتف الذكية، لكن في الواقع العلاقة بين الاثنين أقدم من ذلك بكثير. فالقطاع المالي كان ولا يزال من أكثر القطاعات التي اعتمدت على التكنولوجيا في تطوير خدماتها عبر التاريخ. المحطات عديدة، لكن بالإمكان اعتبار أن الرحلة بدأت عندما قررت المصارف الاعتماد على خدمة البرقيات خلال القرن التاسع عشر لضبط التحويلات فيما بينها، ثم كانت هناك نقلة كبرى أخرى في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي مع استيعاب المؤسسات المالية للإمكانيات التي يمكن أن توفرها الحواسيب. ثم ظهرت بعد ذلك بطاقات الائتمان وماكينات الصراف الآلي وغيرها من الحلول التي ساعدت المؤسسات المالية على تقديم تجربة أفضل لعملائها.
وإليك مثالًا بسيطًا لتلحظ التأثير الهائل للتكنولوجيا المالية: في تسعينيات القرن الماضي كان تحويل مبلغ من المال من حساب إلى آخر يتطلب منك زيارة فرع البنك الخاص بك وانتظار دورك وإبراز المستندات المطلوبة وربما انتظار الحصول على موافقات، وهو ما يمكنك القيام به الآن في ثوان من خلال بعض النقرات على شاشة هاتفك المحمول. بل أصبح بإمكانك إدارة حساباتك المصرفية واستثمار أموالك والدفع لشراء المنتجات في المتاجر عبر الهاتف المحمول. إنه تطور هائل كان من الصعب تخيله آنذاك، لكنه أصبح واقعًا تعاملت معه المؤسسات المالية التقليدية، كما تعلم الكثير منها دروسًا مهمة خلال أزمة كوفيد-19، والآن بات عليها إكمال الرحلة في إطار تحولها الرقمي.
ولم يعد من الواجب على تلك المؤسسات البحث فقط عن كيفية الاستفادة من التكنولوجيا لتطوير خدماتها، فالتطور التكنولوجي السريع وبروز التقنيات الناشئة أصبح يفرض عليها التنافس مع شركات ناشئة بنيت على التكنولوجيا المالية وأصبحت قادرة على توفير خدمات مماثلة لما تقدمه المؤسسات المالية التقليدية. بل ربما يكون ما تقدمه ملائمًا وجذابًا للأجيال الشابة التي تقضي أوقاتًا طويلة متنقلة بين شاشات الحواسيب والهواتف المحمولة والأجهزة اللوحية. وما سيزيد المنافسة صعوبة هو دخول الشركات العملاقة في مجال التكنولوجيا مثل “آبل” و”جوجل” و”فيسبوك” على خط المنافسة من خلال تقديم خدمات مالية عبر منصاتها.
يبدو من كل ما سبق ذكره أنه لا يوجد مفر من أن ترسم التكنولوجيا المالية مستقبل القطاع المالي، لكن سرعة حدوث ذلك وقدرة المؤسسات على الاستفادة منه ستحددها عوامل كثيرة، أهمها العملاء أنفسهم ومدى اهتمامهم بتبني الحلول التكنولوجية لتسهيل شؤون حياتهم. في النهاية، من سينجح في تقديم تجربة أفضل توفر وقت وجهد العملاء سيبلغ المراد. لكن سيتوقف الأمر كذلك على مدى تطور خدمات التكنولوجيا المالية ودمجها في تطبيقات مفيدة مع تقنيات ناشئة أخرى مثل الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي وسلسلة الكتل والأمن السيبراني وإنترنت الأشياء والخدمات السحابية والحوسبة الكمية. ولا يمكن أن نغفل أن الاعتماد على التكنولوجيا، إذا وُظفت بشكل سليم، بإمكانها أن تسهم في تحقيق أهداف أكبر على المستوى الوطني مثل الاستدامة والشمول المالي وتوفير الوصول لذوي الإعاقة. وكل تلك الأسباب لا تدع مجالًا للشك بأن المستقبل سيكون للتكنولوجيا المالية!
تطبيقات متنوعة للتكنولوجيا المالية:
هناك معايير عديدة يمكن من خلالها تصنيف تطبيقات التكنولوجيا المالية، من بينها تقسيمها بحسب نوع الخدمات التي تقدمها، تعرف على أبرزها:
خدمات الدفع وتحويل الأموال
تشمل هذه الخدمات تطبيقات الدفع وتحويل الأموال عبر الهواتف المحمولة، والمحافظ الرقمية التي تسمح بتخزين معلومات الدفع على الهواتف المحمولة واستخدامها كبديل لكروت البنوك، بالإضافة إلى منصات تحويل الأموال على المستوى الدولي.
خدمات الإقراض والائتمان
توفر هذه الخدمات حلولًا مثل الإقراض من نظير إلى نظير، والذي يستطيع الأفراد من خلاله توفير قروض لأشخاص آخرين بشكل مباشر، ومنصات الإقراض عبر الإنترنت الموجهة للأفراد والمؤسسات التي توفر خدمات مثل خدمة “اشتر الآن وادفع لاحقًا”.
خدمات الاستثمار وإدارة الثروات
تتضمن هذه الخدمات تطبيقات تداول الأسهم والأوراق المالية، ومنصات التمويل الجماعي التي تسمح لشركات ناشئة بالحصول على تمويل من خلال إسهامات بسيطة من أعداد كبير من المستثمرين، بالإضافة إلى روبوتات الاستشارات المالية التي يمكنها تقديم نصائح للمستثمرين وإدارة استثماراتهم بالاعتماد على تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي.
خدمات التأمين
فئة من الخدمات آخذة في الاتساع بشكل كبير وقد أصبحت تعرف بتكنولوجيا التأمين أو “Insurtech”. يمكن من خلال هذه الخدمات شراء بوليصة تأمين رقمية بدون الحاجة لزيارة أي شركة، كما أن الشركات تعتمد على التكنولوجيا بشكل كبير للتعامل مع طلبات التعويض وكشف الاحتيال.
البنوك الرقمية
تعرف بمصطلح “Neobank” وهي فئة من البنوك حققت نجاحات هائلة في دول عديدة حول العالم، مع العلم أنها رقمية بالكامل وتقدم خدماتها فقط عبر الإنترنت وتطبيقات الهواتف المحمولة والأجهزة اللوحية.
الخدمات المعتمدة على تقنية سلسلة الكتل “Blockchain“
تشمل هذه الخدمات منصات بيع وشراء العملات الرقمية المشفرة مثل “بيتكوين”، بالإضافة إلى التمويل اللامركزي “DeFi” والعقود الذكية التي من شأنها أن تضمن حقوق الأطراف بكفاءة أكثر من العقود الورقية.
خدمات توفير البيانات والتحليلات المالية
تسمح هذه الخدمات برؤية صورة كاملة للخدمات المالية المتاحة في السوق وتساعد الأفراد والمؤسسات في تقييم الخيارات المتاحة أمامهم بشكل أفضل واتخاذ قرارات استثمار أفضل.
خدمات التكنولوجيا التنظيمية
تعرف هذه النوعية من الخدمات بمسمى “RegTech” وهي موجهة بشكل رئيسي للمؤسسات المالية، وتشمل خدمات تساعد المؤسسات في الامتثال للوائح التنظيمية وإدارة المخاطر بكفاءة، كما أنها تشمل خدمات التحقق من هوية العملاء مثل اعرف عميلك (KYC)، ومكافحة الجرائم المالية مثل مكافحة غسل الأموال (AML).
خدمات مخصصة للشركات
تساعد هذه الخدمات الشركات الصغيرة والمتوسطة على إدارة شؤونها المالية بشكل أفضل، ويشمل ذلك خدمات معالجة الدفع التي تسهل على هذه الشركات قبول الدفع عبر كروت الائتمان والهواتف والأجهزة اللوحية أو عبر الإنترنت.
ملحوظة: مجال التكنولوجيا المالية دائم التطور والتوسع وهو ما يعني أن هناك دومًا فرص لظهور فئات فرعية وخدمات جديدة في كل الفئات التي ذكرناها.
سوق العمل سيتأثر لكن الفرص قائمة
مع التغيير الجذري الذي أحدثته التكنولوجيا المالية في قطاع المال والخدمات التي يقدمها، لا يمكن إغفال تأثيرها على سوق العمل. ومع توجه مؤسسات القطاع المالي للاستثمار في حلول التكنولوجيا المالية من المتوقع أن تتغير متطلباتها من القوى البشرية. ولا يختلف الأمر كثيرًا عما حدث عندما تبنت تلك المؤسسات الحلول التكنولوجية في الماضي. فالموظفين الحاليين في القطاع المالي عليهم أن يكونوا مستعدين لتطوير مهاراتهم واكتساب مهارات جديدة تؤهلهم للتعامل مع حلول التكنولوجيا المالية التي تتبناها مؤسساتهم، كما أن عليهم أن يتقبلوا القيام بأدوار مختلفة إذا تطلب الأمر ذلك.
في الوقت ذاته، من الطبيعي أن يقل الطلب على بعض الوظائف، خاصة تلك التي تتطلب التعامل المباشر مع العملاء، لكن في المقابل سيزداد الطلب على وظائف أخرى مرتبطة بتطبيق حلول التكنولوجيا المالية. لكن يجب ألا ننسى أن قطاع التكنولوجيا المالية نفسه بما فيه من مؤسسات كبرى وناشئة من شأنه أن يوفر عددًا كبيرًا ومتنوعًا من الوظائف. من بين تلك الوظائف ما هو مرتبط مباشرة بالتخصصات المالية مثل المحاسبة والتحليل المالي، ومنها ما هو مرتبط بالتكنولوجيا مثل تحليل البيانات والأمن السيبراني وعلوم البيانات وهندسة الحاسوب والتصميم وتطوير البرامج، إلى جانب تخصصات التقنيات الناشئة المتنوعة مثل الذكاء الاصطناعي وسلسلة الكتل.
ولا بد من الإشارة كذلك إلى أن قطاع التكنولوجيا المالية سيوفر فرصًا لا محدودة لرواد الأعمال، فالشركات الناشئة كان لها الدور الأكبر فيما وصل إليه القطاع من مكانة حتى الآن.
ولقد أصبح بإمكان أي شخص الآن التعرف بنفسه عن كثب على التكنولوجيا المالية واكتساب بعض المهارات المطلوبة للاستفادة منها، عبر الالتحاق بواحدة من الدورات المتوفرة عبر شبكة الإنترنت. كما أن جامعات عديدة حول العالم بدأت بالفعل في تقديم برامج في تخصص التكنولوجيا المالية لمن يرغب باختيار بناء مسار مهني في هذا المجال.
قطر تعلن استراتيجيتها
سيتوقف انتشار التكنولوجيا المالية كذلك على مدى تقبل الحكومات لها وقدرتها على وضع الإطار القانوني لمنظومة تمكن المؤسسات والشركات من تطويرها والاستفادة منها. في مارس ٢٠٢٣، كشف بنك قطر المركزي النقاب عن استراتيجية قطر للتكنولوجيا المالية والتي يهدف من خلالها لتعزيز التنوع والابتكار في القطاع المالي بهدف دعم الاقتصاد المتنوع والاستثمار في الاقتصاد القائم على المعرفة تماشيًا مع رؤية قطر الوطنية 2030. ومن شأن هذه الاستراتيجية أن تسهم في تطوير منظومة شاملة لقطاع التكنولوجيا المالية ابتداءً من مراحل تأسيس الشركات المتخصصة في مجال التكنولوجيا المالية، وصولًا لتمكينها من النمو والتوسع السريع. كما أنها ستدعم تطوير الخدمات المالية التي تقدمها المصارف والبنوك في قطر.
وتعتمد الاستراتيجية على أربعة محاور رئيسية: الأول، إنشاء بنية تحتية رائدة تشمل قواعد تنظيمية متطورة ومنصات إلكترونية تدعم تنمية التكنولوجيا المالية؛ والثاني، منح الأولوية للابتكار والنمو لقطاع التكنولوجيا المالية؛ أما الثالث، تنمية القدرات البشرية المتعلقة بالتكنولوجيا المالية من خلال إنشاء منهج عالمي المستوى للتكنولوجيا المالية بالتعاون مع الجامعات وتطوير برامج داعمة لرواد الأعمال. في المقابل، يركز المحور الرابع على تمكين التكنولوجيا المالية من إحداث تأثير إيجابي في حياة المواطنين ونشاط الشركات وتحقيق الرفاهية العامة للمجتمع من خلال تقديم خدمات سلسة ودعم التحول للتعاملات غير النقدية وتعزيز الشمول المالي.
وقد تحددت مجموعة من المبادرات التي سيقودها مصرف قطر المركزي ويتعاون من خلالها شركاء منظومة التكنولوجيا المالية من أجل تنفيذ هذه الاستراتيجية التي يتوقع أن تحقق نتائج ملموسة خلال السنوات الخمس المقبلة، من بينها ظهور المزيد من الشركات الناشئة العاملة في مجال التكنولوجيا المالية وتوفير المزيد من الوظائف، بالإضافة إلى ارتفاع القيمة الاقتصادية المضافة المباشرة للقطاع من 12 مليون إلى ما يقارب نصف مليار ريال قطري.

