مستقبل مهندسات قطر أكثر إشراقًا مع: قــــــويـــــة

 

على مدى العقود الماضية، نجحت المرأة القطرية في اقتحام مختلف مجالات العمل وأثبتت حضورها بقوة لتشارك في بناء النهضة الاقتصادية التي شهدتها البلاد وتتبوأ أرفع المناصب على المستويين الوطني والدولي.

لم يتحقق ذلك من فراغ، فقد كان نتيجة طبيعية للجهود الكبيرة التي بذلتها القيادة الرشيدة في دولة قطر من أجل دعم وتمكين المرأة على مختلف المستويات والحفاظ على حقوقها وتعزيز دورها في المجتمع إيمانًا منها بأهمية دورها اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا.

ومع توفير فرص عادلة للنساء في التعليم وضمان المساواة بين الجنسين في مكان العمل، حدث تحول لافت في المشهد يمكن تلخيصه في الإحصاءات الرسمية الحديثة التي أكدت ارتفاع نسبة خريجات التعليم العالي من النساء في قطر لتقترب من 70 في المئة. كما أنهن أصبحن يشغلن ما يقارب نصف القوة العاملة في الدولة.

لكن رغم كل المكتسبات التي حققتها المرأة القطرية، ما زالت بعض التحديات قائمة. فهناك مهن لا يزال المجتمع يرى أنها غير مناسبة للمرأة رغم وجود نماذج عديدة من سيدات حققن النجاح فيها. في حين أن هناك أفكارًا مغلوطة ما زالت تحظى بتأييد من البعض، مثل أن المرأة المتزوجة لا تستطيع القيام بعملها وتربية أبنائها في الوقت نفسه، أو أنها لن تؤدي عملها بالكفاءة نفسها التي سيؤديها بها الرجل لسبب أو لآخر، أو ستواجه صعوبة في الالتزام إذا ما تمت ترقيتها لمناصب أعلى ومنحها مسؤوليات أكبر.

 

وتعد الهندسة واحدة من المجالات التي ما زالت المرأة القطرية تواجه فيها بعض التحديات، خاصة عندما يتعلق الأمر بتخصصات هيمن عليها الرجال لفترات طويلة.

ويحدث ذلك على الرغم أن الهندسة تعد من أكثر المجالات التي تشهد إقبالًا كبيرًا على دراستها من قبل الطالبات في دولة قطر. على سبيل المثال، تمثل الفتيات نصف عدد الطلبة المسجلين في جامعة تكساس إيه أند أم في قطر التي توفر برامج بكالوريوس في هندسة البترول والهندسة الميكانيكية والكهربائية والكيميائية، وهي نسبة تتجاوز النسب العالمية في العديد من الدول الكبرى. وقد قدمت الجامعة منذ تأسيسها في قطر ما يزيد عن 1400 خريج، 43 في المئة منهم فتيات، أكثر من نصفهنّ قطريات.

إحدى هؤلاء الخريجات كانت المهندسة عبير بوحليقة، التي حصلت على بكالوريوس هندسة البترول في تخصص احتياطيات البترول عام 2011.

تتولى عبير حاليًا منصب منسقة قسم الموارد واحتياطيات البترول في قطر للطاقة التي استهلت عملها فيها مباشرة بعد تخرجها وخاضت فيها مسيرة مهنية حافلة.

لم تكن رحلة المهندسة عبير سهلة بأي حال من الأحوال، حيث واجهت في بداية مسيرتها تحديات عديدة لأن الكثيرين كانوا يرون أن قطاع النفط والغاز يناسب الرجال فقط بسبب عوامل مثل بيئة العمل الشاقة والحاجة للتواجد في المواقع. لكن المهندسة الشابة صمدت في مواجهة تلك التحديات وصممت على تحقيق النجاح لتصبح الآن واحدة من أبرز الخبراء داخل دولة قطر في مجالات العمليات والتحسين والاحتياطيات وتنسيق الموارد.

 

البداية

كانت المهندسة عبير تأمل دومًا أن تستفيد الطالبات من تجربتها ويعززن ثقتهن بأنفسهن ويحققن طموحهن في اختيار مجال الهندسة والتفوق فيه مهما كانت الصعوبات. وفي عام 2018، التحقت بجامعة حمد بن خليفة لدراسة ماجستير الآداب في دراسات المرأة في المجتمع والتنمية، والذي تقدمه كلية العلوم الإنسانية والمجتمع. كما قررت أن يكون بحثها عن كيفية إيجاد حلول لسد الفجوة فيما يتعلق بوجود المرأة في المناصب القيادية.

وخلال لقاء جمع سعادة الشيخة هند بنت حمد آل ثاني، نائب رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمؤسسة قطر، طرحت سعادتها فكرة تأسيس رابطة تضم جميع المهندسات في الدولة بمختلف تخصصاتهن ليصبح هناك صوت واحد يمثلهن وكيان تجد فيه المهندسات بيئة دعم متبادلة.

منذ تلك اللحظة، عملت المهندسة عبير على تحقيق هذا الهدف، وبدأت العمل بجد من أجل تأسيس لجنة للمهندسات في دولة قطر. كانت البداية بالاجتماع مع الدكتورة حنان فرحات، مؤسسة ومديرة مركز التآكل التابع لمعهد قطر لبحوث البيئة والطاقة، وهي من المهندسات الرائدات في مجال هندسة التآكل، كما أن تجربتها الثرية وخبرتها الواسعة تعدان مصدر إلهام للكثير من المهندسات الشابات في دولة قطر.

ورغم العوائق التي واجهت المهندسات الشابات تأسست لجنة المهندسات القطرية تحت مظلة جمعية المهندسين القطرية، لكن جائحة كورونا عطلت الإعلان الرسمي عنها حتى سبتمبر 2020، وقد تم ذلك عبر حدث افتراضي.

وأطلق على اللجنة اسم “قوية” وهو اختصار الأحرف الأولى لاسم اللجنة باللغة الإنجليزية، حيث رأت عضوات اللجنة أن هذا الاسم مناسب تمامًا لما يسعين لتحقيقه وهو منح المهندسات القوة وإلهامهن لمجابهة كل التحديات التي قد تواجههن خلال الدراسة والعمل في طريقهن لبلوغ النجاح المهني.

 

جهود حثيثة

ترتكز رؤية “قوية” على تشجيع الفتيات على دراسة الهندسة واختيارها كمسار مهني. ويأتي ذلك من خلال برامج وأنشطة مختلفة، من بينها القيام بزيارات إلى المدارس لتنظيم جلسات نقاشية تعمل من خلالها مهندسات من اللجنة على تعريف الطالبات بمجال الهندسة وتسليط الضوء على تخصصاتها المختلفة من خلال الحديث عن خبراتهن وتجاربهن المهنية الناجحة.

وتقول المهندسة عبير: “أفضل وسيلة لإلهام الطلبة وهم في سن صغيرة هي أن توفر لهم نماذج يحتذى بها. زيارات مهندساتنا إلى المدارس تمنح الطلبة ذلك وتشجعهم على البحث في التخصصات الهندسية واتباع مسيرة مماثلة. نقوم كذلك بتنظيم مخيمات مهنية للتعريف بالهندسة وتخصصاتها المختلفة. ونحرص على التعاون مع المؤسسات المحلية من أجل ضمان الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الأطفال والشباب”.

ومن بين أبرز المؤسسات التي تعاونت معها اللجنة خلال الفترة الماضية، النادي العلمي القطري، حيث وقع الجانبان اتفاقية تعاون تقوم من خلالها مهندسات من اللجنة بالمساعدة في تشغيل المعامل والمختبرات في النادي.

تحرص “قوية” كذلك على التواجد في مختلف المعارض المهنية والمؤتمرات المتعلقة بالتعليم أو مجالات الهندسة، إلى جانب المشاركة في كافة الأحداث الوطنية من أجل توعية المجتمع بأهمية دور المهندسات وإسهاماتهن في بناء الاقتصاد الوطني، وتسليط الضوء في الوقت نفسه على جهود اللجنة.

والأمر لا يقتصر على ذلك، فهناك تركيز من اللجنة على المهندسات وطالبات كليات الهندسة من خلال برامج توجيه وتدريب وورش عمل تساعدهن على مواجهة التمييز في العمل وتنمية مهارات مثل المرونة والصمود في مواجهة أي تحديات قد تواجههن في مكان العمل، إلى جانب تطوير مهارات القيادة لديهن وإعدادهن ليكُنّ قائدات في مجالهن.

وتقوم “قوية” كذلك بتكريم المهندسات الناجحات في دولة قطر وتسليط الضوء على ما حققنه من إنجازات.

 

مستقبل مبشر

تترأس اللجنة حاليًا المهندسة زينب الخياط، في حين تتولى المهندسة عبير منصب نائب رئيس اللجنة التي أصبح لها مجلس عضوية ولجان فرعية عديدة ترأسها مهندسات شابات. وارتفع عدد عضوات اللجنة إلى ما يزيد عن 200 عضوة من القطريات وغير القطريات، من بينهن مهندسات من مختلف المجالات الهندسية، وكذلك طالبات في كليات الهندسة.

وعن أسباب نجاح “قوية” تقول المهندسة عبير: “السر في نجاحنا هو العمل الجماعي ومنح كل مهندسة في اللجنة الفرصة بأن تكون قيادية وأن تتحمل المسؤولية. رغم أن معظم المهندسات في اللجنة متطوعات، ويعملن في وظائف بدوام كامل، إلا أنهن لا يكللن ولا يتوقفن عن إظهار الحماس والتواجد في كل حدث. إنهن يرغبن بالفعل في إحداث تغيير حقيقي لجميع المهندسات في قطر نحو الأفضل”.

وتضيف المهندسة عبير: “لم تكن اللجنة لتنجح كذلك من دون دعم جمعية المهندسين القطرية وجامعات المدينة التعليمية والمؤسسات التعليمية في الدولة. كما لا يمكن أن أنسى الدعم الكبير الذي قدمته لنا الدكتورة أمل المالكي، العميد المؤسس لكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة حمد بن خليفة”.

خلال أقل من ثلاث سنوات نجحت “قوية” في إحداث تغيير حقيقي في حياة العديد من الطالبات والمهندسات الشابات، وأثبتت أهمية مثل تلك المبادرات في تطوير المسيرة المهنية للمرأة وتعزيز دورها المجتمعي. لكن كل ما تحقق ليس سوى البداية كما توضح بو حليقة: “عندما بدأنا العمل على تأسيس اللجنة لم نكن نتخيل أننا قادرون على تحقيق كل ذلك في هذه الفترة الوجيزة. لقد فتح ذلك المزيد من أبواب التعاون مع المؤسسات المحلية، ونحن نتلقى بالفعل العديد من الطلبات للتعاون مع مؤسسات مختلفة على مشاريع مشتركة تخدم المجتمع. ومن دواعي فخرنا كذلك أن إنجازات اللجنة كان لها صدى كبير في منطقة الخليج، وقد تواصلت معنا مهندسات من مختلف الدول، بعضهن يمثلن جمعيات تبحث عن سبل للتعاون والبعض الآخر يسعين لإنشاء لجان مشابهة في دولهن. ما زال أمامنا الكثير من الطموحات التي نسعى لتحقيقها”.